فانس وقاليباف وجها لوجه.. طموح رئاسي وتشدد برغماتي

شبكة النبأ

2026-04-12 04:25

تدخل المحادثات الأمريكية الإيرانية التي تستضيفها إسلام آباد مرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط لأنها تمثل أعلى مستوى من الاتصال السياسي بين الطرفين منذ سنوات، بل أيضا لأنها تضع شخصيتين مركزيتين في قلب المشهد: نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. وفي حين تبدو المفاوضات من حيث الشكل محاولة لإنهاء حرب استمرت أسابيع واحتواء تداعياتها الإقليمية والاقتصادية، فإنها من حيث المضمون تشكل اختبارا شخصيا وسياسيا مباشرا للرجلين، كل من موقعه، وكل منهما يدخل القاعة حاملا رهانات تتجاوز ملف الهدنة إلى مستقبله داخل نظامه السياسي. 

من الجانب الأمريكي، يبرز فانس بوصفه مسؤولا منتخبا رفيع المستوى يتمتع بثقل سياسي يفوق ثقل المبعوثين والمستشارين غير المنتخبين، وقد رأت طهران، بحسب ما ورد في النص، أن سمعته السابقة كأحد الأصوات الأكثر تحفظا تجاه الحرب داخل الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب قد تجعله أكثر ميلا إلى تسوية تفاوضية جدية. أما من الجانب الإيراني، فقد تقدم قاليباف إلى الواجهة بوصفه أحد آخر مراكز الثقل المتبقية داخل البنية العليا للنظام بعد موجة الاستهدافات التي أصابت القيادة الإيرانية، وبات يجمع بين خلفيته الأمنية وصلاته المؤسسية وموقعه السياسي، ما يجعله مرشحا طبيعيا لتمثيل إيران في مفاوضات بهذا المستوى. 

السياق العام للمحادثات

تأتي محادثات إسلام آباد بعد حرب بدأت في 28 فبراير/شباط، وتداخلت فيها الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وردود إيرانية مباشرة وغير مباشرة، ثم هدنة مؤقتة توسطت فيها باكستان. غير أن هذه الهدنة لم تعن نهاية أسباب الصراع، إذ بقيت ملفات كبرى عالقة، أبرزها: مستقبل تخصيب اليورانيوم، البرنامج الصاروخي الإيراني، وضع مضيق هرمز، مصير العقوبات، وتعقيدات الحرب الموازية في لبنان. وبذلك فإن التفاوض لا يجري على وقف إطلاق نار فحسب، بل على شكل التوازن الجديد في الإقليم، وعلى حدود ما تستطيع واشنطن فرضه وما تستطيع طهران انتزاعه. 

وفي هذا المناخ، لا تبدو المواقف متقاربة. فواشنطن تتمسك، وفق النص، برفض استمرار تخصيب اليورانيوم، بينما لا تبدي إيران استعدادا علنيا للتخلي عن برنامجها النووي، كما تعتبر ترسانتها الصاروخية غير قابلة للتفاوض. وفي المقابل، تطالب طهران برفع العقوبات، ووقف الحرب على الجبهات المرتبطة بها، وخصوصا في لبنان، كما تسعى إلى تثبيت دورها في مضيق هرمز والحصول على تعويضات وإعادة إعمار. هذا التباعد يجعل الاجتماع بين فانس وقاليباف أقرب إلى امتحان لإدارة التناقض لا إلى تفاوض بين أرضيتين متقاربتين. 

لماذا فانس؟ ولماذا قاليباف؟

اختيار جيه دي فانس لقيادة الوفد الأمريكي ليس تفصيلا بروتوكوليا. فوجوده يحقق رغبة كانت لدى بعض الدوائر الإيرانية، التي رأت فيه شخصية أقل اندفاعا نحو الحرب وأكثر قابلية للتعامل بحسن نية مقارنة بغيره من المقربين من ترامب. كما أن فانس، بحكم موقعه كنائب للرئيس، يمتلك ثقلا رمزيا وسياسيا أكبر من ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر، اللذين تنظر إليهما القيادة الإيرانية بعين الريبة نتيجة تجارب تفاوضية سابقة انتهت إلى ضربات أمريكية. بهذا المعنى، فإن حضوره يرسل إشارة بأن واشنطن أو على الأقل ترامب نفسه مستعدة لرفع مستوى التمثيل السياسي في التفاوض، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادا لتليين الشروط الأساسية. 

