مركز الامام الشيرازي ناقش.. أسباب غلبة الاستبداد ونتائج عدم انتصار الشورى
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
2026-05-14 04:15
عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان (غلبة الاستبداد وعدم انتصار الشورى.. الاسباب والنتائج)، بمشاركة عدد من مراكز الدراسات، وأكاديميين، وإعلاميين، حيث قدم الورقة البحثية الباحث في المركز محمد علاء الصافي، الذي ابتدأ كلامه قائلاً:
لكل نظام سياسي مقومات نجاح يستند إليها، فتمضي به قُدُماً في طريق النجاح والاستقرار، وثمة أسباب معروفة لفشل النظام السياسي في إدارة الدولة، وأهمها عدم إدامة مقومات الحكم الرشيد، ومن أهمها، تطبيق مبدأ الشورى والتزام الحاكم وحكومته به، إذ لا تكون أركان الحكم مكتملة ما لم تكن هنالك شرعية في صنع القرار وضمان مشاركة شعبية واسعة عبر التمثيل، مع كفالة حق الرأي وحماية الفكر وضمان حرية التعبير، فكل هذه العناصر تدخل في إطار بناء الدولة المدنية المستقرة بمؤسساتها واستقلال السلطات واعتماد مبدأ الفصل بينها، ومنع اجتماع السلطات الثلاث، التشريعية، التنفيذية، القضائية، في يد الحاكم الواحد.
كذلك لا يمكن للحاكم أن يدّعي انتماءَه للإسلام وتطبيقه لقوانين الإسلام إذا لم يكن مبدأ الشورى من بينها بل وفي مقدمتها، فالشورى هي المقوّم الأهم والأول من بين جميع القوانين والتعاليم الإسلامية التي تمنح الحكم صفة الرشاد ومقوماته، وفي حال عدم تطبيق الحاكم الإسلامي للشورى في إدارة الدولة وصنع القرار، فإن سلطته لا تكتسب الشرعية الكاملة.
يقول الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيّم الموسوم بـ (الشورى في الإسلام): (لا يكفي للحاكم الإسلامي أن يُطبّق مبادئ الإسلام وقوانينه، بدون تطبيق مبدأ الشورى الذي هو ركن من أركان الحكم في الإسلام).
وفي حال استمرار الحاكم بتغييب مبدأ الشورى، فإنه سيكون سببا في ابتعاد الشعب عنه، ولا تقف الأمور عند هذا الحد، فالشعب عندما يكتشف إهمال الحاكم له، فإن النقمة الشعبية ستتفاقم وتنمو، وكلما أوغل الحاكم أكثر في إهمال مبدأ الشورى وسحب البساط من تحت أقدام الشرعية الشعبية، كانت بوادر الاحتجاج والثورة أكثر وضوحا وجلاء مع مرور الوقت.
الإمام الشيرازي يؤكد ذلك في قوله: (إنّ الناس عندما يرون الحاكم لا يُطبَّق قانون الإسلام الذي هو الشورى ينفضّون من حوله ثم يثورون عليه حـتى إسقاطه).
لم نجد حاكما إسلاميا يغيَّب الشورى ويناهضها كمبدأ سياسي، وفي نفس الوقت يمتلك حسن إدارة الدولة، بسبب إقصاءه المنهج الاستشاري واعتماده الرأي الواحد -رأي الحاكم ومعاونيه-، وقد عرف المسلمون مثل هؤلاء الحكام عبر التاريخ وفي الحاضر أيضا، يدّعون بأنهم إسلاميون وهم بعيدون عن أهم مبادئ الإسلام ألا وهو الشورى.
يقول الإمام الشيرازي: (إنّ الاستشارية سواء في الحكومات الديمقراطية الحالية ـ أو في الحكومة الإسلامية هي صمام الأمان، وذلك لأنّ الناس كما يحتاجون إلى ملأ بطونهم، يحتاجون إلى ملأ أذهانهم). وفي حال يُقمع الرأي وأصحابه، كما يحدث اليوم في معظم الدول الإسلامية، فإن هذا الأسلوب البعيد عن مبدأ الشورى لا يمكن أن يخدم الحكم الرشيد، بل يجعله في حالة صراع دائم مع الشعب، وهذا ليس في صالح الحاكم ولا حكومته، لأن طبيعة الإنسان تجعله في حاجة دائمة للمشاركة في صياغة وإدارة شؤونه المهمة في الحياة.
نجد اليوم من يدّعي تطبيق الشورى من خلال مؤسسات شكلية وقوانين على الورق فقط، لكنه يرفض السماح بالرأي المعارض له، وهذه النقطة وحدها كفيلة بهزّ عروش من يدّعي الانتساب إلى الإسلام من حكام الحاضر، لكنه لا يلتزم بما وضعه الإسلام من شروط على الحاكم، وأهمها ضمان حرية الرأي المعارض للحاكم وحكومته.
والإمام الشيرازي يؤشّر هذه الحقيقة المؤسفة بقوله: (في ذات الوقت الذي يتكلم فيه –بعض حكام المسلمين- حول الديمقراطية والشورى نجدهم يفتحون أبواب السجون لأصحاب الفكر والرأي، وينصبون المشانق لكل حرّ، والويل لمن فتح فمه بكلمة واحدة، ظناً منهم أن السجون والمشانق ستقمع الصوت الحر والإرادة النبيلة).
عندما نقرأ الآية القرآنية: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، علينا أن ندرك أن هذه الآية الكريمة من سورة كاملة تدعى (سورة الشورى)، ولا ريب أنها سُمّيت بهذا الاسم نظراً لِما تحمل الشورى من قِيَمٍ حضارية تشمل مجمل قطاعات الحياة وميادينها، مع الأخذ بعين الاعتبار كل المستجدّات والتطورات التي يمكن أن تطرأ على المجتمعات نتيجة ما تفرزه الحياة من تغيّرات ديناميكية لا تعرف الثبات أو الاستقرار.
ولا ريب أن لهذه الآية الكريمة دلالتها على الرجحان لكونها صفة من صفات المؤمنين. فالذي يقرأ الآيات السابقة على هذه الآية الكريمة يدرك مباشرة أن هذه الآية تؤكد أن المقصود بها المؤمنون حصراً، هذا بالإضافة إلى أنها اشتملت مع الآيات السابقة عليها على أن المقصود بهم هم المؤمنون العلماء بما جاء به الكتاب العظيم والرسول الكريم (ص).
لأخذ تفاصيل وشروحات دقيقة وافكار عميقة عن الموضوع، يدعوكم مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث لزيارة موقعه وقراءة الكثير من الدراسات والمقالات ومؤلفات الامام الشيرازي الراحل والتي اعتبر فيها الاستبداد وعدم العمل بمبدأ الشورى من أشد الكوارث على الامة الاسلامية، كما ان مؤلفات السيد مرتضى الشيرازي حفظه الله فيها الكثير من الرؤى والافكار المعاصرة وخاصة في كتابه "شورى الفقهاء والقيادات الاسلامية"، وملامح العلاقة بين الدولة والشعب والسلطات العشر والبرلمانات المتوازية هي مؤلفات جديرة بالمراجعة.
يُعد الاستبداد استئثاراً بالسلطة، مما يؤدي إلى كوارث سياسية واجتماعية نتيجة تفرد شخص واحد بالقرار، بينما الشورى هي فريضه إسلامية وآلية لحماية المجتمع.
تاريخياً وفكرياً، يُعزى غلبة الاستبداد وتراجع مبدأ الشورى في التجربة السياسية العربية والإسلامية إلى تقاطع عدة عوامل معقدة، أبرزها:
1. التحول من "الخلافة" إلى "الملكية والوراثة": بدأ هذا التحول مبكراً في التاريخ الإسلامي (مع قيام الدولة الأموية)، حيث استُبدل نظام الاختيار والبيعة والشورى بنظام الوراثة والقوة والقمع، مما جعل الشورى مجرد إجراء شكلي غير ملزم، وتحولت الخلافة الى ديكتاتورية دينية وسياسية، مما أدى لتجذر ثقافة الاستبداد جيل بعد جيل.
