مأزق الحرب مع إيران.. صراع بلا حسم يفاقم الكلف ويزيد التعقيدات
شبكة النبأ
2026-05-03 02:44
بعد مرور أكثر من شهرين على اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، تبدو الأزمة أبعد ما تكون عن الحسم العسكري أو التسوية الدبلوماسية. فالصراع الذي بدأ بضربات واسعة استهدفت القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، سرعان ما تحول إلى مواجهة مفتوحة متعددة المستويات، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والمساومات الدبلوماسية، والتحديات القانونية الداخلية في الولايات المتحدة، وتداعيات أسواق الطاقة العالمية.
تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مأزقا متزايدا يتمثل في غياب مسار واضح للخروج من الحرب. فمن جهة، لم تتمكن واشنطن من تحقيق أهدافها المعلنة بصورة حاسمة، وفي مقدمتها منع إيران نهائيا من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وإنهاء نفوذها الإقليمي، وإجبارها على قبول تسوية بشروط أمريكية. ومن جهة أخرى، لم تُهزم إيران بالقدر الذي يجعلها تقبل باتفاق يُنظر إليه داخليا على أنه استسلام. بل على العكس، نجحت طهران في تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية شديدة الفاعلية، وأظهرت قدرة على الصمود الاقتصادي والسياسي تفوق ما كانت تراهن عليه واشنطن.
وفي ظل وقف إطلاق نار هش منذ الثامن من أبريل/نيسان، لا تزال الحرب قائمة بمعناها السياسي والاستراتيجي، حتى وإن تراجعت العمليات القتالية المباشرة. فالولايات المتحدة تواصل فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وإيران تواصل إغلاق مضيق هرمز عمليا أمام معظم حركة الملاحة، بينما تبقى احتمالات استئناف الضربات العسكرية مطروحة في واشنطن وطهران على حد سواء.
تزداد خطورة هذا المأزق بسبب ارتباطه المباشر بالداخل الأمريكي. فارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع شعبية ترامب، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، كلها عوامل تجعل استمرار الأزمة عبئا سياسيا متصاعدا على البيت الأبيض والحزب الجمهوري. كما أن الجدل حول قانون صلاحيات الحرب يضع الإدارة أمام اختبار دستوري وسياسي حساس، خصوصا مع رفض الديمقراطيين اعتبار وقف إطلاق النار نهاية قانونية للأعمال القتالية.
هذا التقرير يحلل أبعاد الأزمة الراهنة، ويركز على أسباب تعقد الموقف الأمريكي، وأدوات الضغط الإيرانية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز، والخيارات المتاحة أمام ترامب، واحتمالات تحول الحرب إلى صراع متجمد طويل الأمد.
أولا: حرب بلا نصر واضح
كان الهدف المعلن من الهجوم الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط هو منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وإضعاف قدراتها العسكرية، والضغط عليها لوقف دعم حلفائها الإقليميين. إلا أن تطورات الحرب كشفت عن فجوة واسعة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة.
صحيح أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضرارا كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، واستهدفت منشآت وقادة ومواقع حساسة، لكنها لم تُنهِ قدرة إيران على الرد أو التعطيل. كما لم تؤدِّ إلى انهيار النظام السياسي الإيراني، رغم أن ترامب لوّح في بداية الحرب بتغيير النظام ودعا الإيرانيين إلى الإطاحة بحكامهم.
الأهم من ذلك أن الهدف النووي ذاته لم يتحقق بصورة حاسمة. فالتقارير تشير إلى أن مخزونا من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال مدفونا منذ الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، وقد يكون قابلا للاستخراج والمعالجة لاحقا. وهذا يعني أن الضربات العسكرية ربما أخّرت البرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تُلغِه نهائيا.
إضافة إلى ذلك، لم تتمكن واشنطن من إجبار إيران على التخلي عن دعم حلفائها الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحركة حماس. بل إن استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، رغم وجود وقف إطلاق نار، يعكس أن الحرب اتسعت إقليميا وخلقت بيئة أكثر اضطرابا، بدلا من أن تنتج ترتيبا أمنيا أكثر استقرارا.
