العدالة في المنظور الإسلامي
حكومة الرسول صلى الله عليه وآله نموذجا.. قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-02-19 05:35
(لقد جسَّد رسول الله صلى الله عليه وآله العدل والإنصاف مع الرعية)
المرجع الشيرازي دام ظله
العدل هو أن تعدل بين الناس جميعا، بغض النظر عن الهوية والانتاء الديني أو العرقي أو الجغرافي وسوى ذلك، فلكي تكون قاضيا عادلا عليك أن تكون منصفا، ولكي تكون حاكما عادلا، عليك أن تنظر إلى المواطنين ضمن الدولة التي تحكمها بعين العدل والإنصاف، وتبتعد كل البعد عن أنواع التفضيل والتمايز بين الناس بغض النظر عن الأسباب وأهمها أن لا تفضّل ذويك أو أقاربك أو معاونيك ومؤيديك على الآخرين.
فلا الغني يعلو على الفقير في معيار العدل، ولا الأبيض على الأسود في ذلك، ولا القريب يتم تفضيله على البعيد في القرابة أو سواها، فالكلّ من دون استثناء يجب أن يتم التعامل معه وفق قانون العدل، وضمن الرؤية المنصفة للتعامل مع جميع المنتمين إلى تلك الدولة، ولا يصحّ بل لا يجوز أن تفضّل الأقرب على الأبعد، أو المؤيِّد على المعارِض، أو على الهوية الدينية والمناطقية، فالكل سواسية في منظور الإسلام.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يؤكّد في (سلسلة نبراس المعرفة: محاضرة العدل في الحكم) على:
(انّ من أهم أنواع العدل، هو العدل في الحكم والإنصاف في الرعية. فالحكومات العادلة هي الحكومات التي يتّسع عدلها لكل المواطنين من دون تمييز بين فقير أو غني، ومن دون فرق بين أسود أو أبيض، وبين قريب وبعيد. فالكلّ سواسية أمام القانون بلا استثناء).
ولا تنتهي مهمة الحاكم على الحكم بالعدل بين الناس، وإنما عليه أن يكون مربّيا تربويا ناجحا لهم في منهج العدل، بمعنى ليس كافيا للحاكم أن يكون عادلا بين الناس على الرغم من أهمية هذا الإجراء الحاسم في وظيفة الحاكم، وإنما عليه أن يربي شعبه وأمته والداخلين ضمن رعاياه، على أن يكونوا عادلين مع بعضهم، وأن يكون الإنصاف سمة غالبة في تعاملاتهم المختلفة مع الآخرين، فالحاكم ليس حاكما عادلا فقط، وإنما مربّيا لرعاياه على العدل والمساواة.
ومعنى هذه النوع من التربية، أن يحميهم من الانحراف نحو المسار المناقض والمنحرف، فإذا لم يكن الإنسان عادلا، ولم يحصل على فرصة تربوية كافية على العدل، حتما سوف يذهب في الاتجاه الآخر، فمن لا يكون عادلا، لن يكون منصفا، وبهذا سوف يفقد القدرة على أن يكون عادلا في تعاملاته المختلفة مع الآخرين، وليس شرطا أن يكون حاكما لكي يكون عادلا.
نشر ثقافة العدل بين الجميع
فالإنسان العادي عليه أن يتّسم بالعدل في علاقاته ونشاطاته وتعاملاته مع الناس، وهذه المهمة تتطلب نوعا من التربية المنهجية والنموذجية للعدالة، والحاكم هو من بين المسؤولين إنْ لم يكون أولهم في تربية الناس على العدل.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(إن الحاكم العادل هو الحاكم الذي يربّي شعبه وأمّته تربية صحيحة وسليمة، تربية قائمة على العدل والمساواة، لا على الظلم والجور ونهب ثروات البلاد).
ويوجد لدينا أمثلة مشرقة في التاريخ، توضّح لنا كيف تعامل النبي صلى الله عليه وآله مع الجميع، بل حتى مع ألدّ أعدائه من الذين حاربوه في شتى المجالات لكي يفشلوا مهمته في أداء الرسالة ونشرها بين الناس للارتقاء بهم وبمعارفهم وبعقولهم وبحياتهم أيضا.
إن العدل كان حاضرا بقوة في تعامل الرسول صلى الله عليه وآله مع أعدائه، عندما تحقق النصر الحاسم للمسلمين على أعداهم من مختلف الأقوام، فالذين تصدّوا لقيادة الدولة الناشئة وحاربوا القيم الجديدة، وحشدوا كل ما يمتلكون من قوى وموارد وأسلحة حربية واقتصادية واجتماعية، واستمروا في منهج العدوان لعشرين عاما، لكي يُفشِلوا مهمة الرسول صلى الله عليه وآله، تعامل معهم الحاكم وهو رسول الله بطريقة عادلة يندر وجودها في التاريخ.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(لننظر كيف تعامل النبي مع خصومه الذين حاربوه طيلة عشرين سنة وعبَّأوا جميع طاقاتهم وحشّدوا كافّة إمكاناتهم في الحرب عليه، ولما انتصر صلى الله عليه وآله بنصر الله العزيز، لم يستضعف أعدائه ولم يظلمهم بل عاملهم بالعدل والقسط، وجازاهم باللطف والإحسان، بحيث لم ير التاريخ نظيراً لهذه المعاملة الطيّبة بين حاكم ومحكوم وبين دولة وشعب لا من قريب ولا من بعيد).