2. بقاء "الشورى" في العقل الفقهي والسياسي مبدأً أخلاقياً عاماً، ولم تتحول إلى "مؤسسات" ذات قوانين وضوابط تمنع الحاكم من الانفراد بالقرار، مما جعلها تعتمد على رغبة الحاكم وصلاحه الشخصي . أدى السلوك الديكتاتوري والتفرد بالرأي إلى الهزائم العسكرية وسقوط الخلافة الاسلامية وحتى الدول القومية في التاريخ المعاصر، وانتشار الكسل والفساد السياسي، حيث لا يتفاعل المستبد مع عقول الأمة.
3. فقه الضرورة وتكريس الاستقرار: غلب على الكثير من الكتابات الفقهية القديمة تقديم "حقن الدماء والأمن" على "العدالة والشورى"، خوفاً من الفتنة والحروب الأهلية، مما شرعن للأمر الواقع (الغلبة بالقوة).
4. تأثير النظم الإمبراطورية المجاورة: تأثرت أنظمة الحكم في بداياتها بالنماذج الساسانية والبيزنطية التي كانت تقوم على المركزية المطلقة وتقديس الحاكم، مما أضعف الروح الديمقراطية القبلية أو الشوروية البسيطة التي بدأت بها التجربة في حكومة الرسول الاكرم(ص).
5. سيادة علاقات "الراعي والرعية" بدلاً من "المواطنة"، بالإضافة إلى انتشار الأمية السياسية التي جعلت الشعوب تقبل بالاستبداد مقابل الأمن أو لقمة العيش.
6. التدخلات الخارجية والاستعمار، التي دعمت أنظمة سلطوية لضمان المصالح، وأضعفت تطور نظم حكم تشاركية مستقلة.
7. هشاشة الاقتصاد واعتماده على الريع، مما يقلل من الحاجة إلى تمثيل شعبي مقابل الضرائب، ويقوي قبضة السلطة.
8. ضعف التعليم النقدي وانتشار الأمية السياسية، مما يحد من وعي الأفراد بحقوقهم ويُبقي الاستبداد مقبولاً أو غير مُقاوَم بفعالية.
يؤكد المفكرون على أن "الاستبداد عدو الإنسانية" كما يقول عبد الرحمن الكواكبي، وأن التحرر يبدأ من رفض التفرد والاستعاضة عنه بمؤسسات الشورى الحقيقية.
حاول الكثير من المفكرين العرب والمسلمين التأصيل لفكرة الشورى ورفض الاستبداد ونشط الكثير منهم منذ نهايات الدولة العثمانية وتشكيل الدول العربية والاسلامية بعد الثورة العربية الكبرى وتحررها لاحقا من سيطرة الانتداب البريطاني والفرنسي.
تعمق الكثير من المفكرين في هذه المعضلة، لكن يظل عبد الرحمن الكواكبي هو الأبرز في تشريح "داء الاستبداد" وتقديم "الشورى الدستورية" كدواء.
وقد شخص في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» سبب هذا الداء الذي رآه يتمثل في الاستبداد السياسي، بأنواعه الكثيرة، ومنها استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل، فهو يقول: إن الله خلق الإنسان حرّا، قائده العقل، فكفر وأبى إلا أن يكون عبدًا قائده الجهل، ويرى إن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور، وأن تراكم الثروات المفرطة، مولِّدٌ للاستبداد، ومضرٌ بأخلاق الأفراد، وأن الاستبداد أصل لكل فساد، فيجد أن الشورى الدستورية هي دواؤه.
كان الكواكبي يرى أن المستبد لا يخشى شيئاً كما يخشى العلم والوعي، ويرى أن الشورى ليست مجرد "نصيحة" بل هي: مسائلة ومراقبة وهذا من حقوق الأمة على الحاكم، وآمن بضرورة وجود قوانين واضحة تُحدد سلطة الحاكم وتمنعه من التغول، وربط الاستبداد بالفساد: أوضح أن غياب الشورى يؤدي حتماً إلى فساد الأخلاق، والدين، والاقتصاد.
من المفكرين المؤثرين كذلك رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي الذين حاولا المزاوجة بين "الشورى الاسلامية" و"الديمقراطية الغربية" في فترة متقاربة شهدت تحول وصراع كبير بين الافكار والانظمة التقليدية والحداثة والتجربة الاوربية الصاعدة في القرن التاسع عشر على جميع المستويات، الثقافية والعلمية والاقتصادية والعسكرية.
خير الدين باشا في كتابه "أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، جادل بأن الأنظمة البرلمانية الأوروبية هي في جوهرها روح مبدأ الشورى الذي ضيعه المسلمون، ودعا إلى ضرورة وجود "أهل الحل والعقد" كبرلمان يراقب السلطة وكانت هذه بداية لتأسيس مجالس الامة والشيوخ في البلدان العربية.
يعتبر مالك بن نبي من أعمق المفكرين الذين تناولوا قضية الاستبداد والشورى، لأنه لم ينظر إليها كقضية "سياسية" قانونية فحسب، بل كقضية "حضارية" تتعلق ببنية العقل والنفسية العربية والإسلامية، وأضاف بعداً نفسياً وعميقاً، حيث رأى أن المشكلة ليست في الحاكم فقط، بل في "القابلية للاستعمار والاستبداد"، واعتبر أن الشورى لن تنجح إلا إذا تحولت من "فكرة" إلى "سلوك اجتماعي"، أي أن يمارس الفرد الشورى في بيته وعمله قبل أن يطالب بها في نظام الحكم.
إذا كان الفرد في الأسرة مستبداً، وفي المدرسة مستبداً، وفي الشارع غير مبالٍ، فإن السلطة السياسية ستكون انعكاساً لهذا السلوك. الاستبداد عنده "مرض اجتماعي" قبل أن يكون "ظلمًا سياسيًا"، كما يرى بن نبي أن الديمقراطية في الغرب لم تنجح لأنها نصوص قانونية، بل لأنها "سلوك يومي".
كما كان يؤمن بالشورى السلوكية ويرى أن الشورى تبدأ من كيفية تربية الطفل على إبداء رأيه، وكيفية اتخاذ القرار في المؤسسات الصغيرة. إذا لم تتحول الشورى إلى "ثقافة"، فإن الدساتير ستظل حبراً على ورق.
ومن أهم ما اشار اليه هو الفرق بين "الديمقراطية" كحق و"الديمقراطية" كواجب، حيث يرى أننا غالباً ما نطالب بالشورى كـ "حق" (نريد أن نتكلم، نريد أن نشارك)، لكننا ننسى أنها "واجب" (مسؤولية المشاركة، والالتزام بالقرار الجماعي، ومحاسبة النفس)، المستبد ينجح دائماً عندما يتخلى الأفراد عن "واجبهم" في الرقابة والاهتمام بالشأن العام.
وحذر من الوصول لمرحلة "الوثنية السياسية"، وتحويل الزعماء أو الأفكار إلى "أصنام" لا تُناقش. يرى أن الشورى هي العدو الأول للوثنية، لأنها تقوم على "نسبية الحقيقة"؛ أي أن رأي الحاكم ليس مقدساً، بل هو رأي بشري خاضع للخطأ والصواب.
اتفق هؤلاء المفكرون والكثير غيرهم على أن الشورى لا يمكن أن تنتصر إلا إذا تحولت من "وعظ أخلاقي" للحاكم إلى "مؤسسات دستورية" وقوة شعبية واعية تفرض إرادتها.
الاستبداد غلب لأننا فقدنا "الروح الجماعية" وتحولنا إلى "أفراد مكدسين" لا تربطهم ثقافة او علاقات نتجت من جو الشورى والنقاش والحرية، والحل ليس في إسقاط مستبد وتعيين آخر، بل في بناء إنسان غير قابل للاستبداد.
