مستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني تحت ظلال التصادم الأمريكي الإسرائيلي
شبكة النبأ
2026-06-17 03:26
يدخل الاتفاق الأمريكي الإيراني مرحلة اختبار صعبة، بعدما تحوّل من مسار تفاوضي لوقف الحرب إلى نقطة خلاف متصاعدة بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تثبيت الهدنة وفتح باب التسوية مع طهران، يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يؤدي الاتفاق إلى تقييد حرية إسرائيل العسكرية، خصوصًا في لبنان ضد حزب الله، من دون معالجة جوهرية للبرنامج النووي والصاروخي الإيراني. ومن هنا يطرح التقرير إشكالية مركزية: هل يصمد الاتفاق الأمريكي الإيراني أمام تضارب المصالح بين ترامب ونتنياهو، أم يترنح تحت ضربات التصادم الأمريكي الإسرائيلي؟
مقدمة
لم يعد الاتفاق الأمريكي الإيراني المؤقت مجرد تفاهم دبلوماسي بين واشنطن وطهران لوقف الحرب وفتح باب التفاوض حول الملفات العالقة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسط اضطرابًا. فبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وجرّ إيران إلى مسار تفاوضي جديد، تبدو إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو قلقة من أن يتحول هذا الاتفاق إلى قيد استراتيجي يحد من قدرتها على مواصلة الضغط العسكري، خصوصًا في لبنان ضد حزب الله، وفي إيران ضد القدرات النووية والصاروخية.
وتكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة لافتة: الحرب التي بدأت بتنسيق أمريكي إسرائيلي ضد إيران، وكان نتنياهو يأمل أن تجعل منه مهندس تحالف قادر على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، انتهت إلى مسار دبلوماسي وضعه في موقع المتفرج القلق لا الشريك الحاسم. فقد وجدت إسرائيل نفسها خارج غرفة التفاوض المباشرة بين واشنطن وطهران، بينما بدأت واشنطن تنظر إلى استمرار العمليات الإسرائيلية، ولا سيما في لبنان، بوصفه عاملًا مهددًا لمسار الاتفاق.
هذا التحول وضع نتنياهو وترامب على مسار تصادمي واضح. فالرئيس الأمريكي يريد وقف الحرب ومنع انفجار إقليمي أوسع، بينما يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يؤدي الاتفاق إلى تثبيت مكاسب إيرانية وتأجيل معالجة القضايا الأكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل. وفي قلب هذا التباين تقف ثلاثة ملفات كبرى: البرنامج النووي الإيراني، برنامج الصواريخ الباليستية، ودعم طهران لحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان.
من هنا تنبع أهمية هذا التقرير: فمستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يتوقف على نيات طهران وحدها، ولا على قدرة واشنطن على صياغة تفاهم نهائي خلال ستين يومًا، بل يتوقف أيضًا على قدرة ترامب على ضبط إيقاع إسرائيل، وعلى استعداد نتنياهو للقبول باتفاق لا يرى فيه ضمانات كافية لأمن بلاده. وإذا استمرت الضربات الإسرائيلية في لبنان، أو عادت المواجهة المباشرة مع إيران، فإن الاتفاق قد يتحول من فرصة تهدئة إلى هدنة هشة تترنح تحت ضربات التصادم الأمريكي الإسرائيلي.
اتفاق مؤقت يحمل بذور الأزمة
الاتفاق الأمريكي الإيراني المطروح يقوم، بحسب المعطيات المتداولة، على وقف مؤقت للعمليات العسكرية وفتح فترة تفاوض تمتد إلى ستين يومًا، يتم خلالها بحث الشروط النهائية التي يفترض أن تعالج هواجس واشنطن وتل أبيب، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني. كما يتضمن الاتفاق إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الممرات النفطية في العالم، بعد أن أصبح جزءًا من أدوات الضغط في الحرب الأخيرة.
لكن مشكلة الاتفاق لا تكمن فقط في أنه مؤقت، بل في أنه يرحّل أعقد القضايا إلى المستقبل. فإسرائيل ترى أن الملف النووي، الذي كان أحد المبررات الأساسية للحرب، لم يُحسم بعد. كما أن برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران للجماعات المسلحة في الإقليم لا يظهران، بحسب التقديرات الإسرائيلية، في صلب جدول المحادثات الحالية. وهذا يعني من وجهة النظر الإسرائيلية أن الاتفاق يوقف الحرب من دون أن يزيل أسبابها.
