شهر رمضان وبرمجة السلوك: من العادة إلى التحول العميق
مصطفى ملا هذال
2026-02-25 05:04
كثيرا ما يُختزل شهر رمضان في كونه موسما روحيا عابرا، ويتم التعامل معه وفق هذه النظرية، تنتهي آثاره بانتهائه، ثلاثون يوما لا تختلف عما سبقها وما يأتي بعدها، لكنه في الحقيقة يمكن النظر إليه بأنه محطة فكرية وفرصة لإعادة تشكيل السلوك الإنساني، الذي اتخذ نهجا ونمطا معينا خلال شهور السنة.
لشهر رمضان فلسفات كثيرة، ولا يقتصر دوره على التدريب المرحلي على الامتناع عن الطعام، والإحساس بالجوع كما يشعر الفقراء، إذ يتعدى ذلك إلى الإسهام وبشكل مباشر وكبير في تعديل السلوك الفردي، فكثيرا ما نشاهد أفراداً تم إعادة ترتيب سلوكياتهم خلال الموسم الرمضاني، ففي الشهور الاعتيادية، يمارسون سلوكيات غير مقبولة.
كالاعتداء على حقوق الآخرين وظلم العائلة وسلبها بعض حقوقها، ومع دخول الشهر الفضيل، وفي غضون ثلاثين يوماً، ينجح الفرد في تعديل أنماط راسخة في حياته اليومية، ويختبر قدرته على كبح العادات، وضبط الانفعالات، وإعادة ترتيب أولوياته، من هنا يبدو رمضان أقرب إلى مختبر سنوي يمنح الإنسان فرصة عملية لإعادة برمجة ذاته.
أولى مظاهر هذا التحول تظهر في كسر الروتين، فالمسلم يغير مواعيد نومه واستيقاظه، ويضبط إيقاع طعامه وشرابه، ويعيد تنظيم وقته بين العمل والعبادة والعائلة، وفي هذا التحول السريع بالنسق اليومي يثبت الفرد أن كثيرا من العادات التي نظنها ثابتة ليست سوى أنماط قابلة لإعادة التشكيل متى ما توفرت الإرادة والدافع المعنوي.
ومع توفر الإرادة والدوافع المعنوية، يمكن اعتبار شهر رمضان تمريناً مكثفاً على قوة الإرادة، فالامتناع لساعات طويلة عن المباحات يرسّخ في النفس القدرة على ضبط الرغبات، ويعزز ما يسميه علماء النفس "تأجيل الإشباع"، أي القدرة على مقاومة الإغراء الآني من أجل قيمة أعلى. ومع تكرار هذا السلوك يومياً، تتحول الإرادة من جهد استثنائي إلى ممارسة اعتيادية، بما يفتح الباب أمام تعديل سلوكيات أخرى، كالإفراط في استخدام الهاتف أو التسرع في الغضب.
كما يساعد شهر رمضان على ترتيب منظومة الأولويات، ويمكن تخصيص الوقت الذي كان يستهلك في تفاصيل هامشية يُعاد توجيهه نحو التأمل والعبادة وقراءة القرآن والعمل الخيري، وهذا التحول لا يعني الانفصال عن الحياة اليومية هذا على مستوى الفرد.
أما على المستوى الاجتماعي يبرز أثر رمضان في تهذيب السلوك الجمعي، من خلال إسهامه في تقليل حدة الخصومات وزيادة مبادرات التكافل، بالإضافة إلى تحول الخطاب أكثر هدوءاً واحتراماً، بما يوفر مناخاً عاماً يسهم في خلق بيئة مساندة للتغيير، حيث يشعر الفرد بأنه جزء من حركة أخلاقية أوسع، لا مجرد جهد فردي معزول.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في ممارسة التغيير خلال الشهر، بل في استمراره بعد انقضائه، فكثير من السلوكيات الإيجابية تتراجع مع عودة الإيقاع المعتاد للحياة، وهنا تبرز أهمية تحويل التجربة الرمضانية إلى خطة مستدامة، عبر تثبيت بعض العادات تدريجياً، مثل المحافظة على أوقات محددة للعبادة، أو الاستمرار في تقنين الاستهلاك، أو تخصيص وقت أسبوعي للعمل التطوعي.
بالإمكان ووفقاً لما تقدم يمكن تحويل شهر رمضان المبارك من مجرد محطة عابرة إلى فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع النفس والعالم، وكذلك بالإمكان اعتباره تدريباً عملياً على أن التغيير ليس حلماً مؤجلاً، يمكنه أن يكون ممارسة يومية شريطة توفر الإرادة، واستثمار اللحظة الروحية في بناء تحول عميق يتجاوز حدود الشهر إلى بقية العام.