لإثراء الموضوع نفتح باب النقاش على حضراتكم من خلال طرح السؤالين الآتيين:
السؤال الأول: ماهي الأسباب التي جعلت من الاستبداد مهيمنا على السلوك الاجتماعي والأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية؟
السؤال الثاني: كيف يمكن لمشروع الشورى القرآني أن يصبح سلوكا راسخا، وما هي عناصر انتصاره؟
المداخلات
- محمد علي جواد تقي، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
الاستبداد حالة إنسانية نعيشها دائماً، هناك سببان أو عاملان لهيمنة الاستبداد وتغلغله في السلوك الاجتماعي. العامل الأول هو العامل التربوي، وهو ما ذكره الباحث في ورقته، هذا العامل موجود في محيط الأسرة، ومحيط المدرسة أيضاً، أي في المجال التعليمي. نحن نتكلم عن التربية، عن الطفل الصغير، وعن التلميذ أو الطالب. فالقضية هي طريقة التعامل مع الطالب في المدرسة، بل حتى في الجامعة. فالجو الأكاديمي والتعليمي يعاني القضية نفسها؛ إذ لا يُعطى الطالب مجالاً لأن يبدي ملاحظة أو رأياً في أمر معين. حتى أسلوب النقاش يتحول إلى أسلوب تلقين، وحتى لو كان الإلقاء خطأً في المنهج أو المادة، لا يُسمح لأحد بأن يعطي رأيه ويقول إن هذا خطأ، بل يُطلب منه أن يسكت ويستمع، حتى لو كان ما يسمعه خطأً.
هذا موجود في المدرسة، وموجود في الأسرة بوضوح. فقضية الاستبداد بالرأي هي محور الحديث. وأشكر مقدم الورقة لأنها خرجت عن حصر الاستبداد في الجو السياسي فقط، فالحقيقة أن الاستبداد ثقافة خاطئة في مجتمعنا، وهي التي سببت أن يكون هناك استبداد سياسي. فالاستبداد في البيت والمدرسة يخرّج سياسيين مستبدين؛ لأن السياسيين الذين نعدّهم مستبدين وندينهم كانوا صغاراً وتلقوا هذا الأسلوب المستبد، فكبروا وصاروا مسؤولين وقادة مستبدين. وهذا أمر طبيعي.
أما العامل الثاني، وهو العامل الذاتي. فالإنسان في ذاته لديه مشكلة، وهناك ما يُسمى جينات أو عوامل أو أرضية مساعدة لهذه القضية. وهذه تتفرع إلى ثلاثة أمور. وأنا أسترشد أيضاً بالقرآن الكريم وثقافتنا الدينية. الأمر الأول هو العُجب. عندما يكون العجب عند الإنسان كفرد، يكون سبباً لهذه المشكلة؛ إذ يُعجب الإنسان بآرائه وأفكاره، فلا يسمح للآخرين بإبداء آرائهم.
الأمر الثاني هو عدم الفهم الصحيح للتطور والتنمية والإبداع والتنافس والتفوق. هناك من يتصور أنه بما لديه من رؤية أو تفوق أو إبداع أو ابتكار، لا يحتاج إلى مناقشة الآخرين أو استشارتهم. يظن أن عقليته أوسع من عقول الآخرين، فلا يحتاج إلى الشورى. وهذا فهم خاطئ، وقد جرى الترويج له في ثقافتنا التنموية أو الاجتماعية بصورة عامة.
الأمر الثالث هو فقدان التطبيق العملي لما يقابل الاستبداد. نحن نتحدث عن الاستبداد، وكثير ممن يتحدثون عنه، ويدعون إلى الشورى، لا يطبقونها. والذي يدعو إلى الشورى ولا يطبقها، يكون في نفسه داعماً أكبر للاستبداد.
- الدكتور خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:
الاستبداد اليوم هو النمط السائد في تنظيم علاقات المجتمع: علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وعلاقات الجماعات بعضها ببعض، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وكذلك تنظيم مؤسسات الدولة. وبالنتيجة، فإن قيم الاستبداد لا تزال تشكل البنية الأساسية للثقافة السائدة في مجتمعاتنا.
لا يزال الاستبداد هو النمط الذي يحظى بالجاذبية لدى الأفراد والجماعات في مجتمعاتنا، ولذلك نلاحظ أنه في أي انتكاسة تحصل داخل مجتمعاتنا، أو حتى عندما تقع مشكلة بين الأفراد أو الجماعات، أو بين الحاكم والمحكوم، يُستدعى الاستبداد، بوعي أو بلا وعي، إلى الذاكرة التاريخية للأفراد والجماعات، ويُستدعى ليكون حلاً للمشاكل.
لذلك، فإن الاستبداد لا يزال هو النموذج المهيمن الذي يحظى بالجاذبية في مجتمعاتنا، وهذا ما جعل الاستبداد يتغول بهذا الشكل الكبير.
أما كيف يمكن لمشروع الشورى القرآني أن يصبح سلوكاً راسخاً؟ وما عناصر انتصاره؟
للأسف، لا توجد عناصر انتصار واضحة لهذا المشروع أو لهذا المفهوم. وقد تسألون: لماذا؟ لنأخذ النظير للشورى الإسلامية، وهو الديمقراطية. الديمقراطية كانت معروفة في الغرب منذ القرن الخامس قبل الميلاد، أو السادس بشكل أدق، منذ عهد بركليس في أثينا. لكن معرفة الديمقراطية لم تحول الغرب إلى مجتمعات متقدمة ديمقراطياً على مستوى الإدارة والعلاقات وبناء الدولة إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
رغم وجود كتابات عن الديمقراطية، فإن التحول الحقيقي حدث عندما تحولت الديمقراطية من نظرية إلى بنية مؤسساتية. وعندما أصبحت هناك بنية مؤسساتية لإدارة الدولة والمجتمع، تحولت الديمقراطية من نظرية تحلق في السماء إلى واقع عملي يدير العلاقات ويبني المجتمع.
للأسف، نحن كمسلمين، وعلى مدى ألف وأربعمئة سنة، لدينا الكثير من الكتابات حول الشورى والديمقراطية، سواء في الكتابات التي تتحدث عن الأخلاق والقيم، أو في الكتابات التي تتحدث عن الفقه وأصول الدين وغيرها. لكن الشورى بقيت أمراً معلقاً في السماء، ولم تتحول إلى بنية مؤسساتية تُطبق على أرض الواقع، حتى تكون مطلوبة من قبل الأفراد والجماعات. ولذلك، ستبقى هذه الشورى معلقة في السماء إلى أجل غير مسمى؛ لأنها اليوم إطار نظري فقط، وليست إطاراً عملياً لحل مشاكل المجتمعات وبناء الدولة والمجتمع والإنسان.
- الاستاذ عزيز ملا هذال، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
الإنسان يولد مزوداً بنزعتي الخير والشر معاً، لكن البيئة هي التي تحدد أن ينحو هذا المنحى أو ذاك. لذلك فإن من الأسباب المهمة لانتشار الاستبداد بهذه الطريقة، على الأقل في الشارع أو المجتمع العراقي، أن بيئتنا حاضنة وداعمة لمقومات الاستبداد.
فالإنسان ينشأ في بيته وقد مُورس عليه الاستبداد منذ طفولته، ثم يذهب إلى الروضة أو المدرسة فيُمارس عليه الاستبداد، ويصل إلى الكلية والجامعة وقد صُقلت شخصيته بهذا السياق وضمن هذا الإطار. فإذا أصبح مسؤولاً في المستقبل، فقد يعكس ما تعرض له سابقاً أو يعوضه، فتتحول هذه السلوكية إلى واقع حال.
