حاجة الإنسان القصوى لليقين
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-04-23 02:24
(إذا تأمّل الإنسان في نفسه وعلِم تفاصيل بدنه وطريقة تركيبته سوف يجد الله تعالى في خلْقه) سماحة المرجع الشيرازي
حين يحلّ الإنسان كائنا على هذه الأرض، يستغربُ هذا المكان، بعد أن يغادر رحم الأم الدافئ الأمين، وحين يواجه الدنيا يطلق صرخته في اللحظة الأولى تعبير عن خوفه من فقدان المكان الآمن وانتقاله إلى مكان غريب يُشعرِه بالقلق، وبعد ذلك يتعرّف الإنسان على دنياه خطوة خطوة ويلازمه عدم اليقين فيبقى يبحث عن الشعور الآمن الذي يمنحه اليقين كي يتخلص من حالة الغربة والتيه التي تصاحبه من لحظة الولادة الأولى.
وهكذا يبقى في شرنقة الشك والريب، لكنه يستمر باحثا عن اليقين، حيث أُرسلتْ الرسل، ونزلت الأديان، وباشر العلماء والفلاسفة المصلحون في تدوين وإطلاق الأفكار التي تساعد البشرية على الإيمان واليقين، وتبقى تلازم الإنسان حالة الشك، فيتساءل ويبحث ويرغب أن يعرف كيف حلَّ على هذه الدنيا، لأن الطبيعة التكوينية للإنسان تجعله متعطشا للفهم باحثا عن الاستقرار واليقين، حتى من كان بدرجة الأنبياء.
فقد جاء في الآية الكريمة: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ) سورة البقرة، الآية 260. ويبقى الإنسان من لحظة نشوئه ينشد اليقين حتى يعرف الخالق، ولكن هناك العقل الذي يحمله معه، هو الذي يتصدى لهذه المهمة (مهمة تحصيل اليقين) من خلال المقارنة والاطلاع والبحث والاستنباط، وصولا إلى شواطئ الحقيقة والإيمان والسكينة والاطمئنان.
فكل الشواهد والأدلة تشير إلى وجود الخالد، وكل عمليات الاستنباط تسعى لإقناع الإنسان بانه مخلوق من لدن الخالق، وأن أتفه الأشياء وأصغرها وأبسطها في هذه الدنيا لها خالق وصانع حتى سلك الكهرباء الصغير الذي لا قيمة تكوينية له.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يناقش هذه الموضوعة في سلسلة نبراس المعرفة محاضرة التأمّل فيقول:
(إذا لم يصدّق العقل البشري وجود سلك كهربائي صغير وتافه أو سيّارة موجّهة من دون سائق من تلقاء نفسها تجوب المدينة من دون حادث، فكيف يصدّق أن يُخلَق النظام الكوني العظيم من دون خالق وبالمنظومات الشمسية والمجرّات الكبيرة والصغيرة؟ أم كيف يرضى العقل البشري بخلق البحار والمحيطات الضخمة وما تحتوي من كائنات بحرية؟).
وهنالك أيضا المنظومة الكونية التي تحيط بنا من كل حدب وصوب، نعيشها في كل لحظة، على مدار الساعة، ليلا ونهارا، السماء، المجرات، الكواكبـ وحتى صغار النجوم، كلها تسير في حركة دقيقة منتظمة متواصلة منضبطة، لا تتعرض لأي تأخير أو تعجيل، ولا لأي إبطاء أو تسريع، حركة متناسقة منضبطة لا تتعرض للعطب كونها تتحرك وتسير بأمر الخالق.
الحركة الأزلية للمنظومة الكونية
لذلك هل هناك مجال للشك في هذه الحركة الدقيقة المنضبطة والأزلية، وهذه الحركة الأبدية وبهذا الانضباط الدقيق والحاسم، تؤكّد بما لا يقبل الشك، بأن هنالك إرادة عظمى، هي التي تشرف وتتحكم وتحرك وتضبط هذه المنظومة الكونية، غير القابلة للإفلات مطلقا، إذاً ألا يكفي هذا أن يوقن الإنسان بأن هنالك خالق عظيم هو الذي خلق هذه المنظومة الكونية، وخلق معها كل شيء بدقة متناهية، محكومة بنظام الجاذبية، فهل يُعقل أنها من قبيل المصادفة؟
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(تسير المنظومة الكونية بدقّة متناهية بحيث لا تصطدم الشمس بكُرات أخرى ولا يصطدم القمر بكرات منظومته، فهناك جاذبية ضخمة هي التي تحفظ الأجرام السماوية الضخمة من الاصطدام، بعضها ببعض، فهل يعقل أن تكون الدقّة المتناهية بلا صانع؟ وأن تكون الجاذبية بحساباتها الدقيقة قد جاءت عن طريق الصدفة؟).
