الصيام.. من ظاهر التكليف إلى عمق التزكية

صباح الصافي

2026-02-18 04:46

أوجب الله (سبحانه وتعالى) فريضة الصِّيام على عباده لأهداف وغايات نبيلة، وذات فوائد عظيمة؛ فالصَّوم ليس فقط امتناعًا عن الطَّعام والشَّراب؛ بل هو وسيلة تهذيب للنَّفس، وتطهير للقلب، وتقوية للإرادة، وزيادة في التَّقوى والورع، وقد كان الصَّوم شعيرة دينيَّة معروفة في شرائع الرُّسل السَّابقينَ؛ قال الله (سبحانه): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (1)؛ فالآية المباركة تؤكِّد أنَّ فريضة الصِّيام هي سُنَّة ربَّانيَّة مضطردة اتَّفقت عليها الشَّرائع الإلهيَّة عبر التَّاريخ، وليست تشريعًا عارضًا، ولا عبادةً مخصوصة بأمَّة دون أخرى؛ وقد شُرِّعت لتؤدِّي رسالةً عميقة في بناء الإنسان، وتهذيب غرائزه.

إنَّها عبادة تُعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والرُّوح، وتسمو بالإنسان نحو غايته الكبرى؛ غاية التَّقوى التي تُثمر صفاء الباطن، ونقاء السَّريرة، والارتقاء في مدارج القرب من الله (عزَّ وجلَّ).

 ولذلك، هناك العديد من النُّصوص الشَّريفة التي توضح حكمة تشريع الصَّوم، وقد أشار القرآن الكريم إلى أنَّ (التَّقوى) من الأهداف المحوريَّة للصيام، كما بيَّنت روايات أهل البيت (عليهم السلام) أهدافًا متعدِّدة تصبُّ في طريق التَّقوى نذكر بعضًا منها ضمن محاور عدَّة:

المحور الأَوَّل: البعد الإيماني والعبادي

من أهمِّ الأبعاد التَّربويَّة التي يستهدفها تشريع الصِّيام في المنظور الإسلامي البعد الإيماني والعبادي، لما ينطوي عليه من آثار معرفيَّة وسلوكيَّة تُسهم في بناء وعي الإنسان بعلاقته بالله (جلَّ جلاله) وبالمصير الأخروي. ويُجسِّد الصِّيام بممارساته العمليَّة وسيلةً فاعلة لترسيخ القيم الإيمانيَّة، وتعميق الإخلاص، وتوجيه الفعل الإنساني نحو الغايات العُليا للعبوديَّة؛ ومن هذه الغايات:

1. الاستدلال على فقر الآخرة

ورد عن الإمام الرِّضا (عليه السلام) في بيان بعض الحِكم الكامنة وراء تشريع الصِّيام قوله: "إِنَّمَا أُمِرُوا بِالصَّوْمِ لِكَيْ يَعْرِفُوا أَلَمَ اَلْجُوعِ وَاَلْعَطَشِ فَيَسْتَدِلُّوا عَلَى فَقْرِ اَلْآخِرَةِ..." (2). وتكشف هذه الرِّواية عن بُعدٍ معرفيٍّ وتربويٍّ عميق للصِّيام، يتمثَّل في نقل الإنسان من دائرة الإحساس بالمادِّيات المباشرة إلى أفق التَّأمل في أحوال الوجود الأخروي وما يكتنفه من احتياج وفاقة مطلقة إلى رحمة الله (تعالى). فالصِّيام يهيّئُ النَّفس للانصراف عن التَّعلُّق المفرط باللذَّات الحسيَّة، استنادًا إلى معايشةٍ واعيةٍ لمعاناة الجوع والعطش، بما تختزنه هذه التَّجربة من إشارات رمزيَّة عميقة تكشف هشاشة الكيان الإنساني، وتستحضر حقيقة فقره في النَّشأة الآخرة. وبواسطة هذا الامتناع الإرادي عن ضروريات الجسد في زمن محدَّد، تتشكَّل لدى الصَّائم رؤية جديدة تُعيد ترتيب أولويات الرِّبح والخسارة وفق معيار أخروي، لا تحكمه الاعتبارات الدُّنيويَّة الآنيَّة.

