تمكين البنية الاجتماعية برابطة المحبة
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-05-14 04:21
(الجار المؤمن هو الجار الذي يحبّ لجاره ما يحبه لنفسه) المرجع الشيرازي
البنية الاجتماعية تتماسك وتقوى وتنمو بصورة صحيحة تبعا لمتانة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وقوة العلاقات الاجتماعية تتأتى من القيم السليمة التي تحفظ هذه العلاقات بين الناس وتجعلها تمضي في المسار الصحيح، ولعل أهم هذه القيم التي تساعد على تمتين العلاقات الاجتماعية هي رابطة المحبة التي تربط فيما بين البشر.
لهذا ينصح العلماء والمفكرون المصلحون بنشر المحبة بين الناس حتى تساعد على تكوين روابط اجتماعية متماسكة، وتؤدي إلى تمكين الأفراد على تمتين العلاقات الاجتماعية القائمة فيما بينهم، والتي تساعد في إدارة حياتهم بالصيغ الصحيحة، وبالأساليب التي تراعي الحقوق بشكل متبادَل وذلك من خلال نشر المحبة بين أفراد ومكونات المجتمع، لكي تغدو البنية الاجتماعية في أفضل حالتها، وتنتظم حياة المجتمع في إطار المحبة.
ونظرا لأهمية متانة البنية الاجتماعية ودورها الكبير في تمكين المجتمع على العيش السوي والسليم، فقد ركز الأنبياء والأولياء والمصلحون على أهمية المحبة ونكران الذات وعدم تفضيل الإنسان لنفسه على غيره من البشر، ولهذا جاء في الحديث النبوي الشريف: (أَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ)، بمعنى عليك أيها الإنسان أن تحب الخير للآخرين كما تحبه لنفسك.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في المحاضرة الموسومة بالمحبة:
(الزوج المؤمن هو الذي يحب لزوجته كلَّ ما يحبه لنفسه، وأما الزوجة المؤمنة فهي التي تحب لزوجها كلّ ما تحبه لنفسها، وإن لم تكن كذلك فإن الإيمان مسلوب عنها، بمقدار الدرجة الرفيعة).
أفضل الأسر أكثرها محبة
الزوج والزوجة تربط بينهما علاقة مصيرية، يجب أن تقوم على المحبة المتبادلة، ولا يصح للزوج أو الزوج أن يفضل أحدهما نفسه على الآخر، بل يحب له ما يحب لنفسه، وهذه حالة اجتماعية كفيلة ببناء أفضل الأسر التي غالبا منا تتحلى بصفات الناجحين المتميزين، لأن الأبوان المتحابان سوف تنعكس محبتهما على أطفالهما، وتغدو الأسرة في أفضل حالاتها.
لهذا هناك تركيز من الرسول صلى الله عليه وآله على قضية المحبة المتبادلة، فلا يجوز للزوج أن لا يحب الخير لزوجته وبالعكس، ولا يجوز للأخ أن لا يحب الخير لأخيه وبالعكس، ولا يجوز للأب أن لا يحب الخير لابنه وبالعكس وهكذا مع الجميع، ولو أننا تصورنا وجود هذه الرابطة بشكل شامل وحقيقي بين الناس فهذا يعني أن البنية الاجتماعية تكون أفضل وأقوى ما يمكن أن يكون عليه المجتمع في جانب العلاقات الاجتماعية الناجحة.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
وهذا ينطبق أيضاً على (علاقة الأخ مع الأخ، والوالدين مع أبنائهما، والأقرباء مع بعضهم البعض والجيران مع جيرانهم وهكذا).
وإذا انخرطنا في عملية الخوض بطبيعة علاقة الجار بجاره، فإنها لن تختلف عن طبعة العلاقة بين الزوج والزوجة وبين الأخ وأخيه والأب وابنه وبين الجميع، فإن الجار الي يحب لجاره كما يحب لنفسه، هذا يعني أنه بلغ قمة النبل والسمو على شهوات التفضيل والتملك والاستحواذ، لأنه هناك من يريد كل شيء لنفسه وليذهب الآخرون إلى أتعس الحالات.
المهم هو يحصل على ما يريده، أما هل يحصل الآخرون على ما يحسن حياتهم، فهذا لا يعنيه في شيء، وهذه حالة من الأنانية لا تليق بالمؤمن، بل لا تليق بكل إنسان، وهذا النوع من الاستفراد بالأشياء وتملّكها له فقط، يذكرنا بقول الشاعر:
(إذا متُ ظمآنا فلا نزل القطرً)، بمعنى هذا الشخص لا يتمنى الخير لغيره إذا مُنع عنه الخير أو لم يحصل عليه، ويكون ساخطا وناقما على الآخرين، بينما إذا أحب الشخص الخير لغيره، سوف يفوز بمرات عالية وشعور لا مثيل له، منه شعوره بالفخر والاحترام لنفسه وبحصوله على السلام الداخلي واحترام الذات، بالإضافة إلى احترام ومحبة الجميع له، لهذا على الجار أن يحب الخير لجاره مثلما يحبه لنفسه ولأسرته.