أما قاليباف، فيمثل في المقابل شخصية ذات تركيب معقد. فهو رجل نظام بامتياز: قائد سابق في الحرس الثوري، ورئيس شرطة سابق، ورئيس بلدية طهران السابق، ورئيس البرلمان الحالي، ومرشح رئاسي سابق، ومقرب من مراكز القرار العليا. لكنه في الوقت نفسه حاول عبر مسيرته تقديم نفسه بوصفه شخصية تنفيذية وبراغماتية قادرة على الجمع بين الصلابة الأيديولوجية والمرونة العملية. هذه الثنائية بالذات هي ما تجعله، في نظر بعض دوائر البيت الأبيض بحسب النص، محاورا مفضلا، لأنه قد يكون مستعدا لاتفاق إن رأى فيه مصلحة للنظام وبقاءه. 

هكذا يدخل الطرفان المحادثات وفي ذهن كل جانب أن ممثله قد يكون الشخص الأنسب لاختبار الطرف الآخر: إيران ترى في فانس شخصية سياسية ذات وزن، وواشنطن ترى في قاليباف رجلا قد يجمع بين القدرة على اتخاذ القرار والمرونة عند الحاجة. ومن هنا تصبح المواجهة بينهما وجها لوجه أكثر من مجرد لقاء تفاوضي؛ إنها مواجهة بين قراءتين سياسيتين متبادلتين حول من هو الأقدر على إنتاج صفقة. 

فانس في مواجهة قاليباف: صورتان متقابلتان

على المستوى الشخصي والسياسي، يحمل كل من فانس وقاليباف سيرة مختلفة تماما، لكنهما يلتقيان في نقطة مهمة: كلاهما يحاول استثمار هذه اللحظة التفاوضية لإعادة تعريف موقعه داخل السلطة.

فانس سياسي أمريكي شاب نسبيا، في الحادية والأربعين، بنى جزءا كبيرا من رصيده على نقد التدخلات الخارجية والدعوة إلى تجنب الحروب الجديدة. خدم في مشاة البحرية خلال حرب العراق، ما أضفى على موقفه من الحروب مسحة واقعية وشخصية. لكن الحرب على إيران وضعته في مأزق واضح: هو لم يكن من دعاة الحرب، إلا أنه وجد نفسه لاحقا في موقع من يقود مفاوضات إنهائها باسم إدارة أطلقتها. لذلك فهو يتقدم إلى التفاوض مثقلا بمفارقة سياسية: إن نجح، بدا كرجل دولة قادر على تحويل الحرب إلى تسوية؛ وإن فشل، فقد يتحول إلى الواجهة المدنية لحرب لم يكن راغبا فيها أصلا. 

في المقابل، يأتي قاليباف من داخل البنية الصلبة للجمهورية الإسلامية. تاريخه مرتبط بالأجهزة الأمنية والعسكرية، وبقمع احتجاجات داخلية، وبمواقف خطابية شديدة العداء للولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، ولكنه بصفته سياسيا يدرك ضرورات التكيف، وصاحب طموح طويل إلى الرئاسة، وخبرة مؤسسية عميقة، وقدرة على التحرك بين النخب السياسية والأمنية والدينية. وبسبب الفراغات التي خلفتها الحرب داخل القيادة الإيرانية، ازداد وزنه بوصفه حلقة وصل محورية بين مراكز القوى. لهذا، فإن دخوله المحادثات لا يعكس فقط تكليفا تفاوضيا، بل يعكس أيضا صعودا في المكانة داخل النظام. 

من هنا يمكن القول إن فانس وقاليباف لا يتواجهان فقط باعتبارهما رئيسي وفدين، بل باعتبارهما مشروعَي زعامة داخل نظامين متخاصمين:

فانس يتفاوض على ما بعد الحرب، وربما على ما بعد ترامب.

وقاليباف يتفاوض على تثبيت موقعه في إيران ما بعد الاستنزاف والضربات وإعادة ترتيب مراكز النفوذ. 