 كما يُساعد هذا المسار التَّربويُّ على ترسيخ حضور الآخرة في الوعي الإيماني؛ ويتحوَّل انتظار الإفطار إلى تمرين نفسي على الصَّبر وترقُّب الجزاء الإلهي، ويغدو الامتناع عن المباحات نهارًا تعبيرًا عمليًّا عن تقديم ما عند الله (سبحانه) على متعٍ زائلة. وبهذا تتجذَّر حالة الانفكاك التَّدريجي عن ثقل الدُّنيا، فيتوجَّه القلب نحو ما هو أبقى، متحرِّرًا من أسر الشَّهوات التي تُقيِّد الإنسان بأفق الأرض وتُضعف استعداده للقاء الله (عزَّ وجلَّ).

2. تثبيت الإخلاص

 أشارت سيِّدة نساء العالمين فاطمة الزَّهراء (عليها السلام) في خطبتها المشهورة إلى أحد المقاصد الجوهريَّة لتشريع الصِّيام بقولها: "فَرَضَ اللهُ الصِّيامَ تَثبِيتًا للإخلاصِ" (3)؛ وتكشف هذه العبارة عن البعد العميق لهذه العبادة؛ فالصِّيام يمتاز بخصوصيَّة فريدة بين سائر العبادات، وقد عبَّر عنها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: "الصَّومُ عبادةٌ بينَ العبدِ وخالقِه، لا يَطَّلِعُ عليها غيرُه، وكذلك لا يُجازي عَنها غيرُه" (4). فحقيقة الصِّيام لا تقوم على المظاهر الخارجيَّة، ولا تُدركها الحواسُّ الاجتماعيَّة، وإنَّما تتجذَّر في النيَّة الخالصة والامتثال لأمر الله (تعالى).

 وعن طريق هذه الخصوصيَّة، يعيش الصَّائم حالةً من الاستحضار الدَّائم للرقابة الإلهيَّة، حتَّى في أوقات الخلوة والانفراد، حيث تنتفي دوافع الرِّياء وتسقط اعتبارات نظر الآخرين. ومع تكرار هذه التَّجربة، تتكوَّن في النفس مَلَكَة الإخلاص، ويتحوَّل الامتناع عن المفطرات إلى ممارسة واعية تُنمِّي صفاء القصد وتُهذِّب الإرادة، فيغدو العمل خالصًا لوجه الله (تعالى) من دون شائبة غرضٍ آخر.

 كما يثمر هذا الالتزام حالةً من الأُنس بالله (تعالى)، تنبع من الشُّعور بالقرب منه وملازمة حضرته، فتتعمَّق علاقة العبد بالعبادة ذاتها، ويتنامى في داخله الميل إليها والتلذُّذ بها. وعند هذا المستوى تتحوَّل إلى حالة وجوديَّة يأنس بها الإنسان ويجد فيها سكينته، وهو ما أشار إليه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقوله: "أَفْضَلُ اَلنَّاسِ مَنْ عَشِقَ اَلْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا بِنَفْسِهِ وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ وَتَفَرَّغَ لَهَا فَهُوَ لاَ يُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ اَلدُّنْيَا عَلَى عُسْرٍ أَوْ يُسْرٍ" (5). وبذلك يتجلَّى الصِّيام بوصفه مدرسةً تُرسِّخ الإخلاص وتُعيد توجيه القلب نحو الله (سبحانه)، بعيدًا عن تقلُّبات الدُّنيا وظروفها المتغيِّرة.

المحور الثَّاني: البعد التَّربويُّ والأخلاقيُّ

 يُشكِّل البعد التَّربويُّ والأخلاقيُّ للصِّيام أحد المحاور المركزيَّة في فلسفة تشريعه، ويتجاوز كونه امتناعًا جسديًّا إلى كونه عمليَّةً تربويَّةً متكاملة تهدف إلى تهذيب النَّفس وبناء السُّلوك الواعي؛ إذ يعمل الصِّيام عبر آليّاته التَّعبديُّة والانضباطيَّة على ترسيخ قيم الصَّبر وضبط الشَّهوات وتقوية الإرادة، بما يُسهم في تشكيل شخصيَّة قادرة على الارتقاء الذَّاتي والاجتماعي؛ عن طريق: 

1. الصَّبر على الطَّاعة

 يُتمُّ الإمام الرِّضا (عليه السلام) بيان أبعاد الصِّيام التَّربويَّة في الحديث المتقدِّم بقوله: "وَلِيَكُونَ اَلصَّائِمُ خَاشِعاً ذَلِيلاً مُسْتَكِيناً مَأْجُوراً مُحْتَسِباً عَارِفاً صَابِراً عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنَ اَلْجُوعِ وَاَلْعَطَشِ..."(6). وتُفصح هذه الفقرة عن أنَّ الصِّيام هو مسارٌ تربويٌّ متكامل، يُراد به تشييدُ مَلَكة الصَّبر وترسيخها في كيان الإنسان، ضمن أفق الطَّاعة الواعية والانقياد البصير لأوامر الله (تعالى).

