الاحتدام بين قلب الإنسان ونفسه

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

شبكة النبأ

2026-05-07 03:49

(القلب الطاهر هو القلب الذي يمتلئ حبّاً وحناناً ولا مجال فيه للكراهية)

سماحة المرجع الشيرازي

كل شيء في الطبيعة وفي الكون كله يقوم على التوازن الذي هو سمة أو صفة تكوينية وضعها الله تعالى في مخلوقاته البشرية وغيرها، فهنالك كما هو معلوم الشمس في مقابل القمر، وهنالك السماء في مقابل الأرض، وهنالك الليل في مقابل النهار، ويخضع الإنسان تكوينيا لحالة التوازن هذه، فهنالك الثنائيات المتقابلة فيه أيضا.

ولو أننا أتينا إلى القلب، وتفحصناه وحاولنا أن نسبر أغواره، فهو من الناحية الفسيولوجية مضخة لدفع مئات بل آلاف اللترات من الدم عبر شبكة الشرايين التي تتوزع الجسد، ولكن هذه المضخة التي تعتمد عليها حياة الإنسان في البقاء، لها وظائف أخرى، تتعلق بسلوك الإنسان وحتى مشاعره، لهذا كلما كان قلب الإنسان نظيفا يكون مسالما ونافعا لنفسه ولغيره.

ولعل الشيء الأهم أو الصفة الأقوى والأفضل التي يجب أن لا يحتويها القلب هي الكراهية، أي أنه لابد أن يكون نظيفا وخاليا من كره الآخرين، حتى يعيش نافعا للناس ومنتفعا منهم، أما كيف يمكن أن يصبح قلب الإنسان طاهرا نقيا ونظيفا، فهذا يتبع أمورا كثيرة، ولكن أهم نقطة تخص هذا الموضوع، هي أن القلب يمكن أن يكون مسالما خاليا من البغضاء عبر الاكتساب والتدريب والتلقين وإصرار الإنسان على أن يبقى قلبه صافيا.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة، في محاضرة (طهارة القلب):

(القلب الطاهر ليس ذاتياً في الإنسان وإنما هو أمر اكتسابي ينشأ بالتلقين وبالعزم والمواصلة، فيحصل الإنسان بذلك على القلب الطاهر). 

وفي هذا الصدد، يمكن لأي إنسان أن يجعل من قلبه طاهرا، وذلك بالاستفادة من النماذج المشهود لها بامتلاكها للقلوب النافعة، النظيفة، الطاهرة، ومنها مثالا، قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله، فهو قلب طاهر خالٍ من الكراهية حتى تجاه الأعداء، بمعنى إن هذا النوع من القلوب، لا يكره أحدا مطلقا، فمن لا يكره عدوّه من المحال أن يكره أناسا آخرين حياديين أو مؤيدين ومساندين له، وهذا الأمر مثبت من خلال طبيعة السلوك الذي يبديه الإنسان.

القلب الشريف لا يظلم الآخرين

فالنبي صلى الله عليه وآله تعرّض في حياته، وخصوصا في بعثته النبوية أثناء المرحلة السرية منها والعلنية، وجميع الذين وقفوا ضده وحاربوه هم أفراد (من قومه قريش)، وألحقوا به الأذى الحاد هو والمجموعة القليلة التي آمنت بنبوته في بدايتها، ومع ذلك هذا القلب النبوي العظيم لم يواجه من آذاه بأي أذى مقابل، وهو قادر على ذلك، بل تم الصفح والعفو عمّن حاصروا النبي وحاربوه لأكثر من عقدين وحين فُتحت مكة وتم أسر المعادين قيلت لهم تلك المقولة الشهيرة (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وهذا هو القلب الطاهر شكلا وجوهرا.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: 

(رغم المظالم التي وقعت على الرسول صلى الله عليه وآله، كان يحمل أطهر قلب بين الناس، فلم يكن قلبه الشريف يتحمّل أن يرى ظلامة تحلّ بعدو أو صديق ولم يك يتحمّل سماع أنين أسير، بل كان ينتظر الصباح حتى يطلق سراحه مقابل تعليم المسلمين القراءة والكتابة).

ولكن متى يمكن أن يظهر أثر القلب على غيره من الناس، إن الإنسان مجبول على الاجتماع، فهو لا يحب العيش وحيدا، بل غالبا يميل إلى العيش الجمعي مع الآخرين، وكنتيجة حتمية لهذا التجمع أو الاجتماع، سواء في السكن أو العمل أو الدراسة أو لأي سبب آخر، سوف تظهر نتائج قلوب الناس تجاه بعضهم بشكل متبادَل.

هناك سمة أو صفة أو ميزة نافعة يحصل عليها حامل القلب الطاهر، فهو نتيجة لاحتكاك الآخرين به (أهل، أثارب، أصدقاء، زملاء وغيرهم)، قد تحدث له مشكلة من بعضهم لأي سبب كان، فكما نعلم هناك أناس يتزاحمون مع الآخرين على الفوز أو الاستحواذ، وإذا كان الفوز أو التفوق مشروعا لا مشكلة في ذلك، ولكن هناك تفوّق يحصل بالأساليب المخادعة والغش.