السبب الثاني، من وجهة نظري، أن هناك مشكلة اجتماعية في التفريق بين عقدة الاستحقاق والاستبداد. فنحن في المجتمع العراقي أو العربي لدينا مشكلة، حيث يرى كل شخص نفسه مستحقاً. ووفق هذه القاعدة، ما دام يعتقد أنه يستحق، فإنه يرى أن كل ما يفعله مسموح له.
- الشيخ مرتضى معاش:
أهم مشكلة في قضية غلبة الاستبداد أن الاستبداد، بمرور الأزمنة والسنين، أصبح مستوطناً في الاعماق، حتى لم يعد كثيرون يعرفون شيئاً آخر غير الاستبداد. وهذه مشكلة كبيرة جداً. فمن يستطيع أن يكسر هذه الحلقة ويبدأ مرحلة جديدة خارج هذا الاستيطان والتوطين؟ هذا أمر صعب جداً، ويحتاج إلى ثقافة ورُّقي ونضج وتطور في التفكير الإنساني العقلاني، بعيداً عن الحالة الغريزية.
ذلك أن استيطان هذه الغرائز السيئة في الإنسان يمنعه من أن يحس بعقلانيته وفكره. وبالنتيجة، تجعل الإنسان يتعايش مع الرجل المستبد. فالإنسان الذي يعيش مع المستبد ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستين سنة، لا يستطيع أن يعيش بلا هذا المستبد وثقافته وسلوكه وطريقته في الحياة. يشعر بالفراغ، ويشعر بعدم الأمان، حتى لو كان يكره المستبد. الكلام ليس عن أنه يحبه، بل يكرهه ويدرك أنه ظالم ومجرم، ولكنه يخاف عندما يذهب، ويبقى يحن إليه. وهذا نراه في قضية النظام البائد، ولا يزال موجوداً عند البعض إلى الآن. فهو يكرهه، لكنه في الوقت نفسه يريده؛ لأنه منحه نمط الحياة الذي كان يعيش فيه.
ومن الأسباب الأخرى مرض الديمقراطية؛ فالديمقراطية الآن مريضة حتى في أفضل الديمقراطيات. وهذه الديمقراطية إما أن تكون ديمقراطية استبدادية، وإما استبدادية ديمقراطية. وفي كلا الجانبين يوجد المرض. كما تتحول إلى ديمقراطية شعبوية، وهذه كلها أمراض تؤدي إلى نشوء طبقات وتفاوت طبقي كبير بين الناس: بين من يملكون النفوذ والأموال ويشترون الأصوات، وبين فقراء لا يملكون شيئاً. وهذا كله يؤدي إلى فقدان الثقة بالمشروع الديمقراطي.
لذلك، فإن الديمقراطية مريضة، ومشكلتها أنها نابعة من الرأسمالية. والرأسمالية اليوم أداة متوحشة لا تستطيع أن تصنع ديمقراطية حقيقية وجوهرية وعميقة.
أيضاً من الأسباب النفسية، التربية على الخوف؛ فهي تجعل الإنسان يخاف من أن تكون لديه حرية قرار أو قدرة على اتخاذ قرار، أو أن يعيش في مجتمع متنوع فيه حرية الرأي وحرية التعبير. وكذلك اللامبالاة، خصوصاً في العصر الاستهلاكي المادي، تؤدي إلى تطور النزعة الأنانية والنرجسية عند الإنسان الاستهلاكي، بحيث لا تكون لديه مسؤولية اجتماعية، مما يؤدي إلى نشوء الفوضى، ثم إلى الاعتقاد بضرورة وجود حاكم مستبد قوي، أو رجل قوي يفرض الاستقرار والنظام على الجميع.
ومن النقاط أيضاً أن ذلك يؤدي إلى تمركز النفوذ عند أصحاب المال والسلطة، مما يمنع تمكين مشروع الشورى.
لذلك هناك ضرورة لمعرفة مفهوم الشورى. قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم، يدل على مفهوم مطلق؛ أي من أصغر إنسان في البلد إلى أعلى إنسان في البلد، لا فرق من حيث المبدأ. وهذا تحقيق لكرامة الإنسان: ولقد كرمنا بني آدم. فكل المفاهيم القرآنية مرتبطة مع بعضها، ولا يمكن تجزئة الشورى عن الكرامة. ومن كرامة الإنسان أن يكون له رأي، حتى لو كان طفلاً صغيراً.
لذلك، ضرورة معرفة مفهوم الشورى تؤدي إلى احترام الإنسان وتحقيق الحقوق المتكافئة. وإذا أردنا أن نقرأ كلام الإمام علي (عليه السلام) في قضية تكافؤ الحقوق، فإننا نجد أنه لا حق لأحد فوق حق آخر؛ فكل الحقوق متكافئة ومتساوية، حيث قال (عليه السلام): (ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ).
ومن النقاط التي تحقق مشروع الشورى نضج الانفعالات؛ لأن فوران الانفعالات يؤدي دائماً إلى نزوع استبدادي، وإلى اللحاق بالحالة الشعبوية والعاطفية التي تؤدي في النتيجة إلى سيطرة الرجل القوي.
والنقطة الأخيرة هي الصبر على الآخر الذي يؤدي إلى استقامة مفهوم الشورى، وتحقق حرية الرأي والمعارضة، وبالنتيجة يستطيع مفهوم الشورى أن ينمو كبذرة تُزرع في الأرض وتحتاج إلى رعاية مستمرة، حتى تصبح شجرة طيبة ومثمرة.
- الدكتور علاء الدين الكاظمي، باحث اكاديمي:
بداية، الشورى شأن إسلامي خالص، وأعتقد أنها تختلف عن الديمقراطية؛ فالغرب لديه ديمقراطية، أما نحن فمنهجنا هو الشورى، وهي شأن إسلامي خالص، ولذلك يجب أن تُبحث في هذا الإطار.
أعتقد أيضاً أن الشورى يجب أن تكون ضمن المنظومة العامة. لا يمكن أن أقتطع الشورى وحدها وأبحثها بمعزل عن الإسلام بوصفه منظومة متكاملة. نحن الآن نتحدث عن الشورى في المجال السياسي، ولا يمكن أن أبحثها وحدها، بل يجب أن تُبحث ضمن المنظومة بشكل كامل.
فعندنا مثلاً في الفقه الإسلامي، الحاكم لا يكون أي شخص؛ بل يجب أن يكون على رأس الحكم إنسان عالم وعادل، وتتوفر فيه مجموعة من الشروط. لأن هذا ينعكس على مخرجات الشورى. فمخرجات الشورى وفق النظام الإسلامي تختلف عن مخرجات الشورى التي قد نفهمها بصورة عامة.
في القرآن، مثلاً، نجد أن مخرجات الشورى لم تكن دائماً صحيحة. في قضية بلقيس، أنقذت قومها بقرارها هي، لا بقرار الشورى؛ إذ كان قرار الشورى يتجه إلى الحرب، بينما كان قرارها يتجه إلى السلم، وبالنتيجة انتصر قرار الفرد على قرار الشورى. نعم، الاستشارة خطوة مطلوبة وأن يستشير الحاكم المختصين مطلوبة، لكنني أتحدث عن المخرجات.
الإمام علي (ع) يقول لابن عباس، بمضمون كلامه: تشير عليّ، فإن خالفتك فاتبعني. أي إنك تقدم الاستشارة، لكن إذا خالفتك فعليك أن تتبعني. لماذا؟ لأن الحاكم في التشكيل الإسلامي له مركزية وخصوصية، لعلمه وفهمه وغير ذلك.
النقطة الثالثة، أننا نحتاج إلى أن تكون الشورى واضحة ضمن إطار دستوري واضح. إذا أردنا تطبيقها؛ لأن الشورى، كما تفضل الشيخ مرتضى معاش، معنى فضفاض وعام. ما معنى الشورى؟ وكيف تُطبق؟ وما آلياتها؟ لذلك يجب أن تكون ضمن دستور واضح وآليات واضحة، حتى نفهم ما الشورى وكيف تُطبق وما عملياتها.