من هنا، تبدو إدارة ترامب أمام معضلة أساسية: فهي لا تستطيع إعلان انتصار واضح، لكنها أيضا لا ترغب في الاعتراف بأن الحرب لم تحقق أهدافها الكبرى. وهذا الوضع يفتح الباب أمام خطاب سياسي متناقض؛ إذ تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض أن ترامب “حقق أو تجاوز” جميع الأهداف العسكرية، بينما تشير الوقائع إلى أن القضايا الأساسية، وعلى رأسها الملف النووي ومضيق هرمز، لا تزال بلا حل.
ثانيا: مضيق هرمز يتحول إلى مركز الثقل في الأزمة
من أبرز التحولات التي فرضتها الحرب أن مضيق هرمز أصبح الورقة الأكثر حساسية في يد إيران. فمنذ بداية الصراع، منعت طهران مرور معظم السفن عبر الخليج باستثناء سفنها، ما أدى إلى اضطراب كبير في حركة الطاقة العالمية، باعتبار أن المضيق يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
كان هذا الإغلاق العملي للمضيق أحد أهم أسباب ارتفاع أسعار النفط والوقود عالميا، كما أسهم في تصاعد الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة نفسها. فارتفاع أسعار البنزين داخل السوق الأمريكية ينعكس مباشرة على الرأي العام، ويزيد من الضغوط على ترامب في مرحلة انتخابية حساسة.
سياسيا، كشف استخدام إيران لورقة هرمز أن طهران، رغم تعرضها لضربات عسكرية قاسية، لا تزال تمتلك أدوات تأثير استراتيجية. فإغلاق المضيق لا يحتاج إلى تفوق عسكري شامل، بل إلى قدرة على التعطيل والتهديد ورفع كلفة الملاحة. وهذا ما جعل بعض المحللين يعتبرون أن إيران خرجت من الحرب بإدراك جديد لقوة هذه الورقة، وأنها أصبحت أكثر ثقة بقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي حتى في لحظات الضعف.
أما بالنسبة إلى ترامب، فإن الفشل في إعادة فتح المضيق دون تقديم تنازلات جوهرية سيكون ضربة كبيرة لصورة القيادة الأمريكية. فإذا انتهت الحرب مع بقاء إيران قادرة على تعطيل أهم ممرات الطاقة في العالم، فسيبدو ذلك وكأنه تراجع أمريكي استراتيجي، حتى لو جرى تسويقه داخليا بوصفه “وقفا للأعمال العدائية”.
ثالثا: المقترح الإيراني ومأزق الترتيب التفاوضي
قدمت إيران مقترحا جديدا عبر الوسطاء الباكستانيين، يقوم على فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، مقابل تأجيل النقاش حول البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة. ويبدو أن طهران تسعى من خلال هذا التصور إلى فصل الملفات: أولا إنهاء الحرب وإعادة فتح طرق الملاحة، ثم الانتقال لاحقا إلى مفاوضات أوسع بشأن القيود النووية ورفع العقوبات.
بالنسبة لإيران، يمثل هذا الترتيب محاولة لتغيير البيئة التفاوضية. فهي تريد إنهاء الضغط العسكري والبحري قبل الدخول في مفاوضات نووية معقدة، كما تطالب بضمانات بعدم تعرضها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي جديد. وتصر أيضا على الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، حتى إذا قبلت بتعليق التخصيب ضمن تفاهم لاحق.
أما واشنطن، فترفض هذا المنطق لأنها ترى أن الملف النووي هو جوهر الحرب وسببها الرئيسي. ومن وجهة نظر ترامب، لا معنى لإنهاء الحرب أو رفع الحصار البحري قبل الحصول على التزام واضح يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. ولذلك قال إنه “غير راض” عن المقترح الإيراني، وإن طهران تطلب أمورا لا يستطيع القبول بها.