هنا سوف يظهر أثر القلب الطاهر حينما يدعو الله تعالى فيستجيب له، ويحميه، ويخلصه ممن يسعى لإيذائه أو إلحاق الضرر به، ويكفي صاحب القلب الطاهر أن يتضرّع إلى الله تعالى طالبا الخلاص أو الحماية، فإنه سبحانه يستجيب له ويحقق طلبه بسبب طهارة قلبه ونظافته، فيكون في مأمن من أي أذى بمساعده قلبه الطاهر النظيف.

كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي في قوله:

(القلب الطاهر يظهر أثره عندما يصاب الإنسان بمشكلة مع من يعيشون معه سواء كانوا من أقربائه أو زملائه أو عائلته أو آخرين. فالإنسان الذي يكون قلبه طاهراً عندما يسأل الله تعالى يستجيب له الله دعاءه).

الفوز بالتوفيق الإلهي العظيم

لهذا السلب مطلوب من كل إنسان أن يربّي قلبه على النقاء والصفاء والطهر، فهذه الصفات إذا تحصّل عليها وتميز القلب بها، فإنه سوف يرتقي إلى مصاف الفائزين الناجحين دائما وأبدا، لهذا يجب على كل إنسان أن يربي قلبه على كل شيء حسن، ويمحو منه الأحقاد، ويبعد عنه سواد البغضاء، ويجلي عنه كل العادات والمشاعر السلبية المؤذية.

على كل إنسان أن يصمم على تنظيف قلبه وتطهيره، عبر اتخاذه العديد من الخطوات، منها أن يسعى لمعرفة صفات القلب الطاهر، والنتائج الإيجابية التي تنجلي عن ذلك، وعليه أن يتمكن من التفريق بين القلب الطاهر ونقيضه، حتى يكون قادرا ومتمكنا من تجنب القلب غير الطاهر والابتعاد عنه، وحماية نفسه من هذا النوع الخطير من القلوب.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول: 

(على الإنسان أن يربّي قلبه على الطهارة ويحاول في تحقيق هذا الهدف، فإذا عزم الإنسان ولقّن نفسه في ذلك وراقب ولاحظ موارد القلب الطاهر عن القلب غير الطاهر فإنّه سوف يوفق شيئاً فشيئاً).

ليس هذا فحسب، بل يمتد الأمر إلى النفس أيضا، بمعنى لا ينبغي أن يكتفي الإنسان بتطهير قلبه ومحو الكراهية منه، وإنما عليه أن يربي نفسه أفضل تربية، وأن يجعلها مصانة من الانحرافات بكل أشكالها، وطالما تمكن الإنسان من صيانة نفسه وحمايتها وتربيتها بالشكل الصحيح، فإن الله تعالى سوف يساعده على أن يكون ذا قلب طاهر وذا نفس زكية.

وإذا اجتمع في الإنسان القلب الطاهر والنفس المزكّاة، فإنه سوف يقطف ثمار عمله وجهده هذا، وسوف يصبح من الموفقين بعد أن يصل إلى أعلى مراتب الارتقاء بالنفس والقلب، ولكن هذه النتيجة (الممكنة)، لا يصل إليها الإنسان إلا بعد أن يقدم الكثير الكثير من الجهد والتعب والإصرار على أن يمتلك قلبا طاهرا ونفسا زكية.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: 

(كذلك على الإنسان أن يقوم بتربية نفسه وتزكيتها من الموبقات التي تشوب القلب حتى يوفّقه الله لما خلقه من أجله في الحياة الدنيا. فمن دون تحصيل القلب الطاهر لا يستطيع الإنسان أن يرتقي إلى المراتب الرفيعة التي تجعله في مستوى الأفراد الموفّقين في الدنيا).

إذن هناك نوع من التضاد بين قلب الإنسان ونفسه، حيث الأخيرة لها رغائب وطلبات وشهوات منها ليست مشروعة، ومحرّمة، في حين يندفع القلب إلى الطهارة وتجويد النفس وتربيتها بالصالح والجميل، لذا هناك نوع من الاحتدام في دواخل كل شخص، عليه أن يتنبّه لها ويقف إلى جانب قلبه بعد أن يطهره حتى يمكنه الفوز بنفس زكية، ومن ثم الفوز بالتوفيق الإلهي العظيم.

ذات صلة

الخطوات 3–5 لكي تتغلب على المشاكل الصعبةالتديّن الظاهري والمتديّن الشكلي.. بين الخطاب والواقعالبيروقراطية بوصفها مدخلًا لفشل الدولة.. العراق نموذجًاالعدالة المناخيةلماذا الدعوة إلى حكومة الأغلبية المطلقة؟