وأخيراً، نحتاج إلى معالجة البنية التحتية، أي البنية الثقافية التحتية. فقضية الاستبداد تكاد تكون نتيجة؛ فالعراق خضع كثيراً لحكومات عسكرية، وقضى عمره تحت الاستبداد. فلا يمكن لبلد خضع آلاف السنين للاستبداد أن يُعالج في يوم أو يومين. هذه معالجة في البنى التحتية، وأنا أعتقد أنه يجب أن نبدأ من الطفل. وكان هذا مقترحنا في لقاء مع أحد مستشاري رئيس الوزراء: أن تدخل الشورى كمفردة من الروضة إلى الابتدائية، ومن الابتدائية إلى المراحل اللاحقة، حتى في الدراسات العليا، لكي نعالج هذه البنية الثقافية.
- الكاتب علي حسين عبيد، شبكة النبأ المعلوماتية:
من أن أسباب رسوخ مشكلة الاستبداد في المجتمع الإسلامي والعربي بشكل عام، وجذرها الأساسي يكمن في سلطة الأب. نحن اليوم نلاحظ كيف يتصرف الأب في الأسرة بعد ألف وأربعمئة سنة، فكيف كان يتصرف الأب في السابق؟
القائد أو الحاكم هو ابن المجتمع، وهو أب أيضاً. ومشكلة الاستبداد تجدها مترسخة فيه منذ ذلك الوقت وباقية. طبعاً، القادة والمسؤولون والحكام منذ القدم كانوا يحاولون فرض الاستبداد بالقوة، وفي الوقت نفسه كانوا يحتاجون إلى الدعم والتأييد والكسب. وهذا مستمر حتى هذه اللحظة؛ فكل الحكام يحاولون كسب الناس بطريقة أو بأخرى، رغم أنهم يفرضون أوامرهم ورؤاهم وأفكارهم بالقوة.
ولذلك يقدمون الوعود الكاذبة حتى هذه اللحظة. فالقادة والمسؤولون، بل الناس عموماً، بما في ذلك في الصداقات والعلاقات الإيجابية أحياناً، يمارسون سياسة الوعود: أعطيك وعداً حتى أكسبك.
ولهذا نزلت الآية القرآنية التي تقول: يا أيها الذين آمنوا لمَّ تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. هذه الآية نزلت قبل ألف وأربعمئة سنة، ولا نزال نعاني من هذه المشكلة حتى الآن.
- الاستاذ حسين شاكر العطار، باحث اكاديمي:
الموضوع يتفرع إلى مداخلتين: الأولى سياسية، والثانية اجتماعية.
سياسياً، الشورى في منظومة الحكم خير من الديمقراطية المتعارف عليها حالياً؛ لأن الديمقراطية أثبتت، كما قال فضيلة الشيخ، أنها مريضة، ولم تثبت أنها وسيلة الحكم الأنجع التي توصل البشرية إلى بر الأمان. والدليل أن كثيراً من الديمقراطيات فشلت، وأصبحت إما ديمقراطيات شعبوية، أو خاضعة للتأثير، أو تنتج حاكماً فاشلاً أو مستبداً. وبذلك تصبح الديمقراطية حبراً على ورق، أو مجرد وسيلة لتبادل الحكم.
وبالتالي، يبقى الشخص المستبد. الأفضل من ذلك أن يكون لدينا مجلس شورى مؤسسي داخل المؤسسة. أما كيف يكون ذلك، فبالتجارب والاجتهاد؛ إذ لا يُبنى نتاجه في يوم أو يومين، ولا يكون مسألة نظرية فقط. سواء كان مجلس استشاريين أو مجلس حكم أو رئاسة مختلفة، فإن الرجوع إلى الشارع وحده ليس حلاً في رأيي. هذا ليس ديمقراطية حقيقية. صحيح أنه يمكن استشارة الشارع في رأي يُحتكم إليه، لكن في الحقيقة لن يعطينا ذلك ناتجاً حقيقياً للحاكم المثالي.
أما المسألة الثانية، فهي اجتماعية. هذا موضوع عمره آلاف السنين؛ فنحن خاضعون للاستبداد منذ زمن طويل، ولا يمكن أن نغيّره في يوم أو يومين. نحتاج إلى وقت طويل واستمرارية، بدءاً من نشأة الطفل. فالطفل يعاني حالياً؛ إذ تُزرع فيه بذرة الشورى أو الديمقراطية أو احترام الآخر، وفي الوقت نفسه يمارس الوالد والأهل والأقارب والمعلم سلطة الاستبداد عليه. لذلك نحتاج إلى أجيال وأجيال حتى يتغير هذا المفهوم.
- الدكتور حسين السرحان، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:
هذا البحث كله يتمحور حول متغيرين أساسيين: السلوك الاجتماعي والنظام السياسي. ولذلك أنا مضطر إلى الحديث باتجاه الاجتماع السياسي.
الاجتماع السياسي من أهم المواد الخاصة بالتنشئة الاجتماعية والسياسية التي تنتج من النظام الاجتماعي والسياسي. فموضوع السلوك الاجتماعي هو نتاج تنشئة؛ أي إن أي سلوك هو نتاج تنشئة. كيف نشأت؟ سلوكك هو انعكاس لهذه التنشئة. أما الأنظمة السياسية فهي متغير آخر. والنظام السياسي يختلف عن الدولة؛ فالنظام السياسي يتكون من قواعد ومؤسسات وعناصر. القواعد هي القوانين والأنظمة، والمؤسسات هي السلطات، والعناصر هي الأحزاب والنشاطات الاجتماعية المتعددة.
ما الرابط بين المتغيرين، أي بين السلوك الاجتماعي والنظام السياسي؟ إن التنشئة الاجتماعية والسياسية الموجودة في المجتمع هي التي تنتج لنا السلوك الاجتماعي في أي دولة أو مجتمع أو أمة. وبالتالي، فإن هذا السلوك الاجتماعي هو الذي يبلور طبيعة النظام السياسي في كل نظام سياسي في العالم.
إذا ذهبتم إلى كل الدول، وخصوصاً المحيطة بنا، فستجدون أن النظام السياسي هو تعبير عن فلسفة الدولة. فهذه دولة إسلامية مثل إيران، وتلك دولة علمانية مثل تركيا أو فرنسا، وتلك دولة ديمقراطية مثل بريطانيا أو أمريكا، وهذه دولة قومية، لكل دولة فلسفة وهوية خاصة بالنظام السياسي، وهذه الهوية تُبنى على أساس السياسات الخارجية، والأوضاع الاقتصادية، وأنماط وسياقات عمل الدولة والمجتمع ككل.
لذلك أعتقد أن موضوع التنشئة الاجتماعية والسياسية، هو سبب أساسي. في العراق، من تأسيس الدولة عام 1921 إلى اليوم، كانت تنشئتنا متقلبة: من قومية إلى بعثية، وفي فترة من الفترات ناصرية، ثم دينية، وبعد عام 2003 أصبحت دينية طائفية. لذلك لا توجد لدينا تنشئة اجتماعية غطت جيلاً كاملاً لأكثر من ثلاث وثلاثين سنة.
نحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أجيال بتنشئة باتجاه واحد، قد تكون تنشئة وطنية، أو إذا أردنا دولة إسلامية فلتكن تنشئة إسلامية قائمة على موضوع الشورى القرآني. وفي الحالتين، لا بد أن نحدد ما النظام السياسي الذي نريده.