هنا تظهر فجوة أساسية بين الطرفين. إيران تريد أولوية لإنهاء الحرب وفتح المضيق، ثم التفاوض حول النووي. الولايات المتحدة تريد أولوية للنووي، ثم إنهاء الحرب ورفع القيود. هذه الفجوة ليست تقنية، بل سياسية واستراتيجية، لأنها تتعلق بسؤال: من الطرف الذي يتنازل أولا؟
ولهذا السبب لا يبدو أن استئناف المحادثات، حتى لو حدث، سيقود بسرعة إلى تسوية. فكل طرف يعتقد أنه يمتلك أوراق ضغط كافية لانتزاع شروط أفضل. ترامب يعتمد على الحصار والعقوبات والتهديد باستئناف الضربات. وإيران تعتمد على مضيق هرمز، وقدرتها على الصمود، وحسابات الضغط الداخلي الأمريكي.
رابعا: الحصار البحري الأمريكي وحدود الضغط على إيران
فرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، واحتجزت سفنا مرتبطة بطهران أو خاضعة للعقوبات. وقد وصف ترامب، في تصريح لافت، أداء البحرية الأمريكية في الحصار بأنها تتصرف “كالقراصنة”، مشيرا إلى الاستيلاء على سفن وحمولات نفطية.
هذا الحصار يمثل محاولة أمريكية لزيادة كلفة الصمود الإيراني، خصوصا عبر ضرب صادرات الطاقة التي تمثل مصدرا أساسيا للإيرادات. كما يهدف إلى إجبار طهران على القبول بتسوية تشمل الملف النووي لا تقتصر على فتح المضيق.
لكن فعالية الحصار ليست مطلقة. فإيران تملك خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات، ولديها تجارة برية مع دول الجوار، ومخزونات داخلية، واحتياطات ذهب، وقدرة على إدارة اقتصاد مقاوم في أوقات الضغط. كما أن الحصار، وفقا للمادة الأصلية، ركز حتى الآن على الموانئ المطلة على الخليج، ولم يشمل بصورة كاملة ميناء تشابهار على بحر العرب، كما لم يوقف كل قنوات التجارة عبر الحدود.
هذا لا يعني أن الاقتصاد الإيراني في وضع مريح. فالحرب زادت التضخم، وأضعفت الريال، وأثرت على الشركات وسلاسل الإمداد، وخفضت المبيعات في قطاعات تجارية عديدة. إلا أن الانهيار السريع الذي قد تكون واشنطن تراهن عليه لم يحدث حتى الآن. وقد تكون طهران قادرة على الصمود لأسابيع أو أشهر إضافية، وهي مدة قد تكون سياسيا أطول مما يستطيع ترامب تحمله داخليا.
وبذلك يتحول الحصار إلى سلاح ذي حدين. فهو يضغط على إيران، لكنه في الوقت ذاته يطيل الأزمة، ويرفع أسعار الطاقة، ويزيد الاستياء داخل الولايات المتحدة، ويعمق التوتر مع الحلفاء الأوروبيين والدول المعتمدة على استقرار الملاحة في الخليج.
خامسا: الاقتصاد الإيراني بين الهشاشة والقدرة على الصمود
تواجه إيران أزمة اقتصادية عميقة سبقت الحرب، بفعل العقوبات الدولية، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، والبطالة، واضطرابات داخلية سابقة. وقد جاءت الحرب لتفاقم هذه الأوضاع، عبر تضرر البنية التحتية، وتراجع صادرات النفط، وتعطل الإنترنت جزئيا، وزيادة الضغوط على الشركات والمستهلكين.
ومع ذلك، تظهر المعطيات أن الاقتصاد الإيراني لم يصل بعد إلى مرحلة الانهيار الفوري. فرفوف المتاجر لا تزال ممتلئة، ورواتب موظفي الدولة لم تتوقف، ولم تُفرض قيود واسعة على السحب المصرفي أو حصص صارمة للوقود والمواد الغذائية الأساسية. كما أن موسم الحصاد المتوقع أن يكون أفضل من المعتاد قد يقلل من الحاجة إلى استيراد القمح، ويخفف الضغط على العملات الأجنبية.
تستند طهران في ذلك إلى مفهوم “اقتصاد المقاومة”، أي الاعتماد على الموارد الداخلية، والتجارة البرية، والالتفاف على العقوبات، وضبط المجتمع أمنيا وسياسيا. وتراهن القيادة الإيرانية، بما في ذلك الحرس الثوري، على أن المجتمع الإيراني قادر على تحمل ضغوط كبيرة إذا جرى تصوير الحرب باعتبارها معركة وجودية.