كما يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(الجار المؤمن هو الجار الذي يحبّ لجاره ما يحبه لنفسه، من دين ومن دنيا ومن رفاه ومن راحة ومن خير ومن مال، فإذا أحبّ لجاره ما يحبه لنفسه يكون مؤمناً وإلا فلايكون مؤمناً بهذه الدرجة الرفيعة).
حماية الحقوق بجهود متبادَلة
الأمر نفسه ينطبق على الشريكين، أي شريكين في الحياة، سواء كانا متشاركين في (أسرة) أو في مشروع عمل، أو في أي مشروع آخر، فعليهما أن يحبان الخير أحدهما للآخر وبشكل متبادل، حتى يكون النجاح والتميّز من نصيبهما، فإن أحسن الزوج لزوجته وتقاسم مع الحب والاحترام بشكل متبادل، هذا ينتج أسرة قائمة على الخير والمحبة والاحترام.
وينطبق هذا على المتشاركين في العمل، فلا يجوز لطرف أن يميل إلى الراحة ويلقي بمتاعب العمل والأشغال على الطرف الشريك معه، ها يعني نوعا من تفضيل الذات غير المسموح به لأنه لا يجدي نفعا وسوف ينتهي بالعمل إلى الفشل والخراب، حتى في مجال تحصيل الكرامة والمكانة والمقام العالي، لا يصح أن تطلب هذا لنفسك ولا تسعى به للآخرين.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(وهكذا الأمر بالنسبة للشريكين، سواء كانوا شركاء في العمل أو التجارة أو المسكن، أو شركاء في أي شيء آخر، فكل واحد منهما يحب للآخر ما يحبه لنفسه، فإذا كان يحبّ لنفسه الراحة؟ فعليه أن يحب ذلك للآخرين، وإن كان يحبّ لنفسه المقام الرفيع، فعليه أن يحب ذلك للباقين).
إن طريقة أو معادلة أن تحب لغيرك ما تحبه لنفسك، أشبه بقانون مهم في السلوك يضاعف من تمكين البنية الاجتماعية، ويجعل المجتمع في حالة وثوق سائدة في جميع العلاقات وفي مختلف المجالات، وبالتالي تمتين البنية الاجتماعية، وبالنتيجة فإن الزميل الذي يحب لزميله ما يحبه لنفسه يتحلى بنوع مثمر وصالح من الفكر والتصرّف معا.
المهم أن لا يفضّل نفسه على غيره، هذه هي القاعدة الأهم في تمكين البنية الاجتماعية ومضاعفة متانتها، والإنسان الذي يسلك هذا النوع من السلوك لابد أنه مؤمن، وعلى العكس من ذلك إذا أهمل أو حجب الخير عن زميله فهو ليس بمؤمن.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(وهكذا الحال مع بقية الزملاء في السفر الذين جمعتهم سيارة أو طائرة أو باخرة أو جمعهما مسجد أو مجلس، إذا كان كلاً منهم يحب للآخر ما يحبه لنفسه، سيكون ذلك المرء مؤمناً، وإن لم يكن كذلك يكون الإيمان مسلوبا عنه).
وإذا أردنا قدوة ومثالا لنا حول هذا السلوك (أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك) سوف نجد في أهل البيت عليهم السلام خير مثال، فقد كانوا عليهم السلام يحبون الخير لجميع المؤمنين، ولا فرق عندهم بين مؤمن له مكانة وآخر مرتبته أقل، فالجميع سواسية من حيث الأحقية بالخير، وهذا ما تثبته سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي:
(الأئمة عليهم السلام هم أفضل مصداق ومثال لمضمون هذا الحديث: (أَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) فهم أفضل مثال للمواساة والإيثار، ليس فقط مع بعضهم البعض، بل كانوا كذلك مع أدنى المؤمنين وأقلّهم مرتبة).
بالنتيجة لابد من القول بأن الغاية من نشر المحبة بين الناس، واعتماد (منهج حب الخير للآخرين كما أحب لنفسي)، سوف يساعد على بناء مجتمع متوازن متعاون متكامل، تسمو فيه قيم الفضيلة، وتسوده الألفة، وتُصان فيه الحقوق كافة بصورة متبادلة، وستكون النتيجة صناعة بنية اجتماعية رصينة وقوية تتميز بها المجتمعان المتحابّة المتعاونة والمستقرة.