أعتقد أننا اليوم لا نملك هوية للنظام السياسي الموجود؛ لأننا لا نملك تنشئة سياسية واجتماعية باتجاه معين، ولذلك لدينا خلل في توصيف النظام السياسي: ما هويته حالياً؟ لو سألت رئيس الوزراء: ما سياستك الخارجية؟ قد يقول: في الدستور عدم التدخل في شؤون الآخرين، والعلاقات بيننا وبين بقية الدول على أساس المصالح المشتركة. هل هذه هوية للدولة؟ ما أمنك القومي؟ يقول: داعش والبعثيون وغير ذلك. هذه ليست تنشئة. نحتاج إلى تنشئة اجتماعية وسياسية تبدأ من المراحل العمرية المبكرة وصولاً إلى التعليم العالي وبقية الفئات الاجتماعية.
- الحقوقي صلاح الجشعمي:
مفهوم الشورى الذي نستخدمه ونتحدث عنه غالباً هو الشورى السياسية، لكن المفهوم القرآني ومصاديق السنة النبوية أوسع من ذلك. إذا أردنا أن نطور مفهوم الشورى، فعلينا أن نفهمه ونسوقه لدى الناس والنخب والأكاديميين والمعلمين، كما فعلت الإمبراطورية الرومانية عندما أنشأت مجالس الشيوخ في المدن والدول، ثم في الإمبراطورية، وتناولت مختلف القضايا.
نحن بحاجة إلى أن نُعرّف الناس بمفهوم الشورى في المدرسة، مثلاً: مجلس شورى للمعلمين يتناول قضايا الطلبة وشؤون المدرسة. وفي الدائرة نفسها توجد مجالس شورى، وبين الأصدقاء أنفسهم مجالس شورى، حتى يبدأ المجتمع بفهم هذا المعنى وصياغته في ذهنه.
حالياً لدينا قطيعة امتدت ألفاً وأربعمئة سنة؛ فلو رجعنا إلى التاريخ، نجد أن آخر مجالس الشورى الحقيقية كانت في عهد الإمام علي (ع)، وقبله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ثم انقطعت. والآن، ما معالمها؟ وكيف نشجع الناس عليها؟
أتمنى أن تكون هناك فسحة لمناقشة هذا المعنى وآلية تنفيذه، خاصة في القطاع التعليمي والتربوي، ولدى طلبة الجامعات، وتوجيههم إلى هذا المعنى: كيف يتشاورون فيما بينهم كنخب ورجال مستقبل؟ وكذلك دور العنصر النسوي في هذا المجال، ومجالس الشورى لدى المتدينين، وطلبة الحوزة، وكيف يجتمعون ويتداولون القضايا، وكيف يسوقون هذا المفهوم.
أتوقع أن التركيز على هذا المفهوم سيقوض أصل المشكلة، وهو الاستبداد، ويبدأ عملية تفكيك ذلك المفهوم.
- الاستاذ حامد الجبوري، مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
مبدئياً، هناك ثلاثة أو أربعة مواضيع يمكن الإشارة إليها.
الأول فكري: نحن في مجتمعاتنا عموماً لدينا تقديس للشخص وتقديس للفكرة وهذا ما أشارت إليه الورقة بخصوص مالك بن نبي، وخصوصاً كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ومالك بن نبي، مع أنه خريج هندسة كهرباء، لاحظ أن المنطقة ليست بحاجة إلى هندسة كهرباء بقدر حاجتها إلى هندسة الأفكار. نحن لدينا مشكلة في عالم الأفكار، ولذلك اتجه إلى عالم الأدب والأفكار. وقد عالج في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي البنية الثقافية، التي هي الأساس للاستبداد. فتقديس الشخص على أساس الفكرة جزء أساسي ورئيسي في نشوء الاستبداد.
النقطة الثانية هي العامل الاقتصادي. نحن وجدنا أن اقتصادنا يعتمد دائماً على التخطيط المركزي، وأن كل الموارد محصورة بيد الدولة، وبالنتيجة لا توجد مساحة للأفراد والقطاع الخاص لكي يمارسوا دوراً بعيداً عن الدولة. وهذا يخلق بيئة خصبة لنشوء الاستبداد.
النقطة الثالثة هي المؤسساتية؛ إذ تُحصر كل المؤسسات بيد الرئيس سياسياً واقتصادياً، بل تشريعياً وقضائياً وتنفيذياً، وحتى إعلامياً وتعليمياً وصحياً. وبالنتيجة، ترتبط كل القرارات بيد الحاكم، ولا يُعطى مجال لحدوث تفاعل اجتماعي داخل هذه المؤسسات، أو لسلطة تراقب سلطة أخرى.
أما المسألة الأخلاقية، فتتعلق بأن هذا المجتمع لا يعرف أن الاستبداد بحد ذاته مشكلة أخلاقية؛ فمن استبد برأيه هلك. أتوقع أن هذه هي الأسباب الرئيسة التي أدت إلى نشوء الاستبداد في المنطقة، ومعالجتها تعني معالجة الاستبداد.
- الباحث حسين علي حسين، مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
هناك مجموعة أسباب، من ضمنها غياب سيادة القانون واستقلال المؤسسات في المجتمع العراقي والدولة العراقية. نجد أن القانون يُكتب، لكنه لا يُطبق، أو يُطبق بحسب أهواء السياسيين.
السبب الثاني لانتشار الاستبداد هو الخطاب الديني. على سبيل المثال، يقول لك الخطاب الديني: ما دام الحاكم شيعياً ويقبل بالأمور الشيعية، فعليك أن تقبل بكل ما يحدث. وهذا خطأ. نحن نريد أن نصل إلى مرحلة لا نجعل فيها الاستبداد مقبولاً تحت أي إطار، ولا نقول إن كل ما يحدث بنا عادي، المهم أن نبقى في الوضع نفسه. بل يجب أن نغيّر نحو الأفضل.
سبب آخر هو الخوف من الفوضى. الناس يقبلون بالاستبداد لأنهم يخافون مما بعده إذا زال، أو لأنهم اعتادوا العيش تحته. هذا يجعلهم لا يحبون التغيير ولا يبحثون عن حلول لمشكلة الاستبداد.
أذكر مثالاً بسيطاً من دراستي للماجستير في السنة التحضيرية قبل نحو أربع سنوات. في أول محاضرة لمهارات التدريس الأكاديمي، كانت أول كلمة قالها لنا الأستاذ: أريد أن أرى نصفكم في الدور الثاني. كانت أول كلمة قالها عند دخوله المحاضرة. فهذا يدل على مدى انتشار الاستبداد، حتى في المؤسسة التعليمية.
- الاستاذ باسم الزيدي، مدير مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:
سأتحدث عن نظرية الشورى عند الإمام الراحل الإمام الشيرازي رحمة الله عليه. إن جميع النظريات التي ذكرها المراجع، سواء الحكمية أو الاقتصادية أو غيرها، جاءت في عصر الغيبة؛ فهي ليست نظرية قابلة للتطبيق في مقابل وجود الإمام، باعتبار أنه في زمن الغيبة توجد نيابة عامة أو خاصة، وهذا فيه خلاف. لذلك، فهذه النظريات ليست في مقابل إرادة السماء. أما إرادة السماء، فلا مجال فيها، لذلك حتى أهل البيت عليهم السلام عندما كانوا يقولون إنهم يشاورون، كان ذلك لغرض تعليمنا معنى الشورى والطريقة الصحيحة لتطبيقها. وإلا فالقرآن يقول: فإذا عزمت فتوكل.
السؤال المهم الذي كان ينبغي أن نبحثه ليس فقط: ما الأسباب التي أوجدت الاستبداد في مناطقنا؟ بل الأخطر منه: لماذا استمر الاستبداد؟
لذلك، الإمام الشيرازي، في نظريته، بحث في عدة نقاط لكي يجعل الشورى راسخة في المجتمعات. هناك أكثر من نظرية تتناول هذا الجانب: نظرية الولي الفقيه، ونظرية ولاية الأمة على نفسها، وولاية الفرد على نفسه، ومن ضمنها النظرية الأكمل والأوجه بحسب رأيه، وهي نظرية الشورى.