لكن هذه القدرة ليست بلا حدود. فهناك مخاوف حقيقية داخل إيران من موجات احتجاج جديدة إذا استمر التضخم والبطالة وتدهور المعيشة. وقد أشارت تقارير إلى أن مسؤولين إيرانيين يخشون كارثة اقتصادية ما لم تُرفع العقوبات أو تُفتح مسارات تجارية أكثر استقرارا. كما أن التجار وأصحاب الأعمال يعانون من انخفاض المبيعات وارتفاع التكاليف وتعطل سلاسل الإمداد.
لذلك تبدو إيران في وضع مزدوج: ليست منهارة، لكنها تتآكل. تستطيع الصمود حاليا، لكنها تحتاج في النهاية إلى اتفاق يخفف العقوبات ويفتح المجال أمام عودة صادرات الطاقة والتجارة الطبيعية. وهذا ما يجعلها تفضل تسوية تدريجية تبدأ بإنهاء الحرب وفتح المضيق، ثم تبحث الملف النووي والعقوبات لاحقا.
سادسا: الداخل الأمريكي وضغط الانتخابات
ربما يكون العامل الداخلي الأمريكي أحد أكثر عناصر الأزمة حساسية بالنسبة إلى ترامب. فالحرب لا تحظى بتأييد واسع بين الأمريكيين، وتزامنت مع ارتفاع أسعار البنزين والسلع الاستهلاكية، وتراجع شعبية الرئيس إلى مستويات متدنية. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني، يخشى الجمهوريون من أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي يهدد أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ.
من الناحية السياسية، يدرك ترامب أن صورته تقوم على القوة والحسم. لكن استمرار حرب بلا انتصار واضح يضعف هذه الصورة. كما أن وعده السابق بتجنب التورط في تدخلات خارجية طويلة يجعل الصراع مع إيران يبدو متناقضا مع جزء مهم من خطابه السياسي.
الديمقراطيون يستثمرون هذا المأزق عبر اتهام الإدارة بأنها دخلت حربا سيئة التخطيط، بلا استراتيجية خروج واضحة. وقد حاولوا مرارا تمرير قرارات لإجبار ترامب على سحب القوات الأمريكية أو الحصول على تفويض من الكونغرس، إلا أن الجمهوريين عرقلوا هذه المحاولات بحكم أغلبيتهم وانضباطهم الحزبي.
ومع ذلك، فإن الولاء الحزبي لا يلغي المخاطر. فكلما طالت الأزمة، زادت الكلفة الاقتصادية، وكلما ارتفعت أسعار البنزين، أصبح من الصعب على الجمهوريين الدفاع عن الحرب أمام الناخبين. ولذلك قد يحاول ترامب البحث عن مخرج سياسي يسمح له بإعلان “النصر” من جانب واحد، حتى دون اتفاق شامل مع إيران.
لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر. فإذا أعلن ترامب الانتصار وانسحب دون تسوية صلبة، فقد تعتبر إيران ذلك نجاحا استراتيجيا لها. وإذا قبل باتفاق ناقص، فقد يتهمه خصومه وحلفاؤه بأنه سمح لإيران بالبقاء تهديدا إقليميا ونوويا. وإذا استأنف الحرب، فقد يدخل في مواجهة أطول وأكثر كلفة.
سابعا: قانون صلاحيات الحرب والأزمة الدستورية
تزامن المأزق العسكري والدبلوماسي مع انقضاء مهلة الستين يوما المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب لعام 1973. وبموجب هذا القانون، يحق للرئيس الأمريكي شن عمل عسكري محدود لفترة محددة، لكنه يحتاج بعد ستين يوما إلى تفويض من الكونغرس أو إلى تمديد قصير مرتبط بضرورة عسكرية أثناء سحب القوات.
بدأ العد التنازلي بعد إبلاغ ترامب الكونغرس رسميا بالصراع عقب الغارات الجوية الأولى. ومع حلول الأول من مايو/أيار، أعلنت الإدارة أن وقف إطلاق النار مع إيران “أنهى” الأعمال القتالية، وبالتالي لا حاجة إلى تفويض جديد.