ما الذي يريده كل طرف من الآخر؟

يريد فانس من المفاوضات، في الحد الأدنى، وقف النزيف السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تسببت به الحرب. فإدارة ترامب تسعى إلى مخرج من حرب لا تحظى بشعبية، قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي. كما أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، حتى بصورة غير كاملة، يفاقم كلفة الحرب عالميا ويضغط على الاقتصاد والأسعار. لذلك فإن فانس معني بتحقيق نتيجة يمكن تسويقها داخليا على أنها نجاح أمريكي: إعادة فتح المضيق، تثبيت تهدئة قابلة للاستمرار، وربما فرض قيود على بعض عناصر القوة الإيرانية من دون العودة إلى حرب مفتوحة. 

أما قاليباف، فيريد من التفاوض حماية ما تبقى من موقع إيران الإقليمي والاستراتيجي، وانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والميدانية والاقتصادية. فطهران تريد رفع العقوبات، والاعتراف بنفوذها في مضيق هرمز، وربط أي ترتيبات أوسع بملف لبنان، إضافة إلى التعويض عن أضرار الحرب. بالنسبة لقاليباف، فإن أي اتفاق لا يحفظ الحد الأدنى من الكرامة السياسية للنظام ولا يظهر إيران كطرف صمد وفرض شروطا، سيكون مكلفا داخليا. ولذلك فإن مهمته ليست مجرد تخفيف الخسائر، بل إعادة تقديم التراجع -إن حصل- في صورة إنجاز. 

سيناريو النجاح وتأثيره على مستقبل فانس

إذا نجحت المحادثات وخرج فانس باتفاق مقبول أمريكيا، فإن الرابح الأول على المستوى الشخصي سيكون هو نفسه. فهو أحد الأسماء المطروحة بقوة لانتخابات الرئاسة عن الحزب الجمهوري في 2028. وعليه، فإن قيادته الناجحة لمفاوضات بهذا الحجم ستمنحه أوراقا نادرة: خبرة تفاوضية على مستوى دولي، صورة رجل دولة قادر على إدارة الأزمات، وقدرة على تحويل خطابه المناهض للحروب إلى إنجاز عملي لا إلى مجرد موقف نظري. 

نجاح فانس سيعني أيضا أنه استطاع التوفيق بين جناحين داخل اليمين الأمريكي: جناح القوة الذي لا يريد أن تبدو واشنطن متراجعة، وجناح الانكفاء أو الحذر من الحروب الطويلة الذي يميل إليه جزء من التيار الترامبي. فإذا أبرم اتفاقا يوقف الحرب من دون أن يبدو استسلاما، فسيستطيع القول إنه أنجز ما عجز عنه المبعوثون التقليديون، وحمى المصالح الأمريكية من دون الغرق في مستنقع جديد. وهذا النوع من الإنجازات يمنح أي نائب رئيس، خصوصا في سنه وطموحه، قيمة إضافية في معادلات الخلافة داخل الحزب الجمهوري. 

إلى جانب ذلك، فإن نجاحه سيعزز صورته في مواجهة منافسين محتملين مثل ماركو روبيو. فبدلا من أن يبقى تابعا في ظل مناصب أقوى شكليا داخل الإدارة، سيظهر باعتباره الرجل الذي أسند إليه ترامب أصعب ملف خارجي ونجح فيه. وهذا قد يحوله من مجرد وريث محتمل لترامب إلى صاحب سجل مستقل يمكن البناء عليه انتخابيا. 

سيناريو الفشل وتأثيره على مستقبل فانس

لكن المخاطر على فانس لا تقل عن المكاسب المحتملة. ففشل المحادثات أو إطالتها بلا نتيجة قد يربط اسمه بحرب مكلفة بشريا واقتصاديا. وإذا انهارت المفاوضات وعادت الضربات أو اتسعت الحرب، فسيكون من السهل تصويره بوصفه الرجل الذي أُرسل لإنهاء الأزمة فعجز، أو الأسوأ: الرجل الذي منح الحرب غطاء تفاوضيا قبل انفجارها مجددا. 