الإمام الراحل، عندما بحث أسباب استمرار الاستبداد، وجد أن الاستبداد يحاول دائماً أن يغلف نفسه بمظاهر ديمقراطية ومظاهر شكلية. ولذلك تجد أن فرعون شاور قومه في طريقة اتخاذ الرأي تجاه موسى (ع)، وفي النهاية قال لهم: لا أريكم إلا ما أرى. والقرآن يقول: فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين. لذلك حاول الإمام أن يكسر هذه الأواصر، أي أواصر الاستبداد أو استمرارية وديمومة الفساد، فجاء إلى مفاصل مهمة ووضعها حتى تكون هذه النظرية قابلة للتطبيق.
من هذه الأمور، على سبيل المثال، شورى المراجع، وليس مرجعاً واحداً؛ لأن المرجع الواحد قد يؤدي إلى نوع من الاستبداد أو الرأي الواحد. وكذلك تعددية الأحزاب، وقد وضعها مقابل الحزب الواحد أو السلطة الواحدة.
أما المجتمع، فقد ذكرتم كيف ينشأ على الاستبداد. جعل الإمام الحل في إمكانية تنظيم الأفراد داخل مؤسسات، وهذه المؤسسات تعتمد الشورى، حتى تنشأ المجتمعات نشأة سليمة. وقد وضع المجتمع كله في مؤسسات: تنظيمات دينية، وشبابية، وثقافية، وفكرية، المهم أن تُنظّم هذه الأجيال في منظمات تعمل بهذا الاتجاه.
ومن أدوات الاستبداد أيضاً المسألة الاقتصادية التي يحاول من خلالها المستبدون السيطرة على الأفراد. لذلك وضع الإمام مسألة إطلاق الحريات: حرية عدم وجود الضرائب، وحرية الحركة، وحرية الزراعة، وحرية التملك، وغير ذلك. لذلك، فإن الإمام الشيرازي وضع مجموعة من الأمور التي تكسر أواصر الاستبداد، ويمكن أن تجعل نظرية الشورى قابلة للتطبيق.
والأهم من هذا كله أن الاستبداد يستمر دائماً لأنه لا يوجد بديل ناجح. وقد رأينا أن أغلب الثورات التي تحدث في المجتمعات لا تملك بديلاً ناجحاً، فتستدير 180 درجة وتعود إلى الاستبداد نفسه؛ لأنه لا يوجد مثال ناجح.
- الاستاذ احمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
عن مفردة الشورى، نحن منذ صغرنا إلى الآن، عندما نرى شخصاً يجلس قريباً من شخص آخر ويتحدث معه بهدوء، نقول: إنه يشاوره. لماذا سُمّيت مشاورة؟ لأنها تكون بكلام هادئ وقريب، وتدل على حالة ذهنية مستقرة. الكلام فيها مدروس وغير منفعل.
اليوم، إذا جمعت مجموعة من الناس وناقشت معهم أموراً، قد تجد من يصبح عصبياً، ومن يستبد برأيه، ومن يريد فرض رأيه. هذا لا أعتقد أنه نوع من الشورى. الشورى هي الآراء الحكيمة والهادئة التي تبني أو تحل مشكلة.
وفي ذيل الورقة ذُكرت بعض النماذج المستبدة التي تمتلك مظاهر مادية أو تنمية، مثل النموذج الصيني، وربما سنغافورة وغيرها. لكن هل نحن شعوب مختلفة في ثقافتها وفكرها وغير ذلك، بحيث يمكن أن نقول إن من العباد من لا يصلحه إلا الاستبداد؟ أنا أطرحها كتأمل؛ فهناك بعض الناس إذا لم توجد سلطة قوية تضبطهم قد لا يستقيمون، وبعض الناس لا يصلحهم إلا الحرية والديمقراطية وغيرها.
لكن من جهة أخرى، هل يمكن اعتبار ديمقراطية الولايات المتحدة اليوم ديمقراطية حقيقية؟ لا أعتقد ذلك. فهي حالها في بعض الجوانب حال الديمقراطية في العراق. في الانتخابات الماضية، خسر ترامب، ثم حصلت أحداث الكابيتول وغيرها، واليوم يقود مواقف وحروباً مجنونة لا فائدة فيها للولايات المتحدة ولا لغيرها. هو مستبد برأيه؛ يكتب في الساعة عشرات التغريدات، وقد تناقض الواحدة الأخرى. لذلك لا يمكن عدّها ديمقراطية مكتملة.
- الدكتور اسعد كاظم شبيب، باحث اكاديمي:
ممكن الاجابة عن السؤال الأول عبر النقاط الاتية:
1. يعود ذلك إلى تراكمات تاريخية منذ انهيار أنماط الحكم الشورى المبكر، وتحول السلطة إلى نماذج وراثية مركزية تُقدّس الحاكم وتضعف المساءلة المؤسسية.
2. ضعف البنية المؤسسية للدولة، وغياب الفصل بين السلطات، مما أدى إلى احتكار القرار السياسي وتهميش المجتمع المدني.
3. الثقافة السياسية التقليدية التي تميل إلى الطاعة وتجنب الصراع، نتيجة تفسيرات دينية واجتماعية عززت الاستقرار على حساب المشاركة.
4. التدخلات الخارجية والاستعمار، التي دعمت أنظمة سلطوية لضمان المصالح، وأضعفت تطور نظم حكم تشاركية مستقلة.
5. هشاشة الاقتصاد واعتماده على الريع (كالنفط)، مما يقلل من الحاجة إلى تمثيل شعبي مقابل الضرائب، ويقوي قبضة السلطة.
6. ضعف التعليم النقدي وانتشار الأمية السياسية، مما يحد من وعي الأفراد بحقوقهم ويُبقي الاستبداد مقبولاً أو غير مُقاوَم بفعالية.
ممكن الاجابة عن السؤال الثاني عبّر النقاط الاتية:
1. ترسيخ الشورى يبدأ بإعادة بنائها كمبدأ مؤسسي لا مجرد قيمة أخلاقية، عبر إدماجها في الدساتير والقوانين بشكل ملزم.
2. نشر ثقافة المشاركة من خلال التعليم والإعلام، بحيث يُدرَّب الأفراد على الحوار، وقبول الاختلاف، وصنع القرار الجماعي.
3. بناء مؤسسات قوية مستقلة (قضاء، برلمان، رقابة) تضمن تطبيق الشورى وتمنع احتكار السلطة أو الالتفاف عليها.
4. تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، لأن المشاركة السياسية الفاعلة ترتبط بوجود حد أدنى من الكرامة والاستقرار المعيشي.
5. تجديد الخطاب الديني ليركز على الشورى كآلية حكم ملزمة، لا مجرد نصيحة، مع ربطها بمقاصد العدل والحرية.
6. وجود إرادة سياسية ونخب إصلاحية تتبنى الشورى عملياً، وتقدم نماذج ناجحة تعزز الثقة المجتمعية بجدواها واستمراريتها.
- الاستاذ صادق الطائي، باحث وكاتب:
عندما ينهار (العقل الاجتماعي) والحس التاريخي وفقدان الطليعة بين السجون وغرف التعذيب والقتل، يهيم الاستبداد ويعود هو الحل الامثل والنشيد الاوحد للحرية، ومن خلاله تتفجر الطاقات والقابليات بل تتفجر الامكانيات المدفونة لدى الجماهير، أي مجتمع يفقد الاسباب التي ذكرتها وان كان هناك اعلام ينقد الفكرة، التاريخ والتجارب تدلل على صحة الفكرة.
السلوك الاجتماعي في الدول والبلدان العربية والاسلامية هو فقدان (العقل الاجتماعي) أي التعليم الممنهج الذي يرفع الجماهير ويوّصلها الى درجة التميز والمراقبة والقدرة على صنع نظامها بنفسها، هذه الصفة ربما الوحيدة التي يمكن من خلالها ان يكون مشروع الشورى راسخا.
