الخداع الديني والتضليل السامري
أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (٢١)
نـــــزار حيدر
2026-03-12 05:52
{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ}.
ويستمرُّ مُسلسَل الخِداع من دونِ أَن نتعلَّمَ شيئاً من التَّجاربِ! لأَنَّ الغفلةَ التي سبَبها الإِستهزاء والسُّخرية والمِزاح وعدمِ الجديَّة وقتَ المُنعطفاتِ الخطيرةِ التي تمرُّ بها الأُمَّة، هذهِ الغَفلة هي الحاكِمةُ علينا!.
يقولُ تعالى {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}.
أَو أَنَّ المُغفَّل مُستدرَج من دونِ أَن ينتبهَ لنفسهِ أَو للنَّصيحةِ والتَّحذيرِ والتَّنبيهِ {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} ولذلكَ ينبغي على المرءِ العاقلِ أَن يكونَ نبِهاً لِما يدورُ من حولهِ ولِما يسمعهُ ويقرأَهُ خاصَّةً في زمنِ الأَزماتِ {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} وإِلَّا فسيكونُ من المخدُوعينَ الذين يهضمُونَ [طعامهُم] من دونِ انتباهٍ!.
فالسَّامريُّ في قصَّةِ نبيِّ الله مُوسى (ع) مارسَ أَقذر أَنواع الخِداع ليُضلِّل [الذينَ آمنُوا بنبيِّهِم] ولمَّا يمرُّ وقتاً على نصرِ الله تعالى لهُم عندما أَنجاهُم وأَغرقَ فرعَون كما يصفُ ذلكَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في الجدالِ التَّالي؛ فعندما قَالَ لَه بَعْضُ الْيَهُودِ؛ مَا دَفَنْتُمْ نَبِيَّكُمْ حَتَّى اخْتَلَفْتُمْ فِيه! فَقَالَ (ع) لَهُ {إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنْه لَا فِيه، ولَكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ (اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)}. والآية تقول {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}.
يقولُ تعالى عن قصَّةِ السَّامريِّ [المُخادِع] {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﱞ* قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}.
ومِن خلالِ التدبُّرِ في الآيةِ الكريمةِ يتبيَّن لنا ما يلي:
أ/ أَنَّ المُخادع يوظِّف سِلاح الخِداع والتَّضليلِ الذي ينسجِم مع مشاعرِ وعواطفِ وأَهواءِ وميُولِ المُغفَّل ليصعبَ عليهِ اكتشافَ الخُدعةِ.
ب/ وهوَ يتمسكَنُ ليتمكَّن من خداعِ المُغفَّل، فيتمسكنُ بزيِّهِ مثلاً وخاتمهِ ومِسبحتهِ ولحيتهِ!.
ج/ وهوَ يستغِل حنين المُغفَّل إِلى الماضي ليدخُلَ إِلى عقلهِ وفكرهِ ومشاعرهِ من بوَّابةِ ماضِيه!.
وإِنَّما أَصفُ هذا النَّوع من الخِداع بالقذِر لأَنَّهُ يرتبِط بالمُقدَّس.
وبرأيي فإِنَّ [التَّضليل الدِّيني] هوَ الأَخطر والأَقذر ومِن أَكثر أَنواع التَّضليل شيُوعاً في المُجتمعاتِ خاصَّةً الجاهِلة مِنها والسَّاذجة والبِسيطة التي تُقدِّس العِمامة مثلاً من دونِ أَن تعرفَ ماذا تحتَها [في عقلِها] وتُقدِّس الخطيب الدِّيني قبلَ أَن تقِفَ على قُدراتهِ الخطابيَّة [فنّاً ومُحتوىً] فهوَ [التَّضليلُ الدِّيني] يعتمدُ فكرةَ الإِتِّجار بالدِّينِ ليسهُل خداعِ المُضلِّلينَ واصطِيادهِم، فكما هوَ معرُوفٌ فإِنَّ [المُقدَّس المُفترَض] خطٌّ أَحمرَ وصُندوقٌ لا يجوزُ السُّؤالَ فيهِ فضلاً عن الجِدالِ والحِوارِ! فكلامُ [رجُل الدِّين] وحيٌ مُنزل عندَ المُغفَّلين!.
ومن أَكثر أَساليب هذا النَّوع من الخِداع التي تنتشِر في مُجتمعِنا هوَ أُسلوب الخَلط والبَتر {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
فأَمَّا الخَلط فهوَ الرِّواية الضَّعيفة التي يخلطَها بالرِّوايةِ القويَّة ليُمرِّر الأُولى تحتَ عباءة الثَّانية وفي ظلِّها! {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}.
أَمَّا البترُ فهي الرِّواية يتلاعب بِها [مِقصِّ الرَّقيب] وهَو هُنا الشَّيطان والهوى لتسويقِ روايةٍ جديدةٍ ما أَنزل الله بِها من سُلطانٍ كما يُقال.
وفي الحالتَينِ هو كِتمانٌ للحقِّ، فالمُخادع في هذهِ الحالةِ إِنَّما يسعى للخلطِ والبترِ لتضليلِ النَّاسِ من خلالِ كُتمانِ الحقيقةِ، وهوَ، كما تذكُر الآية الكريمة يعرِف على وجهِ التَّحديدِ ماذا يُريدُ ولِماذا ومَن هيَ الشَّريحة الإِجتماعيَّة المُستهدفَة بخداعهِ وتضليلهِ.
أَيَّ أَنَّهُ يُمارس الخِداع لهدفٍ واضحٍ ومعَ سِبق الإِصرار!.
وهذا النَّوع من المُخادعِين [الدِّينييِّن] أَمرنا المُشرِّع بمُقاطعتهِم وعدمِ مُرافقتهِم بل واليأسِ رُبما من إِمكانيَّة التَّأثير بهِم وهدايتهِم!.
يقولُ تعالى {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
ولهذا السَّبب نُلاحظ أَنَّ المُشرِّع تعاملَ بقَسوةٍ وشدَّةٍ وحزمٍ معَ الظَّاهرة الخَطيرة فأَمرَ موسى (ع) أَن يحرِق ثمَّ ينسِف ويُغرِق [إلهَ السَّامريِّ (العِجل)] وأَمامَ أَعين القَوم ولَم يُبقِ لهُ أَيَّ أَثرٍ ليقطعَ شكَّهم بالإِلهِ باليقينِ لأَنَّ الإِحتفاظ بأَيِّ قِطعةٍ من العجلِ فهي بمثابةِ مشروعِ عبادةِ صنمٍ جديدٍ! ومعَ ذلكَ ما أَكثرَ العجُول التي يعبدُها المغفَّلون!.
يقولُ تعالى {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}.