وترى تل أبيب أن فترة الستين يومًا قد لا تكون سوى بداية لمسار تمديد أطول، قد يصل إلى تسعين يومًا أو أكثر، بما يمنح إيران وقتًا لإعادة ترتيب أوراقها، ويمنح واشنطن مبررًا للضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية طوال فترة التفاوض. ومن هنا يظهر الخوف الإسرائيلي من أن تتحول الهدنة المؤقتة إلى حالة تجميد استراتيجي، تكون إيران فيها أقل عرضة للضغط العسكري، بينما تبقى إسرائيل مطالبة بضبط النفس.
في المقابل، تنظر واشنطن إلى الاتفاق بوصفه ضرورة سياسية وأمنية. فاستمرار الحرب يهدد المصالح الأمريكية في الخليج، ويعرض القوات والقواعد الأمريكية لمخاطر متزايدة، كما يهدد أسواق الطاقة الدولية عبر مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك، لا يريد ترامب أن يظهر أمام الداخل الأمريكي وكأنه غارق في حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا أن جزءًا من قاعدته الانتخابية المحافظة يعارض الانخراط العسكري المفتوح.
هكذا، يتضح أن الاتفاق يحمل منذ لحظته الأولى تناقضًا بنيويًا: واشنطن تريد تهدئة تقود إلى تسوية، وإسرائيل تريد تسوية لا تمنعها من استخدام القوة متى رأت أن أمنها مهدد. وبين هذين المنطقين، تتشكل أزمة الثقة التي قد تقرر مصير الاتفاق.
من تحالف الحرب إلى خلافات التسوية
عندما دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، بدا المشهد وكأنه لحظة انتصار لرؤية نتنياهو القديمة. فقد أمضى رئيس الوزراء الإسرائيلي سنوات طويلة يدفع واشنطن إلى تبني موقف أكثر صرامة تجاه طهران، واعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا لا يمكن التعايش معه. وبالنسبة له، كان انضمام ترامب إلى الحرب تأكيدًا على نجاح استراتيجيته في إقناع واشنطن بضرورة استخدام القوة.
لكن الحرب لا تنتهي دائمًا بالطريقة التي يتوقعها من يبدأها. فنتنياهو كان يراهن على أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية ستقود إلى إضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه، أو على الأقل إلى تفكيك برامجه النووية والصاروخية وإضعاف أذرعه الإقليمية. أما ترامب، فبدا بعد أشهر من التصعيد أكثر ميلًا إلى تحويل الضغط العسكري إلى اتفاق سياسي، يتيح له إعلان إنجاز دبلوماسي والانسحاب من الحرب.
هنا بدأت الفجوة بين الرجلين تتسع. فنتنياهو أراد أن تكون الحرب أداة لكسر إيران وإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة، بينما أراد ترامب استخدامها كورقة ضغط تقود إلى اتفاق. وحين بدأت واشنطن تتفاوض مع طهران عبر وسطاء، من دون مشاركة إسرائيل المباشرة، شعر الإسرائيليون بأنهم انتقلوا من موقع الشريك العسكري إلى موقع الطرف المتأثر بنتائج تفاوض لا يتحكم به.
هذا التحول مسّ بصورة نتنياهو داخليًا. فقد بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على فكرة أنه الزعيم الإسرائيلي الأقدر على التعامل مع ترامب، والأكثر قدرة على انتزاع الدعم الأمريكي. خلال ولاية ترامب الأولى، استفادت إسرائيل من قرارات مهمة، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم اتفاقيات التطبيع، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي أُبرم في عهد باراك أوباما. لكن الاتفاق الحالي مع إيران يعيد طرح سؤال مؤلم بالنسبة لنتنياهو: ماذا يحدث عندما تتعارض مصالح ترامب مع أولويات إسرائيل؟
لقد تحولت العلاقة من تحالف ظاهر في الحرب إلى خلاف واضح في التسوية. وهذا ليس تفصيلًا عابرًا، لأن الحروب غالبًا ما تختبر التحالفات عند لحظة الخروج منها أكثر مما تختبرها عند لحظة الدخول إليها.