لكن الديمقراطيين يرفضون هذا التفسير. فهم يرون أن استمرار الحصار البحري، وبقاء القوات والسفن الأمريكية في المنطقة، ووجود احتمال قائم لاستئناف الضربات، كلها تعني أن الحرب لم تنته فعليا. كما يؤكدون أن القانون لا يتضمن ثغرة تسمح للرئيس باعتبار وقف إطلاق نار مؤقت نهاية قانونية للصراع إذا ظلت العمليات العسكرية أو الحصار مستمرة.
من جهة أخرى، يرى ترامب وإدارته أن قانون صلاحيات الحرب نفسه محل إشكال دستوري، إذ سبق أن اعتبر رؤساء جمهوريون وديمقراطيون أنه يقيد صلاحيات الرئيس بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة. وبذلك تتحول المسألة إلى نزاع قديم ومتجدد بين صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية، وسلطة الكونغرس في إعلان الحرب.
عمليا، قد يستفيد ترامب من الانقسام الحزبي لتعطيل أي تحرك تشريعي ضده. فالجمهوريون لا يزالون، في معظمهم، يرفضون تحدي الرئيس. لكن استمرار الحرب أو تجددها قد يدفع بعض الجمهوريين إلى إعادة النظر، خصوصا إذا أصبح الثمن الانتخابي مرتفعا.
ثامنا: العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين وأزمة الثقة
أحد آثار الحرب المهمة هو تدهور العلاقة بين ترامب والحلفاء الأوروبيين. فقد انتقد الرئيس الأمريكي شركاء حلف شمال الأطلسي بسبب عدم إرسالهم سفنا حربية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، وطرح احتمال سحب قوات أمريكية من ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا.
هذا التوتر يعكس اختلافا عميقا في تقدير الحرب. فالحكومات الأوروبية، بحسب ما ورد في المادة، تنظر بقلق إلى غياب استراتيجية أمريكية واضحة، وتتوقع استمرار الوضع الحالي مع إيران. كما تخشى من أن تنتهي الحرب إما باتفاق ضعيف لا يزيل التهديد الإيراني، أو بتصعيد جديد يفاقم أزمة الطاقة ويهدد الاستقرار العالمي.
إعلان البنتاغون سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا خلال عام جاء في سياق هذا التوتر، وأثار نقاشا أوروبيا حول الحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. غير أن توقيت الخطوة يجعلها تبدو أيضا رسالة سياسية إلى الحلفاء الذين يرفضون الانخراط في حرب ترامب ضد إيران.
هذا الشقاق مع أوروبا يمثل تكلفة استراتيجية إضافية لواشنطن. فبدلا من أن تؤدي الحرب إلى توحيد الجبهة الغربية ضد إيران، أدت إلى تعميق الخلافات بشأن الشرعية، والأهداف، والوسائل، وتوزيع الأعباء. كما أن ضعف التشاور المسبق مع الحلفاء زاد الشعور الأوروبي بأن الإدارة الأمريكية تتصرف بصورة منفردة ثم تطالب الآخرين بتحمل النتائج.
تاسعا: إيران بعد الضربات: قيادة أكثر تشددا ومجتمع تحت الضغط
من التداعيات غير المقصودة للحرب أنها قد تكون عززت نفوذ التيار الأمني والعسكري داخل إيران. فقد أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى مقتل عدد من القادة البارزين، بمن فيهم شخصيات عليا، ما فتح المجال أمام قيادة أكثر تشددا يهيمن عليها الحرس الثوري.
في مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب على صناع القرار الإيرانيين تقديم تنازلات واسعة، لأن أي تنازل قد يُفسر داخليا على أنه خضوع بعد تعرض البلاد لهجوم عسكري. كما أن الخطاب الرسمي الإيراني يربط الحرب بمعركة وجودية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يمنح المتشددين قدرة أكبر على فرض رؤيتهم.
