فاتورة رمضان: لماذا نُثقل شهر الترشيد بتكاليف الإسراف؟

مصطفى ملا هذال

2026-02-21 03:43

لا يوجد أي مبرر من تحويل شهر رمضان المبارك الى مائدة طويلة عريضة، يرافق ذلك زيادة الأعباء الاقتصادية، بينما هو ليس كذلك تماما، هو شهر لزيادة فرص التقرب من الله عز وجل، ومحطة ايمانية يمكن الانطلاق منها نحو رحاب الرحمة الإلهية، دون الانجرار وراء الرغبة النفسية المتعلقة باللذات الدنيوية.

هذه الظاهرة تجتاح الاسرة المسلمة في كل موسم رمضاني، على الرغم من إن لا جديد على طرأ على الحياة اليومية سوى ان انه شهر رمضان، الذي ومع اقترابه المشهد وتشهد الأسواق موجة ارتفاع في الأسعار نتيجة السباق المحموم على الشراء.

وهذا السباق السنوي يؤدي بالتأكيد الى ضغط اقتصادي يطال الأسر محدودة ومتوسطة الدخل على حد سواء، بينما المفارقة أن شهر رمضان من حيث المبدأ، شهر عبادة وصيام، اذ من المفترض أن ساعات الأكل تقل لا تزيد، ومع ذلك تتحول ميزانيات البيوت إلى ساحة استنزاف مالي.

وهنا اسمحوا لي بطرح السؤال التالي: ما المبرر الاقتصادي لهذا التضخم الموسمي؟

من الناحية النظرية، ونظرا لقلة وجبات الطعام يجب ان يكون يقل الاستهلاك من السلع المعتاد استهلاكها في الأيام الاعتيادية من السنة، لكن في شهر رمضان تنقلب المعادلة، اذ يلاحظ هنالك ارتفاع كبير بنسب الاستهلاك سببه التفاعل السلوكي للأفراد الذي يتحفز مع إقبال الشهر الفضيل.

ومن دواعي التحفيز الذي يصيب الاسر هو تغير السلوك الاستهلاكي نفسه، اذ إن كثير من الأسر تدخل الشهر بعقلية التخزين المسبق، وكأن الأسواق ستغلق ثلاثين يوما، ما يؤدي الى ارتفاع الطلب خلال فترة قصيرة يخلق ضغطا فوريا على العرض، فتقفز الأسعار حتى قبل بدء الشهر.

وفق قانون العرض والطلب، فإن الزيادة المفاجئة في الطلب حتى لو كانت نفس الكمية ستستهلك لاحقا، فإنها كافية لإحداث تضخم مؤقت، لكن هذا المؤقت يتحول إلى واقع دائم لأن السوق يعتاد على مستوى السعر الأعلى.

الى جانب السبب الأول، تلعب التوقعات النفسية دوراً محورياً، فعادة من يضع الافراد افتراضات كثيرة، من بينها ان الأسعار ستبدأ بالارتفاع مع بداية حلول الشهر، وهو خوف غير مبرر وغير مشروع أيضا، يدفع بالأسر الى الإسراع في شراء كميات كبيرة ما يحقق النبوءة او التوقع الفردي، بينما هي في الحقيقية نتيجة طبيعية لإفراغ الأسواق من السلع، ما يجعل المستهلك شريكا غير مباشر في صناعة العبء الذي يشتكي منه.

ثالث هذه الأسباب هو ممارسة الأنشطة التجارية بغير مسؤولية، فبدلا من اعتبار رمضان فرصة لتوسيع قاعدة الزبائن عبر تخفيضات حقيقية، يُستغل الموسم لتعظيم الهوامش الربحية، وفي ظل ضعف أدوات الرقابة أو غياب الشفافية في تسعير السلع، يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، هنا لا يكون الخلل في الشهر، بل في بنية السوق وآليات ضبطه.

كما تلعب الحملات الإعلانية دورا في تضخيم الاستهلاك، فالإعلانات المكثفة للسلع الغذائية خلال هذا الشهر تخلق رغبات جديدة، وتربط الشعور الروحي بالاستهلاك المادي، حينها يتحول الإفطار إلى حدث تسويقي أكثر منه لحظة أسرية هادئة، ويصبح الإنفاق جزءا من طقوس الشهر.

المفارقة أن جوهر رمضان قائم على الترشيد والانضباط؛ ذلك ان الصيام في فلسفته يدرّب الفرد على ضبط الرغبة لا إطلاقها، لكن الاقتصاد الرمضاني المعاصر يعكس العكس تماما وكأن المجتمع يعوض ساعات الامتناع بساعات من الإسراف.

الحل لا يكمن في تحميل طرف واحد المسؤولية، المطلوب أولا وعي استهلاكي يعيد تعريف التحضير لرمضان باعتباره تخطيطا رشيدا لا تخزينا عشوائيا ثانياً، خطاب إعلامي وديني يعيد الاعتبار لفكرة البساطة، ويكسر الربط بين قيمة الشهر وحجم المائدة.

رمضان ليس موسما اقتصاديا استثنائيا بطبيعته، لكن الطبيعة البشرية هي من تحوله الى ذلك، فهو شهر كسائر الشهور في حسابات الإنتاج والتوزيع، غير انه يصبح استثنائيا حين تختلط العاطفة بالاستهلاك والعرف بالإفراط، وهنا تبرز الحاجة الى قرار جماعي يعيد الشهر إلى معناه الأصلي القائم على البساطة لا مضاعفة الفاتورة.

ذات صلة

سلاح الاستهزاء.. لماذا ينقلب على المنافقين، وكيف؟البوصلة الثقافية في شهر رمضان: اختيار الغذاء المعنويمركز الفرات ناقش.. متطلبات تحول الاقتصاد العراقي من الريع إلى الإنتاجما الذي يدفعُكَ لتصديقِ ناصحٍ؟فخاخ إبستين الكوموتراجيدية