لبنان عقدة الاتفاق وميدان التصادم
تبدو الساحة اللبنانية أكثر الملفات قدرة على تفجير الاتفاق الأمريكي الإيراني. فإيران تصر على أن أي تفاهم مع واشنطن يجب أن يشمل وقفًا للقتال في لبنان، حيث يواجه حزب الله المدعوم من طهران عمليات عسكرية إسرائيلية مستمرة. أما إسرائيل فتريد فصل جبهة لبنان عن الاتفاق مع إيران، وتؤكد أن لها الحق في مواصلة ضرب حزب الله إذا استمر في تهديد شمال إسرائيل.
هذا التناقض جعل لبنان ميدانًا عمليًا لاختبار نيات الأطراف. فكل ضربة إسرائيلية على بيروت أو جنوب لبنان تضع الاتفاق على حافة الانهيار، لأنها تمنح إيران أو حزب الله مبررًا للرد. وكل رد إيراني أو لبناني يعيد واشنطن إلى مربع التصعيد الذي تريد الخروج منه. لذلك لم يكن غضب ترامب من الهجمات الإسرائيلية على بيروت مجرد خلاف تكتيكي، بل تعبيرًا عن قلقه من أن يؤدي سلوك نتنياهو إلى نسف التفاهم مع إيران.
وقد وصل التوتر إلى حد وصف ترامب لنتنياهو في مكالمة حادة بأنه "مجنون"، وفق ما ورد في المواد المتداولة، بسبب استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان. هذا الوصف، حتى لو حاول الطرفان لاحقًا التقليل من أثره، يكشف أن الخلاف لم يعد محصورًا في الغرف المغلقة، بل صار جزءًا من السجال العام حول مستقبل الحرب والاتفاق.
من وجهة نظر نتنياهو، فإن وقف العمليات في لبنان قد يكون خطأ استراتيجيًا. فهو يرى أن حزب الله، بعد أن فتح الجبهة دعمًا لطهران، لا يمكن أن يحصل على فرصة لإعادة تنظيم نفسه تحت غطاء اتفاق أمريكي إيراني. كما أن الرأي العام الإسرائيلي، وخصوصًا في الشمال، يضغط من أجل ضمانات أمنية واضحة تمنع عودة التهديد. ولذلك يصر نتنياهو على إبقاء قواته في جنوب لبنان، وعلى الاحتفاظ بـ"حرية العمل" ضد حزب الله.
لكن من وجهة نظر واشنطن، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية يضعف فرص نجاح المفاوضات مع إيران. فطهران لا تستطيع، سياسيًا، توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة بينما تتعرض أهم أذرعها الإقليمية في لبنان لضربات مستمرة من إسرائيل. لذلك يصبح لبنان ليس مجرد ساحة جانبية، بل جزءًا من صلب الاتفاق الأمريكي الإيراني.
إسرائيل خارج طاولة التفاوض
أحد أهم أسباب القلق الإسرائيلي أن تل أبيب لم تكن طرفًا مباشرًا في المحادثات الأمريكية الإيرانية. ورغم أن إسرائيل حاولت التأثير عبر واشنطن، فإنها لم تجلس على طاولة التفاوض، ولم تكن قادرة على فرض جدولها الكامل. هذا الواقع خلق شعورًا لدى المسؤولين الإسرائيليين بأن الاتفاق يجري فوق رؤوسهم، لا بالتنسيق الكامل معهم.
وقد زادت الوساطة الباكستانية من حساسية الأمر بالنسبة لإسرائيل، لأن باكستان لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية معها، ومع ذلك لعبت دورًا في مسار تفاوض يتعلق مباشرة بأمن إسرائيل. وهذا ما يعزز الانطباع في تل أبيب بأن واشنطن قد تكون مستعدة لعقد تفاهمات إقليمية من دون أخذ كل المطالب الإسرائيلية بالحسبان.