استنتاجات وتوصيات ختامية
ولأجل المزيد من الفائدة تم استخراج استنتاجات وتوصيات ختامية من مضمون الورقة البحثية والمداخلات:
1. الاستنتاج: إن الاستبداد في المجتمعات العربية والإسلامية ليس ظاهرة سياسية فقط، بل هو بنية ثقافية واجتماعية وتربوية متجذرة، تبدأ من الأسرة والمدرسة والبيئة الاجتماعية، ثم تنعكس على مؤسسات الدولة والنظام السياسي. فالحاكم المستبد غالباً ما يكون نتاجاً لثقافة عامة مارست الاستبداد في البيت، والمدرسة، والمؤسسة، والعلاقات الاجتماعية.
التوصية: ينبغي معالجة الاستبداد من جذوره الاجتماعية والتربوية، عبر إعادة بناء ثقافة الأسرة والمدرسة والمؤسسة على قيم الحوار، واحترام الرأي، والمشاركة، ورفض التسلط، وتشجيع الأسرة على ممارسة الشورى داخل البيت منذ المراحل الأولى لتنشئة الطفل.
2. الاستنتاج: إن تراجع مبدأ الشورى يعود إلى بقائه مفهوماً أخلاقياً عاماً أو شعاراً نظرياً غير مؤسَّس دستورياً ومؤسساتياً، مما جعله تابعاً لمزاج الحاكم لا ملزماً له، وأفقده القدرة على منع التفرد بالقرار والسلطة.
التوصية: ضرورة تحويل مبدأ الشورى من خطاب أخلاقي عام إلى نظام مؤسسي واضح، يقوم على الدستور، والقانون، والرقابة، والمساءلة، والفصل بين السلطات، مع وضع آليات تنفيذية حقيقية، مثل مجالس شورى فاعلة، وبرلمانات مؤثرة، ومؤسسات رقابية مستقلة.
3. الاستنتاج: إن غياب الشورى عن إدارة الدولة وصنع القرار يؤدي إلى فقدان الشرعية السياسية، وتعميق الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وفتح المجال للاحتقان الشعبي والثورات والانهيارات؛ لأن الرأي الواحد يعطل الرقابة، ويفسد السياسة والاقتصاد والأخلاق والدين.
التوصية: ينبغي اعتماد آليات شوروية حقيقية في صنع القرار العام، بما يضمن مشاركة المجتمع، ويعزز شرعية الحكم، ويمنع تراكم الاحتقان، مع بناء مؤسسات رقابية مستقلة تمنع تركيز السلطات بيد شخص واحد أو جهة واحدة.
4. الاستنتاج: إن الاستبداد يستمر حين يجد بيئة حاضنة قائمة على الخوف، والطاعة العمياء، وضعف الوعي، والأمية السياسية، وغياب التربية النقدية، إضافة إلى التربية على الانقياد والخشية من التغيير أو الفوضى.
التوصية: العمل على نشر الوعي السياسي، ومكافحة الأمية السياسية، وتعزيز التربية النقدية، وتربية المواطن على التفكير والمساءلة وتحمل المسؤولية، حتى لا يبقى الناس أسرى الخوف من التغيير أو الحنين إلى المستبد.
5. الاستنتاج: إن الاقتصاد الريعي والمركزي يسهم في ترسيخ الاستبداد، لأنه يجعل موارد الدولة بيد السلطة، ويضعف استقلال المجتمع، ويحول المواطن إلى تابع ينتظر المنح لا شريكاً في القرار، كما أن تمركز المال والنفوذ يمنع قيام شورى حقيقية.
التوصية: تقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي، وفتح المجال أمام اقتصاد منتج ومستقل، وتعزيز دور القطاع الخاص والمجتمع المدني، لأن الاستقلال الاقتصادي للمجتمع يعزز استقلال قراره السياسي والاجتماعي.
6. الاستنتاج: إن الشورى القرآنية ليست مفهوماً سياسياً محدوداً، بل هي سلوك حضاري شامل ينبغي أن يمتد إلى الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسة، والحزب، والدولة، وأن يتحول من نص نظري إلى ممارسة يومية في إدارة العلاقات والقرارات.
التوصية: جعل الشورى ممارسة يومية لا مناسبة سياسية، تبدأ من طريقة إدارة الحوار، واتخاذ القرار، واحترام الرأي داخل المؤسسات الصغيرة، كالأسرة والمدرسة والجامعة والدائرة والمنظمة، وصولاً إلى بناء دولة عادلة ومؤسسات رشيدة.
7. الاستنتاج: إن بناء الإنسان غير القابل للاستبداد هو المدخل الأهم لبناء مجتمع شوروي؛ لأن إسقاط مستبد من دون تغيير الثقافة المنتجة للاستبداد يؤدي غالباً إلى إعادة إنتاج مستبد آخر بصورة جديدة، ما دام الفرد نفسه قابلاً للاستبداد أو ممارساً له.
التوصية: اعتماد مشروع تربوي وثقافي طويل المدى لبناء إنسان حر وواعٍ ومسؤول، لا يمارس الاستبداد ولا يقبل به، ويؤمن بالمشاركة، والمساءلة، واحترام الآخر، مع إدخال قيم الشورى والحوار في المناهج التربوية منذ المراحل الأولى.
8. الاستنتاج: إن من أهم أسباب استمرار الاستبداد غياب البديل المؤسسي الناجح والواضح؛ فالمجتمعات التي ترفض الاستبداد أو تثور عليه من دون مشروع حكم عادل وقابل للتطبيق قد تعود إلى استبداد جديد بأسماء وشعارات مختلفة.
التوصية: العمل على إيجاد بديل مؤسسي واضح للاستبداد، يقوم على الحكم الرشيد، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وتداول الرأي، والمساءلة، لأن رفض الاستبداد وحده لا يكفي ما لم يصاحبه مشروع عملي لبناء دولة عادلة.
9. الاستنتاج: إن التربية على الخوف، والعجب بالرأي، وتقديس الأشخاص والأفكار، وضعف ثقافة الحوار، كلها عوامل تجعل الفرد قابلاً للاستبداد وممارساً له في الوقت نفسه، كما تؤدي إلى تحويل الزعماء أو الأفكار إلى أصنام لا تُناقش.
التوصية: مواجهة ظاهرة تقديس الأشخاص والزعماء والأفكار، وترسيخ أن الرأي البشري قابل للخطأ والصواب، وتشجيع ثقافة الاختلاف، والصبر على الرأي الآخر، ونضج الانفعالات، وإدارة الحوار بهدوء بعيداً عن التخوين والإقصاء والانفعال.
10. الاستنتاج: إن النصوص القرآنية والمرجعية الفكرية الإسلامية تمنح الشورى مكانة مركزية، لكن المشكلة تكمن في ضعف تحويل هذه المكانة إلى مؤسسات ضامنة وممارسات عملية، كما أن الشورى لا تكتمل بوصفها حقاً في التعبير والمشاركة فقط، بل هي واجب في الرقابة والمساءلة وتحمل المسؤولية.
التوصية: دعم الدراسات والبحوث والبرامج العملية التي تتناول فكر الشورى في الإسلام، ولا سيما مؤلفات الإمام الشيرازي والمفكرين الذين عالجوا الاستبداد، مع تحويل هذه الأفكار إلى مناهج تربوية، ومؤسسات تطبيقية، ومبادرات مجتمعية تعزز المشاركة والرقابة والمسؤولية العامة.
ختاماً، يؤكد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث، أن غلبة الاستبداد ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكمات ثقافية وتربوية وسياسية قابلة للمعالجة. وإن إحياء الشورى يتطلب وعياً مجتمعياً، ومؤسسات ضامنة، وتربية قائمة على الحوار والمسؤولية، لبناء إنسان حر ودولة عادلة تحفظ الكرامة وتمنع التفرد بالسلطة.