 ويتجلَّى الصَّبر في العبادة على نحوٍ أوضح ما يكون في الصِّيام؛ إذ يلتزم المكلَّف بترك المباحات الأصليَّة من طعامٍ وشرابٍ وعلاقةٍ زوجيَّة، إلى جانب سائر المفطرات، أثناء ساعات النَّهار ولمدَّة زمنيَّة محدَّدة. وهذا الانضباط الإرادي المتواصل يُعدُّ تدريبًا عمليًّا للنَّفس على احتمال المشقَّة وضبط الدَّوافع الغريزيَّة، ومن هنا وُصف الصِّيام بأنَّه نصف الصَّبر. وقد ارتبط الصَّبر في المنظور القرآني بأعظم الجزاءات؛ كما في قوله (عزَّ وجلَّ): (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (7).

 كما أنَّ اختبار الجوع والعطش، وما يصاحبه من حرمانٍ مؤقَّت للذَّات الجسديَّة، يمثِّل نوعًا من الرِّياضة النَّفسيَّة المقصودة، تُهذِّب الإرادة وتُنمِّي القدرة على التَّحمُّل، وتُعيد توجيه الإنسان من الاستجابة الفوريَّة للرَّغبات إلى التزام واعٍ بالقيم والمعاني العظيمة. ومن هذه التَّجربة المتكرِّرة، تتكوَّن لدى الصَّائم حالة من الثَّبات الوجداني، تُعينه على مواجهة أعباء الحياة وتقلُّباتها بنفسٍ صابرة ونفسٍ مطمئنَّة، متشبِّعة بثقافة الصَّبر في ميادين الطَّاعة وسائر شؤون الوجود الإنساني. 

2. التَّحرُّر من سيطرة الشَّهوات

 ويُتابع الإمام (عليه السلام) في بيان آثار الصِّيام التَّربويَّة بقوله: "مَعَ مَا فِيهِ مِنَ اَلْإِمْسَاكِ عَنِ اَلشَّهَوَاتِ..." (8). وتكشف هذه الرِّواية عن وظيفة جوهريَّة للصِّيام، تتمثَّل في إعادة ضبط العلاقة بين الإنسان ودوافعه الغريزيَّة، اعتمادًا على إخضاعها لسلطة الإرادة والعقل، بدل تركها فاعلةً على نحوٍ تلقائيّ وغير منضبط.

فالصِّيام يُدرِّب الإنسان عمليًّا على كبح نزعاته الشَّهوانيّة عبر الامتناع الواعي والمنظَّم عن إشباعها في أوقات مخصوصة، بما يُفضي إلى تهذيبها وترتيبها ضمن منظومة متوازنة. ومع تكرار هذه الممارسة، تزداد قوَّة قدرة الفرد على إدارة عاداته ورغباته، فيتحوَّل من حالة الانقياد لها إلى موقع السِّيادة عليها، فتغدو الشَّهوة أداةً خاضعة للاختيار، لا قوَّةً مهيمنة تُسيِّر السُّلوك من دون ضابط.

وعندما تبلغ الإرادة هذا المستوى من الرُّسوخ، يتحقَّق التَّحرُّر الحقيقي من أسر الأهواء، فلا تستبدّ بالإنسان نزعة عابرة، ولا تفرض الغرائز سلطانها على قراراته، ولا يجد نفسه مضطرًّا إلى المساومة على مبادئه وقيمه تحت ضغط الرَّغبات أو المصالح الآنيَّة. وبهذا المعنى، يُمثِّل الصِّيام مسارًا تربويًا يفضي إلى بناء شخصيَّة متوازنة، تمتلك القدرة على ضبط الذَّات، وتستند في مواقفها وسلوكها إلى وعي أخلاقيّ ثابت، لا إلى اندفاع شهوانيّ أو استجابة غريزيَّة عمياء.

 إنَّ شهر رمضان هو بمثابة مدرسة لتربية "الإرادة الإنسانيَّة"، فحينما يمتنع المكلَّف طيلة ثلاثين يومًا -بإرادته واختياره- عن الطَّعام والشَّراب، وعن الرَّذائل والقبائح، وعن اللغو واللهو، فإنَّ هذه الفترة كافية لصقل الإرادة وتقويتها، وشحذ عزيمتها بمقتضى العبادة والصَّلاة، ممَّا يجعلها أكثر قوَّة وثباتًا.