هذا الوضع يضعف الرواية التي طالما قدمها نتنياهو إلى الداخل الإسرائيلي: أن علاقته الخاصة بترامب هي ضمانة أمنية وسياسية لإسرائيل. فإذا كان ترامب قادرًا على التفاوض مع إيران من دون إشراك إسرائيل مباشرة، وعلى الضغط على نتنياهو لوقف عملياته في لبنان، فإن قيمة تلك العلاقة تصبح موضع مراجعة.
ولذلك عبّر محللون ومسؤولون إسرائيليون عن أن الاتفاق يمثل تراجعًا في نفوذ إسرائيل داخل واشنطن. فترامب لم يتجاهل بعض المخاوف الإسرائيلية فقط، بل بدا في نظرهم وكأنه قرر تقديم أولوية إنهاء الحرب على أولوية تحقيق كل الأهداف الإسرائيلية. وهذا التحول له أثر سياسي كبير، لأنه يجعل نتنياهو يبدو أقل قدرة على التحكم في المسار الأمريكي مما كان يدعي.
في النهاية، ليست مشكلة إسرائيل أنها خارج التفاوض فقط، بل أنها قد تكون مضطرة للالتزام بنتائجه عمليًا، حتى لو أعلنت أنها غير ملزمة به رسميًا. فالفارق كبير بين التصريحات السياسية والقدرة الفعلية على التصرف خارج الإرادة الأمريكية.
نتنياهو بين ترامب وقاعدته الانتخابية
يدخل نتنياهو هذه الأزمة وهو محاصر بحسابين متناقضين: حاجته إلى عدم كسر العلاقة مع ترامب، وحاجته إلى عدم الظهور بمظهر المتراجع أمام إيران وحزب الله. فهو يعرف أن ترامب لا يحب التحدي العلني، وأن مهاجمته بصورة مباشرة قد تجر عليه غضبًا أكبر. لكنه يعرف أيضًا أن قاعدته اليمينية لا تريد رؤية إسرائيل خاضعة لضغوط أمريكية تحد من عملياتها العسكرية.
هذا التناقض يجعل نتنياهو يميل إلى أسلوب مزدوج: تجنب مواجهة شخصية مباشرة مع ترامب، وترك الحلفاء الإعلاميين والسياسيين يهاجمون الاتفاق أو يلمّحون إلى أن واشنطن تخلت عن إسرائيل. وبذلك يحاول الحفاظ على خط رجعة مع الرئيس الأمريكي، وفي الوقت نفسه امتصاص غضب قاعدته الداخلية.
لكن هذه الاستراتيجية ليست مضمونة. فالرأي العام الإسرائيلي بدأ، بحسب الاستطلاعات المشار إليها في المادة، يشك بدرجة أكبر في أن أمن إسرائيل يمثل أولوية لدى ترامب. وهذا تغير مهم، لأن ترامب كان يُنظر إليه طويلًا داخل اليمين الإسرائيلي بوصفه أكثر الرؤساء الأمريكيين دعمًا لإسرائيل. وإذا تراجعت هذه الصورة، فإن نتنياهو يخسر ورقة انتخابية كان يعتمد عليها.
كما أن الانتخابات المقبلة تضغط على قراراته. فالهزيمة السياسية بالنسبة له لا تعني فقط خسارة منصب، بل قد تفتح الباب أمام تداعيات قانونية في قضايا الفساد التي تلاحقه. لذلك يصبح سلوكه العسكري والسياسي مرتبطًا أيضًا بحساب البقاء الشخصي. ومن هنا يمكن فهم إصراره على توجيه ضربات في لبنان رغم اعتراضات ترامب: فهو يريد أن يقول للناخب الإسرائيلي إنه ما زال صاحب قرار، لا مجرد منفذ لإرادة واشنطن.
لكن هذه الحسابات قد تدفعه إلى مغامرة خطرة. فإذا بالغ في تحدي ترامب، فقد يخسر الغطاء الأمريكي. وإذا انصاع له بالكامل، فقد يخسر صورته كرجل أمن قوي. وبين الخطرين، يتحرك نتنياهو في مساحة ضيقة للغاية.
ترامب وحسابات الخروج من الحرب
من جانب آخر، يبدو ترامب مدفوعًا بمنطق مختلف. فهو لا يريد أن يظهر كمن تخلى عن إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يترك نتنياهو يجره إلى حرب طويلة ومفتوحة. لقد شاركت واشنطن في الحرب ضد إيران، لكن ترامب يريد أن يحول ذلك إلى ورقة تفاوض، لا إلى التزام دائم بمعركة قد تمتد في أكثر من جبهة.