فبعد المعاداة الشديدة، والظلم الذي وقع على المسلمين في لحظة بدء الرسالة، وبعد أن عانى المسلمون الأوائل من مختلف ضروب التهجير والتجويع والتعذيب والمطاردة والإقصاء، لكن عندما انتصر الرسول صلى الله عليه وآله، تعامل مع أعدائه بمنتهى الإنسانية، ولم يُمَسّ أيا منهم بسوء، لا في التعامل الفعلي ولا باللفظ، بل كان العدل هو الأساس في التعامل معهم.
ولعل تلك الجملة المدوّية في تاريخ الإنسانية والعدالة التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وآله وقالها لأعداء الإسلام، كانت ولا تزال وستبقى عنوانا عظيما وخالدا للعدالة الإنسانية، حين قال للأسرى من الأعداء (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، بهذه القيمة من العدل والإنسانية تعامل الحاكم الأعلى لدولة المسلمين مع الذين حاروه على مدى عقدين من السنين.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(إن رسول الله صلى الله عليه وآله أطلق كلمة عظيمة، قال فيها للأعداء الذين جاؤوا لقتله وتشريده ومحاصرته اقتصادياً واجتماعياً، قال لهم بعد فتح مكّة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فهل هناك في التاريخ مثيل لهذا العفو العام مع من حشّدوا لقتله وضرب رسالته جميع الطاقات خلال عشرين سنة؟).
الحاكم العادل المنصف والمربّي
ولكن لو تصفحنا تاريخ الحكام المسلمين مع الأسرى فيما بعد، سوف نجد أنهم لم يأخذوا من الرسول صلى الله عليه وآله منهجه وسلوكه وتعامله مع الأسرى، ولم يتعاملوا حتى مع شعوبهم وفق معيار العدل، فنكثوا بذلك عهودهم، وتناسوا وصايا الإسلام ووصايا قائدهم الأعظم على مرّ التاريخ، بأن يتعاملوا بالعدل والإنسانية مع الآخرين سواء كانوا أسرى أو مواطنين.
وقد ظهرت سلوكيات مبتكرة من أولئك الحكام، كما يؤكد لنا التاريخ القريب والبعيد، حيث التعذيب بأشد ما يمكن من القسوة، والزج في السجون، والمطاردة التي لا تتوقف، والتهجير الذي لا يرحم حتى الأطفال، لقد عاملوهم بعيدا عن الرحمة والإنسانية، وحين كانوا يعترضون على سوء المعاملة، كانت الأعمال الشاقة بانتظارهم ثم القتل والتشريد.
سماحة المرجع الشيرازي يشير إلى ذلك في قوله:
(إن من يتصفّح أوراق التاريخ سيرى كيف تعامل حكّام المسلمين الظالمين مع الأسرى في الحروب، يندى جبينه. فقد مارس الحكّام الظالمون أشدّ أنواع التعذيب والقهر والإذلال مع السجناء وأودعوهم سجوناً رهيبة وأجبروهم على الأعمال الشاقّة وقتلوهم كلّما اعترضوا على سوء المعاملة وانتقدوا طريقة الإذلال).
أما رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد أعطى للجميع دروسا عظيمة في حسن التعامل مع الأسرى، أو مع عموم الناس، حيث العدل أول وأعلى المعايير في التعامل، تطبيقا لقول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل)، لذلك فإن التعامل العادل مع الآخرين هو أمر إلهي.
فالحاكم هو أعلى مسؤول في الحكومة والدولة، وقراره هو الأعلى والأكثر تأثيرا على الآخرين، لهذا يجب أن يكون عادلا ومنصفا، وهذا أيضا يشمل الناس جميعا بأن يكونوا عادلين منصفين في مختلف تعاملاتهم وقراراتهم التي تمس حياة الآخرين.
علما إن العدل طالبت به جميع الكتب السماوية، وحثَّت عليه، كما أن المفكرين والعلماء وحتى الفلاسفة الصالحين، طالبوا بأن يكون العدل هاجسا أبديّا للجميع، لاسيما الحكام والمسؤولين الكبار منهم، فحين يكون العدل حاضرا بين الناس، تكون القيم الصالحة الأخرى كالإنصاف حاضرة أيضا، وهذا ما يضاعف من متانة اللحمة الاجتماعية ومتانة الدولة والمجتمع.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يتعامل مع الأسرى بنفس الطريقة، بل عفا عنهم من دون مقابل، وهذا مثال من آلاف الأمثلة التي جسّد فيها رسول الله العدل والإنصاف مع الرعية، حيث أمر الله تعالى بالعدل: (إنّ الله يأمر بالعدل) وأمرت به جميع الكتب السماوية).
في الخلاصة، الحاكم العادل يبني دولة عادلة ومجتمعا عادلا، وبالتالي يبني دولة مثالية غفي عدلها وإنصافها سواء على المستوى الداخلي، أو على الصعيد الخارجي، كما أن الحاكم العادل سوف يكون نموذجا مثاليا لجميع الناس، وسوف يتعلمون منه العدل في التعامل فيما بينهم، ويتربون على القيم التي يتحلى بها قائدهم، كما يحصل عادة مع الحكام العادلين المنصفين.