في المقابل، يعيش المجتمع الإيراني ضغوطا شديدة. فالتضخم، والبطالة، وتراجع الدخل، والخوف من عودة الحرب، كلها عوامل تزيد الإحباط الشعبي. وقد نقلت المادة شهادات عن مواطنين يشعرون بأنهم عالقون بين احتمال هجوم خارجي جديد وقمع داخلي متزايد. كما أشارت إلى تنفيذ إعدامات بتهم التجسس لصالح إسرائيل، ما يعكس تشددا أمنيا داخليا متناميا.
هذا الوضع يجعل النظام الإيراني أكثر تماسكا في المدى القصير، لكنه أكثر هشاشة اجتماعيا في المدى المتوسط. فالتعبئة الوطنية قد تمنح القيادة وقتا إضافيا، لكنها لا تحل المشكلات الاقتصادية العميقة. وإذا طال أمد الحصار وتدهورت المعيشة، فقد تعود الاحتجاجات بصورة أشد خطورة.
عاشرا: الجبهة اللبنانية واتساع الارتدادات الإقليمية
لم تقتصر تداعيات الحرب على إيران والولايات المتحدة فقط، بل امتدت إلى ساحات إقليمية، وفي مقدمتها لبنان. فقد تواصلت الضربات الإسرائيلية على جنوب لبنان رغم وجود وقف إطلاق نار مع حزب الله، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، في مؤشر إلى أن الحرب الإقليمية لم تنته عمليا.
هذا البعد اللبناني مهم لأنه يكشف أن أي تسوية مع إيران لن تكون محصورة بالملف النووي أو مضيق هرمز. فواشنطن وتل أبيب تريدان أيضا تقليص نفوذ حلفاء إيران في المنطقة. أما طهران، فترى في هذه الشبكة الإقليمية أحد عناصر الردع الأساسية التي تمنع استفرادها.
تزايد الضغوط الأمريكية لعقد لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي يعكس محاولة لإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في لبنان بالتوازي مع الحرب على إيران. لكن استمرار الغارات الإسرائيلية، وسقوط الضحايا، وتوتر البيئة السياسية اللبنانية، كلها عوامل تجعل هذا المسار بالغ التعقيد.
وهكذا يتضح أن الحرب أنتجت سلسلة أزمات مترابطة: أزمة نووية مع إيران، أزمة ملاحة في هرمز، أزمة طاقة عالمية، أزمة دستورية أمريكية، توتر مع أوروبا، وتصعيد في لبنان. وكلما زادت هذه الملفات تداخلا، أصبح التوصل إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة.
حادي عشر: احتمالات استئناف القتال
رغم وقف إطلاق النار، لا تزال احتمالات استئناف القتال قائمة. فقد تحدث مسؤولون أمريكيون عن خيارات عسكرية تتضمن ضربات قصيرة وقوية، وربما السيطرة على جزء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة. وفي المقابل، حذر مسؤولون عسكريون إيرانيون من أن تجدد الحرب احتمال وارد، مؤكدين استعداد القوات المسلحة لأي “مغامرة” أمريكية.
من وجهة نظر واشنطن، قد يكون استئناف الضربات وسيلة لإجبار إيران على تقديم تنازلات. لكنه خيار محفوف بمخاطر كبيرة، لأن إيران قد ترد بضربات ممتدة ومؤلمة على مواقع أمريكية أو مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، ما قد يؤدي إلى اتساع الحرب بدلا من إنهائها.
كما أن أي استئناف للقتال قد يفتح مجددا مسألة قانون صلاحيات الحرب. فقد تحاول إدارة ترامب الادعاء بأن جولة جديدة من الضربات تبدأ مهلة جديدة مدتها ستون يوما، كما فعل رؤساء أمريكيون سابقون في حالات مختلفة. لكن هذا التفسير سيزيد الصدام مع الديمقراطيين، وربما مع بعض الجمهوريين المترددين.