وتبدو تصريحاته التي يؤكد فيها أن إسرائيل ما كانت لتبقى من دونه جزءًا من خطاب مزدوج: فهو من جهة يذكّر نتنياهو بأن واشنطن هي مصدر القوة والحماية الأساسية، ومن جهة أخرى يخاطب الداخل الأمريكي بوصفه الرئيس الذي حمى إسرائيل لكنه لن يسمح لها بتعطيل قراره السياسي.
هذا الخطاب يكشف أيضًا شيئًا من شخصية ترامب السياسية. فهو يميل إلى تقديم العلاقات الدولية بوصفها علاقات مصلحة وصفقات، لا تحالفات قيمية ثابتة. ولذلك لا يرى حرجًا في الضغط على حليف تقليدي مثل إسرائيل إذا رأى أن سلوكه يضر بمشروعه التفاوضي مع إيران.
كما أن ترامب يدرك أن استمرار الحرب قد يضر به داخليًا. فالحرب في الشرق الأوسط لا تحظى بتأييد واسع بين الناخبين الأمريكيين، وهناك داخل التيار المحافظ نفسه من يرفض الانخراط العسكري المكلف. لذلك يفضّل ترامب أن يقدم اتفاقًا مع إيران على أنه إنجاز يمنع السلاح النووي، يعيد فتح الممرات النفطية، ويوقف نزيف الحرب.
غير أن مشكلة هذا المنطق أنه قد يبدو في إسرائيل كأنه استعجال سياسي لا يأخذ مخاوفها الأمنية بجدية كافية. فإذا لم يتضمن الاتفاق ضمانات واضحة بشأن النووي والصواريخ وحزب الله، فستراه إسرائيل اتفاقًا يمنح إيران فرصة للخروج من الحرب من دون ثمن كاف.
هل الاتفاق انتكاسة استراتيجية لإسرائيل؟
يرى عدد من المحللين والمسؤولين الإسرائيليين أن الاتفاق، بصيغته الحالية، يمثل انتكاسة استراتيجية. فبدلًا من أن تخرج إيران ضعيفة ومعزولة، قد تجد نفسها أمام فرصة لاستعادة جزء من شرعيتها التفاوضية، ورفع بعض الضغوط عنها، وإعادة فتح مضيق هرمز بشروط تعزز موقعها. أما إسرائيل، فقد تجد نفسها مطالبة بضبط عملياتها، بينما تبقى المخاطر التي دفعتها إلى الحرب قائمة.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، تكمن خطورة الاتفاق في أنه يفصل بين وقف الحرب ومعالجة أسبابها. فإذا توقف القتال من دون تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، ومن دون تحجيم دور حزب الله، فإن إسرائيل تكون قد خاضت حربًا مكلفة من دون تحقيق أهدافها الكبرى. وهذا يضع نتنياهو أمام اتهام داخلي بأنه فشل في تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة استراتيجية.
كما أن الاتفاق قد يضعف الردع الإسرائيلي. فإذا رأت طهران أن واشنطن في النهاية اختارت التفاوض لا التصعيد، فقد تستنتج أن قدرتها على الصمود أتاحت لها انتزاع شروط أفضل. وإذا حصلت إيران لاحقًا على تخفيف للعقوبات أو اعتراف بدور ما في أمن المضيق، فقد تنظر إسرائيل إلى ذلك كتعزيز لمكانة خصمها الإقليمي.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار الحرب كان يحمل مخاطر هائلة على إسرائيل أيضًا. فالعمليات المتواصلة ضد إيران وحزب الله قد تستنزف الجبهة الداخلية، وتزيد كلفة الحرب، وتفتح الباب أمام ضربات أوسع. ومن هنا، فإن الاتفاق قد يكون من زاوية أخرى فرصة لتخفيف النار، لكنه فرصة لا تثق إسرائيل كثيرًا بنتائجها.