هذا السيناريو يهدد أساس صورته السياسية. ففانس لم يصعد بوصفه صقرا حربيا تقليديا، بل كسياسي يحذر من التدخلات الخارجية ومن الانخراط في نزاعات تستنزف الولايات المتحدة. وإذا تحول فجأة إلى “الوجه الأبرز للحرب”، فإن ذلك قد يخلق تناقضا مدمرًا بين خطابه السابق ودوره الفعلي. وعندها قد يفقد ميزة التمايز التي بناها داخل التيار المحافظ. 

كما أن الفشل سيعيد فتح ملف الكفاءة السياسية. إذ إن مجرد تكليفه بالمهمة يرفعه إلى مرتبة اختبار لا يحتمل الأعذار. فإذا انتهت الجولة من دون مخرج، أو إذا قدم تنازلات لم ترض الداخل الأمريكي، أو إذا بدا خاضعا لشروط إيرانية، فسيواجه طعنا مزدوجا: من خصومه الذين سيشككون بصلابته، ومن منافسيه داخل الحزب الذين سيشككون بكفاءته. لذلك فإن هذه المفاوضات بالنسبة إليه ليست فرصة فقط، بل مخاطرة وجودية على مستوى مشروعه الرئاسي. 

سيناريو النجاح وتأثيره على مستقبل قاليباف

أما بالنسبة إلى محمد باقر قاليباف، فإن نجاح المحادثات يحمل معنى مختلفا لكنه لا يقل أهمية. نجاحه لا يقاس فقط بإنهاء القتال، بل بقدرته على الخروج من التفاوض بمكاسب يمكن تقديمها داخل إيران باعتبارها ثمرة للصمود، لا نتيجة للهزيمة. فإذا تمكن من تثبيت رفع للعقوبات، أو انتزاع اعتراف جزئي بمصالح إيران، أو تحقيق تهدئة تشمل ساحات مرتبطة بطهران، فسيعزز صورته كشخصية قادرة على حماية النظام في لحظة ضعف شديد. 

هذا النجاح قد يحوله من مجرد رئيس برلمان قوي إلى رجل دولة من الصف الأول في مرحلة إعادة ترتيب الداخل الإيراني. فقد أصبح حلقة وصل رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية. وإذا نجح في إدارة التفاوض مع واشنطن من موقع الند، فسيضيف إلى رصيده الأمني والتنفيذي بعدا استراتيجيا جديدا: القدرة على إدارة أخطر ملف خارجي في مرحلة دقيقة. ومثل هذا الدور يرفع أسهمه في أي تنافس مستقبلي على موقع أعلى داخل هرم السلطة الإيرانية، سواء في الإطار التنفيذي أو في معادلات النفوذ داخل المؤسسة الحاكمة. 

كذلك فإن النجاح سيمكنه من إعادة صياغة صورته القديمة. فقاليباف لطالما ارتبط اسمه بالقمع والتشدد والانتماء العميق إلى المنظومة الأمنية، لكن اتفاقا ناجحا قد يرسخ الوجه الآخر الذي حاول أن يقدمه لنفسه: رجل براغماتي، عملي، وقادر على تحويل الشعارات إلى نتائج. وفي بلد يعيش صدمة الحرب والاغتيالات وإعادة التموضع، قد تكون هذه الصفة مطلوبة بقوة. 

سيناريو الفشل وتأثيره على مستقبل قاليباف

في المقابل، فإن الفشل قد يكون شديد الكلفة على قاليباف أيضا، وإن كان بطبيعة مختلفة عن كلفته على فانس. فإذا انهارت المفاوضات، أو خرجت إيران منها من دون مكاسب ملموسة، أو بدا أن قاليباف قبل بإطار لا يحفظ الثوابت المعلنة، فإنه سيصبح عرضة لانتقادات من داخل التيار المتشدد ومن دوائر أوسع داخل النظام ترى أن التفاوض لم يحقق ما يبرر خوضه. 

وفوق ذلك، فإن قاليباف لا يتحرك في فضاء سياسي مفتوح يسمح بفشل شخصي معزول. هو يمثل جزءا من بنية النظام في لحظة حساسة للغاية، ومع صعوده باعتباره واحدا من أهم مراكز الثقل الباقية، فإن أي تعثر قد ينعكس مباشرة على وزنه داخل التوازنات الداخلية. وإذا فشلت المفاوضات وتبعتها جولة تصعيد جديدة أو تعمقت الأزمة الاقتصادية، فقد يُنظر إليه بوصفه الرجل الذي لم ينجح لا في الردع الكامل ولا في جني ثمار التفاوض. عندها قد تتقدم قوى أخرى لتحد من صعوده أو تعيد توزيع الأدوار على حسابه. 