إن البحث في موضوع الخلق والخالق قد يساعد الإنسان من خلال عقله معلوماته وسعة اطلاعه على تحصيل اليقين بأسرع ما يمكن، ولكن ألا يجب على كل إنسان أن يطّلع أولا على القرائن والبراهين حتى يكون يقينه بالخالق أمرا محسوما ولا يخضع للتشكيك مطلقا؟
فمثلا توجد آلاف الشعيرات في جسم الإنسان، سواء شعر الرأس أو الشعيرات التي تنبت وتنمو في مختلف مساحة جسد الإنسان، وهل يعرف هذا الإنسان بأن هذه الشعيرات لا تتشابه مع بعضها مطلقا حتى لو كانت نابتة بجوار بعضه، أو قريبة جدا من بعضها البعض؟، وهذا ينطبق على كل إنسان، ويعني بأن مليارات من البشر في جسد كل واحد منهم آلاف أو ملايين الشعيرات، وكل شعيرة مختلفة عن الأخرى، فأية قدرة مثل هذه يمكن أن يمتلكها إلا الخالق؟
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(نحن نمتلك في عصرنا الحالي وسائل حديثة يمكن أن نميز بها الميكروبات الدقيقة، وبهذه الوسائل نری أيضاً، بدن الإنسان يحتوي على آلاف الشعيرات، وكل شعرة بمثابة نخلة باسقة، والمسامات التي تخرج منها الشعرة هي منفذ لخروج أنواع السموم من البدن، فلو دقّق الإنسان في الشعرة الواحدة من البدن لكان ذلك دليل وجود الله الصانع الحكيم الدقيق).
خطوات لامتلاك اليقين
إن كل بشر على هذه الأرض من حقه أن يفكر ويتساءل ويناقش وصولا إلى اليقين، لأنه يحتاج هذا اليقين كحاجته إلى الماء والهواء والطعام، ومن دون اليقين لا يمكن أن يواصل الإنسان بصورة سليمة، بل يبقى في حالة من التشويش التي تسلب منه القدرة على العيش بسلام، وتحرمه من القدرة على التفكير القويم.
لذلك من حق الإنسان أن يسعى ما استطاع إلى امتلاك اليقين، وهنالك ما يكفي من الأدلة التي تضع أقدام على الجادة الصواب، فقد اكتشف علماء الطبيعة أن أورق الشجرة الواحدة تختلف عن بعضها البعض، صحيح تبدو متشابهة في شكلها وفي لونها من الخارج، لكن حين يتم وضعها تحت المجهر الدقيق تظهر الفوارق واضحة بين ورقة وأخرى لنفس الشجرة وبين شجرة وأخرى أيضا، تُرى من صنع هذا الاختلاف ومن له قدرة على ذلك غير الخالق؟
سماحة المرجع الشيرازي يذكر ما يلي:
(يقول علماء الطبيعة لا توجد ورقتيّ شجرة متشابهتين على الإطلاق، فيمكن أن نرى من النظرة السطحية الأولى تشابه ورقتين لكنّه عندما نجعل الورقة تحت المجهر ونكبّرها ملايين المرّات نجد هناك العديد من الفوارق والاختلافات التي لا تُرى بالعين المجرّدة وإن تشابه الشكل الظاهري بالعين المجرّدة).
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حتى وجوه الناس مختلفة عن بعضها، ولنا أن نتصور مليارات من الوجوه لا تشبه بعضها، فأي دقة هذه وكيف تختلف عيون الناس وجبهاتهم وحواجبهم وأنوفهم ووووو، ولا يتوقف الأمر عند حد، ويتعلق هذا بمليارات البشر ومليارات الوجوه، التي تختلف عن بعضها سواء في الشكل وطول الجسم وعرضه وما شاكل.
وهذا ما ينبغي أن يدفع بالإنسان نحو اليقين بأن مثل هذه المعجزات لا يمكن إلا أن تعود للقدرة الإلهية التي لا يشبهها شيء أو قدرة أخرى، ولابد أن يكون هذا الشيء مدعاة لليقين الساطع والقاطع الذي يبحث عنه الإنسان ويحتاجه حتى يعيش ويتحرك وينشط ويعمل ويُبدع، ويستمر في دنياه بثقة قاطعة بوجود الله تعالى وهو الخالق الأعظم الذي لم يلد ولم يولد.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(حتى وجوه الناس وإن تقاربت في الشكل لكنها تختلف في التفاصيل والدقّة إذا ما دقّقنا بينها، والاختلاف يكون في العين أو الحاجب او الأنف أو في أشفار العين أو في الشارب أو في اللحية أو في الجبهة أو اللون وعشرات الفروقات الأخرى. وكل ذلك يجعل الإنسان يتيقّن بكل تأكيد وإصرار أنّ ذلك التباين لا يمكن أن يكون بلا صانع حكيم فكيف بمجموع ذلك كلّه).
بالنتيجة، يحتاج الإنسان إلى اليقين، وهذا أمر مفروغ منه، وهناك وسائل بحث عن هذا اليقين، ولا حدود في هذا الجانب، فأنت لك أن تفكر وتستدعي قدراتك في التفكير والتركيز والمقارنة والبحث المعمّق وصولا إلى النتائج التي تقطع الشك باليقين، وما على الإنسان سوى أن يُتعب نفسه بجدية ويصل إلى مبتغاه ومرامه، وحتما يصل هذا الإنسان إلى ضالته ويعيش في دنياه هذه وهو محمّل بكل اليقين الذي يحميه من شرور التيه والانحراف.