حدود القدرة الإسرائيلية على التصرف منفردة
تؤكد إسرائيل أنها غير ملزمة بأي اتفاق لا يضمن أمنها. وهذا موقف تستخدمه تل أبيب للحفاظ على هامش مناورة، وإرسال رسالة إلى طهران وواشنطن بأنها لن تسمح بتحويل الاتفاق إلى مظلة لحماية إيران أو حزب الله. لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل التصرف منفردة؟
عسكريًا، تستطيع إسرائيل تنفيذ ضربات محدودة في لبنان أو حتى في إيران، لكنها تحتاج إلى الغطاء والدعم الأمريكيين إذا أرادت خوض حملة طويلة ضد إيران. فالذخائر، المعلومات الاستخبارية، الغطاء الدبلوماسي، والدفاعات الإقليمية كلها عناصر تجعل واشنطن شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه في أي مواجهة كبرى.
ولهذا فإن إعلان إسرائيل أنها غير ملزمة بالاتفاق لا يعني أنها قادرة على إسقاطه بسهولة. فقد يؤدي أي تصعيد واسع من جانبها إلى أزمة مع واشنطن، وربما إلى تحميلها مسؤولية إفشال التفاوض. كما أن ترامب قد يستخدم نفوذه للحد من حركتها، خصوصًا إذا رأى أن نتنياهو يهدد إنجازًا يريد تسجيله باسمه.
ومع ذلك، تملك إسرائيل أدوات تعطيل مؤثرة. فعملية عسكرية كبيرة في لبنان، أو ضربة ضد هدف إيراني حساس، قد تدفع طهران إلى الرد، وتضع الاتفاق تحت ضغط شديد. لذلك تستطيع إسرائيل التأثير في المناخ السياسي والأمني المحيط بالاتفاق، حتى إذا لم تكن قادرة وحدها على إعادة صياغته.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: ليست إسرائيل قادرة تمامًا على إسقاط الاتفاق، وليست واشنطن قادرة تمامًا على تجاهل مخاوفها. وبين الطرفين مساحة رمادية قد تنتج تهدئة هشة أو تصعيدًا مفاجئًا.
إيران بين التقاط الأنفاس وتعزيز الموقع
من الجانب الإيراني، يبدو الاتفاق فرصة للخروج من ضغط الحرب من دون تقديم تنازلات نهائية فورية. فطهران تستطيع استخدام فترة الستين يومًا لإعادة ترتيب أوراقها، وفتح مسار تفاوضي حول العقوبات والمضيق والملف النووي. كما تستطيع تقديم نفسها كطرف صمد أمام الضغط العسكري الأمريكي الإسرائيلي ثم انتقل إلى التفاوض من موقع الندّية.
وتخشى إسرائيل أن يسمح هذا المسار لإيران بإعادة بناء قوتها لاحقًا، خصوصًا إذا تضمن الاتفاق تخفيفًا للعقوبات أو تحريرًا لأصول مالية. فهذه الموارد، من وجهة النظر الإسرائيلية، قد تستخدم لتعزيز الداخل الإيراني وتمويل الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله وحماس وفصائل أخرى.
كما يخشى بعض المسؤولين الإسرائيليين من أن تستفيد إيران عسكريًا من دروس الحرب. فإذا حصلت لاحقًا على فرصة لتطوير دفاعاتها الجوية أو قوتها الصاروخية، فقد تصبح أي مواجهة مقبلة أكثر صعوبة بالنسبة لإسرائيل. وهذا ما يفسر القلق من أن تكون الحرب الحالية قد منحت إيران خبرة عملية تساعدها في الجولة القادمة بدلًا من أن تكسر قوتها.
لكن في المقابل، تعرف إيران أن الاتفاق لا يمنحها ضمانة مطلقة. فواشنطن لا تزال تطالب بمنعها من امتلاك سلاح نووي، وإسرائيل لا تزال تهدد بالتصرف منفردة إذا شعرت بالخطر. لذلك ستسعى طهران، على الأرجح، إلى إدارة التفاوض بطريقة تمنحها أكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من التنازلات الملزمة.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل الاتفاق
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني في ظل التصادم الأمريكي الإسرائيلي.