3. تواضع النَّفس وخضوع القلب

يُشكِّل الصِّيام مجالًا خصبًا لإعادة بناء الذَّات وتزكيتها؛ فالإنسان يمرُّ في شهر رمضان بتجربة تُخفِّف من هيمنة الشَّهوات والملذَّات الحسيَّة، وتفتح أمامه أفقًا أوسع لمراجعة أولوياته وإعادة تنظيمها. والابتعاد المؤقَّت عن متطلّبات الجسد يُتيح للنَّفس مساحة للتطهّر من التَّعلُّقات التي تُثقل القلب، ويُهيّئها لاستعادة توازنها الوجداني.

وتُفضي هذه التَّجربة التَّعبُّدية إلى تنمية القدرة على ضبط الذَّات وإدارة الرَّغبات بوعيٍ وانضباط، بحيث لا تبقى الاستجابات الغريزيَّة هي الحاكمة لسلوكه. وفي الوقت نفسه تتقدَّم الإرادة الواعية في توجيه أفعاله ومواقفه. ومع استمرار هذه الممارسة، تنشأ حالة من الاعتدال النَّفسي، تنعكس آثارها على أنماط التَّعامل اليومي، فتغدو التَّصرُّفات أكثر انسجامًا مع القيم والمعايير الإيمانيَّة.

ومع تعاقب أيَّام الصِّيام، يلمس الإنسان تحوّلًا تدريجيًا في عمق تجربته، فتزداد قابليته للانفتاح على القرب الإلهي. وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة في بيانه عن حكمة العبادات بقوله: "... وعن ذلكَ ما حَرَسَ اللهُ عِبادَهُ المؤمنينَ بالصَّلَواتِ والزَكَواتِ، ومُجاهَدَةِ الصِّيامِ في الأيَّامِ المَفروضاتِ؛ تَسكيناً لأطرافِهِم، وتَخشِيعاً لأبصارِهِم، وتَذلِيلاً لِنُفوسِهِم، وتَخفِيضاً (تَخضِيعاً) لِقُلوبِهِم، وإذهَاباً للخُيلاءِ عنهم لما في ذلك من تعفيرِ عِتَاقِ الوجوه بالترابِ تواضعاً، والتصاقِ كرَائِم الجوارح بالأرض تصاغُراً، ولُحُوقِ البطون بالمُتُونِ من الصيام تَذُلُّلاً" (9). 

ويُبرز هذا النَّصُّ بوضوح أنَّ الصِّيام هو منظومة تربويَّة متكاملة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بخالقه (سبحانه) وبذاته، عبر تربية الجسد على الخضوع، والنَّفس على التَّواضع، والقلب على الخشوع، وصولًا إلى الحالة التي تُمهِّد لمسار أعمق من القرب الإلهي.

4. تقوية الإرادة 

 الصِّيام من أبرز الممارسات التَّعبُّدية ذات الأثر العميق في بناء الإرادة وصقل قدرات النَّفس؛ إذ يضع الإنسان أمام تجربة عمليَّة تتطلَّب منه الامتناع الواعي عن الطَّعام والشَّراب وسائر الشَّهوات، مع ما يصاحب ذلك من تحدِّيات جسديَّة ونفسيَّة. وفي سياق هذا الامتناع المنظَّم، يتدرَّب الفرد على ضبط نزعاته الغريزيَّة وإدارة رغباته، بما يُنمِّي لديه ملكة التَّحكُّم الذَّاتي ويدعم قدرته على مقاومة المغريات.

وتُساعد هذه الممارسة المتكرِّرة على ترسيخ حالة من الصَّلابة النَّفسيَّة والقدرة على الاحتمال، وتتشكَّل لدى الصَّائم عزيمة أكثر ثباتًا واستعدادًا لمواجهة المشقَّات من دون تراجع أو اضطراب. ومع نضوج هذه المَلكة، يغدو الإنسان أقدر على اتِّخاذ قراراته عن وعيٍ ورويّة، بعيدًا عن الانفعال الآني أو الخضوع لضغط الرَّغبات؛ الأمر الذي ينعكس على بناء شخصيَّة متوازنة تمتلك وضوح الرُّؤية والاستقلال في الاختيار.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الصِّيام بوصفه منهجًا يهدف إلى إحكام سيطرة العقل على الجسد، وإعادة ترتيب العلاقة بين البعد المادِّي والبعد المعنوي في الكيان الإنساني. وقد التفت عدد من المفكِّرين الغربيّين إلى هذه الحقيقة، ومنهم الأستاذ الألماني (جيه أردت)، الذي "وضع كتابًا في تقوية الإرادة جعل أساسه الصَّوم، وذهب فيه إلى أنَّ الصوم هو الوسيلة الفعَّالة لتحقيق سلطان الرُّوح على الجسد، فيعيش الإنسان مالكًا زمام نفسه لا أسيرَ ميولِه المادِّيَّة" (10).