عسكريا، لا يبدو أن هناك خيارا نظيفا. فالضربات المحدودة قد لا تكفي لإجبار إيران على التراجع. أما عملية أوسع لفتح مضيق هرمز بالقوة فقد تتحول إلى حرب بحرية طويلة ومكلفة. وفي الحالتين، سيتأثر الاقتصاد العالمي بقوة، خصوصا إذا ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
ثاني عشر: خطر “الصراع المتجمد”
في ظل تباعد المواقف، يحذر بعض المحللين من تحول الحرب إلى “صراع متجمد”. والمقصود بذلك حالة لا تشهد قتالا واسعا بشكل دائم، لكنها لا تصل أيضا إلى سلام أو تسوية نهائية. في هذا السيناريو، يستمر وقف إطلاق النار الهش، وتبقى القوات الأمريكية في المنطقة، ويستمر الحصار البحري جزئيا، وتظل إيران قادرة على تعطيل هرمز أو التهديد بذلك.
هذا السيناريو قد يكون الأسوأ سياسيا لترامب. فهو لا يمنحه نصرا واضحا، ولا يسمح له بخفض الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ولا يوقف ارتفاع أسعار الطاقة بصورة مستقرة، ولا ينهي الملف النووي. كما يمنح إيران فرصة لكسب الوقت وانتظار تغير الظروف السياسية الأمريكية.
قد تراهن طهران على أن الضغوط الداخلية على ترامب ستزداد مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وأنه في النهاية سيحتاج إلى مخرج أكثر مما تحتاج إليه إيران. لكن هذا الرهان نفسه محفوف بالمخاطر، لأن الاقتصاد الإيراني قد لا يتحمل صراعا طويلا بلا تخفيف للعقوبات أو عودة لصادرات النفط.
أما واشنطن، فقد تراهن على أن استمرار الحصار سيؤدي في النهاية إلى إنهاك إيران ودفعها إلى التنازل. لكن ارتفاع كلفة الصراع على الاقتصاد العالمي والداخل الأمريكي قد يجعل هذا الرهان غير مضمون.
خاتمة
تكشف حرب إيران عن مأزق استراتيجي متصاعد لإدارة ترامب. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب بأهداف كبيرة: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إضعاف نفوذها الإقليمي، تغيير سلوكها، وربما تغيير نظامها. لكنها بعد أكثر من شهرين تجد نفسها أمام صراع بلا حسم، ومضيق حيوي شبه مغلق، وأسعار طاقة مرتفعة، وحلفاء مترددين، وخصم إيراني لا يزال قادرا على الصمود والمساومة.
المشكلة الأساسية أن كل خيار متاح أمام ترامب يحمل ثمنا كبيرا. فاستئناف الحرب قد يوسع الصراع ويرفع كلفته. والقبول بالمقترح الإيراني قد يبدو تنازلا لأنه يؤجل الملف النووي. والإبقاء على الحصار والصراع المتجمد يفاقم الضغوط الاقتصادية والسياسية. أما إعلان نصر أحادي والانسحاب فقد يمنح إيران فرصة لتقديم نفسها كطرف صمد أمام القوة الأمريكية.
في المقابل، ليست إيران في وضع مريح. اقتصادها يعاني، ومجتمعها مرهق، وقيادتها تواجه ضغوطا داخلية وخارجية. لكنها نجحت حتى الآن في منع واشنطن من فرض شروطها كاملة، واستطاعت تحويل مضيق هرمز إلى ورقة تفاوض مركزية.
لذلك يمكن القول إن الحرب جعلت موقف ترامب أكثر صعوبة مما كان عليه قبل اندلاعها. فبدلا من إنهاء التهديد الإيراني، خلقت الأزمة واقعا أكثر تعقيدا: إيران أضعف عسكريا لكنها أكثر جرأة في استخدام أدوات التعطيل، والولايات المتحدة أقوى عسكريا لكنها أكثر انكشافا أمام كلفة حرب طويلة بلا نهاية واضحة.
وعليه، فإن المسار الأكثر ترجيحا في المدى القريب هو استمرار المراوحة بين مفاوضات غير حاسمة وتهديدات عسكرية متبادلة، مع بقاء مضيق هرمز والملف النووي والحصار البحري في قلب المساومة. أما الحل الحقيقي، فلن يكون ممكنا إلا إذا قبل الطرفان بتسوية متدرجة تعالج الأمن البحري والنووي والعقوبات والضمانات الأمنية ضمن إطار واحد. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الصراع مفتوحا على احتمالين كلاهما مكلف: انفجار عسكري جديد، أو جمود طويل يستنزف الجميع.