كما أن الفشل قد يضر بمحاولته القديمة للظهور كرجل براغماتي. فخصوم هذا الخط داخل إيران يمكن أن يستغلوا أي تعثر ليقولوا إن المرونة تجاه واشنطن لم تؤد إلا إلى مزيد من الضغط، وأن المدرسة الأمنية الصلبة هي الخيار الوحيد. لذلك فإن قاليباف، مثل فانس، لا يفاوض فقط من أجل الملف القائم، بل أيضا من أجل تثبيت سردية عن نفسه: هل هو رجل حسم سياسي يحمي النظام ويعرف متى يتشدد ومتى يساوم، أم مجرد مسؤول بارز جرب حظه في لحظة سيولة تاريخية ولم ينجح؟ 

بين “الفرصة” و”الكأس المسمومة”

المهمة قد تكون فرصة أو “كأسا مسمومة” بالنسبة إلى فانس، وهذا الوصف يمكن توسيعه ليشمل قاليباف أيضا. فالرجلان حصلا على مكانة تفاوضية متقدمة لأن اللحظة خطرة، لا لأنها مستقرة. وكلما ارتفع المستوى السياسي للمفاوض، ارتفع معه احتمال أن يجني ثمار النجاح أو يتحمل وزر الفشل. 

فانس يدخل القاعة وهو يحمل وعود الدبلوماسية وحدود القوة الأمريكية وحسابات الداخل الانتخابي.

وقاليباف يدخلها وهو يحمل بقايا التماسك الإيراني، ومطالب المؤسسة، وضرورات حفظ ماء الوجه، وطموحه الشخصي في نظام لا يمنح الصعود بسهولة.

ولذلك فإن التفاوض بينهما لا يدور فقط حول البنود، بل حول من يستطيع أن يخرج من الحرب بسردية انتصار قابلة للتصديق. 

خلاصة تقييمية

تظهر محادثات إسلام آباد، بوصفها أكثر من مجرد جولة سلام؛ إنها لحظة تقاطع بين الملفات الاستراتيجية والمسارات الشخصية. جيه دي فانس ومحمد باقر قاليباف يلتقيان وجها لوجه في لحظة نادرة يكون فيها التفاوض امتدادا مباشرا لمعركة المكانة السياسية. كلاهما ليس مجرد مبعوث، بل مشروع لاعب أكبر داخل نظامه. وكلاهما يمكن أن يخرج من هذه الجولة أكثر قوة أو أكثر هشاشة. 

إذا نجح فانس، فقد يقترب خطوة كبيرة من تثبيت نفسه وريثا جديا لتيار ترامب وصاحب أهلية رئاسية مستقلة. وإذا فشل، فقد يتحول من ناقد للحروب إلى رمز لفشل إدارتها.

وإذا نجح قاليباف، فقد يرسخ نفسه كأحد أهم رجال الدولة في إيران ما بعد الحرب والاستنزاف. وإذا فشل، فقد تتراجع فرصه في التحول من رجل مؤسسة نافذ إلى رجل مرحلة. 

وبين هذين الاحتمالين، تبقى الحقيقة الأساسية أن نجاح أو فشل المحادثات لن يحدد فقط شكل الهدنة أو مصير بعض الملفات الساخنة، بل قد يعيد أيضا رسم مستقبل رجلين يفاوض كل منهما الآخر، وفي الوقت نفسه يفاوض على موقعه في التاريخ السياسي لبلاده.

ذات صلة

ماذا لو طبَّقنا أخلاق الإمام الصَّادق (ع) في حياتنا؟جيل زد في العراق: قوة ناشئة في ظل أزمات إدارية واقتصاديةباكستان من دولة منبوذة الى واجهة المشهد الإقليميالصبر مفتاح النجاة: قراءة أخلاقية روائية وتحليل نفسي في بناء الشخصية المؤمنةالقضاء بين الحق والعدل في ضوء القرآن الكريم