السيناريو الأول هو نجاح التهدئة. وفيه يتمكن ترامب من ضبط نتنياهو، وتلتزم إسرائيل بتقليص عملياتها في لبنان، بينما تقدم إيران تنازلات محدودة تكفي لإبقاء مسار التفاوض حيًا. هذا السيناريو قد يؤدي إلى تمديد الهدنة وتحويلها إلى اتفاق أوسع، لكنه سيظل هشًا إذا لم يعالج القضايا الأمنية الإسرائيلية بوضوح.
السيناريو الثاني هو استمرار التفاوض مع توترات محدودة. وفيه لا ينهار الاتفاق، لكنه يبقى تحت ضغط الضربات المتقطعة والردود المحسوبة. قد تضرب إسرائيل أهدافًا في لبنان، وقد يرد حزب الله ضمن حدود معينة، بينما تواصل واشنطن وطهران المحادثات. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا إذا أراد كل طرف تجنب الانفجار، لكنه يحمل خطر سوء التقدير.
السيناريو الثالث هو انهيار الاتفاق. ويمكن أن يحدث إذا نفذت إسرائيل ضربة كبيرة ضد إيران أو حزب الله، أو إذا ردت طهران بطريقة واسعة، أو إذا فشلت المفاوضات في معالجة الملف النووي. عندها قد تعود الحرب بصورة أكثر حدة، وقد يجد ترامب نفسه أمام خيار صعب: دعم إسرائيل عسكريًا، أو تحميلها مسؤولية التصعيد.
في كل هذه السيناريوهات، يبقى العامل الإسرائيلي حاضرًا بقوة. فالخلاف بين واشنطن وتل أبيب ليس هامشًا جانبيًا، بل عنصر مركزي في تحديد قدرة الاتفاق على الصمود.
خاتمة
يواجه الاتفاق الأمريكي الإيراني اختبارًا مزدوجًا: اختبار الثقة بين واشنطن وطهران، واختبار الانسجام بين واشنطن وتل أبيب. وإذا كان الاختبار الأول متوقعًا بحكم تاريخ العداء الطويل بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الاختبار الثاني هو الأكثر حساسية سياسيًا، لأنه يكشف حدود التحالف الأمريكي الإسرائيلي عندما تتباين الأهداف.
لقد أراد ترامب اتفاقًا ينهي الحرب أو يوقفها مؤقتًا، ويمنحه فرصة لإعلان نجاح سياسي. وأراد نتنياهو حربًا تحقق نتائج استراتيجية كبرى ضد إيران وحلفائها. وبين إرادة الاتفاق وإرادة الحسم العسكري، ظهر التصادم. فإسرائيل تخشى أن يكون الاتفاق مكافأة لإيران أو تأجيلًا للمشكلة، بينما تخشى واشنطن أن يؤدي استمرار العمليات الإسرائيلية إلى نسف فرص التسوية.
وفي هذا السياق، يصبح لبنان عقدة الاتفاق، وتصبح "حرية العمل" الإسرائيلية أكثر من مجرد تعبير أمني؛ إنها عنوان لصراع أعمق حول من يملك قرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط. فإذا قبلت إسرائيل بالقيود الأمريكية، فقد تخسر جزءًا من ردعها في نظر خصومها وقاعدتها الداخلية. وإذا تحدت واشنطن، فقد تخسر الغطاء الذي تحتاجه في أي مواجهة كبرى.
لذلك، فإن مستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني سيبقى معلقًا على قدرة الأطراف على إدارة التناقضات لا حلّها بالكامل. قد تنجح واشنطن في تمديد الهدنة، وقد توافق إيران على مفاوضات طويلة، وقد يخفف نتنياهو من التصعيد تكتيكيًا. لكن ما لم تُعالج جذور الخلاف حول النووي والصواريخ وحزب الله وحرية الحركة الإسرائيلية، فإن الاتفاق سيظل قابلًا للاهتزاز عند كل ضربة جديدة.
إن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يفتح بابًا لتهدئة إقليمية طال انتظارها، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح مرآة لتراجع الانسجام داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي. وفي منطقة تتحرك فيها الحروب بسرعة أكبر من المفاوضات، قد لا يحتاج الاتفاق إلى إعلان فشل رسمي كي ينهار؛ فقد تكفي ضربة واحدة في بيروت، أو رد واحد من طهران، أو مكالمة غاضبة بين ترامب ونتنياهو، ليبدأ مسار الترنح من جديد.