المحور الثَّالث: البعد الاجتماعي والإنساني

 يمثِّل البعد الاجتماعي والإنساني للصِّيام إطارًا عمليًّا لإرساء قيم التَّعاطف والتَّكافل والمساواة بين النَّاس، انطلاقًا من إدراك التَّجارب المشتركة للفقراء والأغنياء على حدٍّ سواء. كما يحقِّق الصِّيام الانضباط الفردي والجماعي، ويقوِّي الالتزام بالقيم والأنظمة الاجتماعيَّة، ما يثمر مجتمعًا متماسكًا يتساوى أفراده في المسؤوليَّة والواجبات؛ على أساس:

1. الشُّعور بالفقراء

 وهو ما ذكره الإمامُ الصَّادق (عليه السلام) لصاحبه الجليل هشام بن الحكم حينما سأله عن حكمة وجوب الصِّيام؟ فقال (عليه السلام): "إِنَّمَا فَرَضَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) الصِّيَامَ، لِيَسْتَوِيَ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْغَنِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيَجِدَ مَسَّ الْجُوعِ، فَيَرْحَمَ الْفَقِيرَ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ كُلَّمَا أَرَادَ شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ. فَأَرَادَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَأَنْ يُذِيقَ الْغَنِيَّ مَسَّ الْجُوعِ وَالْأَلَمِ، لِيَرِقَّ عَلَى الضَّعِيفِ، فَيَرْحَمَ الْجَائِعَ" (11). فالصَّوم يسعى إلى تقوية الشُّعور بالمساواة والتَّعاطف. والفكرة الجوهريَّة تكمن في تمكين الغني من تجربة ما يعيشه الفقير من حرمان وحاجة، ليصبح أكثر وعيًا بواقع الآخرين، فيرتقي إدراكه إلى مستوى الرَّحمة والتَّقدير للضعفاء.

لقد فرضت الشَّريعة الإسلاميَّة الصِّيام بوصفها وسيلة لتحقيق مبدأ المساواة بين النَّاس على صعيد الجوهر الإنساني، بغضِّ النَّظر عن الفوارق الماديَّة أو الاجتماعيَّة؛ سواء كان الفرد يمتلك ثروات طائلة أو يعيش في حالة من الفقر المدقع. كما تتساوى جميع النُّفوس في صفوف الصَّلاة ومواقف الحج، يهدف الصِّيام إلى جعل أصحاب المال والجاه والسُّلطة يدركون أنَّ قيمتهم تنبع من كيانهم الإنساني ذاته.

فعلى الصَّعيد الجسدي لا يختلف جسم المَلك عن جسم الجندي، ولا يستهلك الغنيُّ أكثر ممَّا يستهلك الفقير، وقد تكون الحال معكوسة في بعض الأحيان، ما يوضِّح أنَّ الاختلافات الماديَّة لا تحدِّد القيمة الحقيقيَّة للفرد. أمَّا الفوارق الجوهريَّة بين النَّاس، فتتجسَّد في جودة الفكر، وإخلاص النيَّة، وصلاح الأعمال، وتُشكِّل هذه العوامل المعيار الحقيقي للتَّميز.

2. الالتزام بالنِّظام 

 إنَّ الإنسان بطبيعته يميل إلى التَّحرر من القيود في الغالب، ويسعى دائمًا إلى تحقيق رغباته الشَّخصيَّة، ويتجنب الالتزام بأيِّ نظام أو قانون، ولكن في شهر رمضان المبارك، يفرض الله (تعالى) نظامًا خاصًّا على جميع المسلمين، وهو نظام الصَّوم، الذي لا مناص من الالتزام به سواء كان الإنسان راضيًا أو كارهًا، ويتساوى الجميع أمام هذا النَّظام، فلا يميَّز بين غنيٍّ أو فقيرٍ، قويٍّ أو ضعيفٍ، فالجميع يخضعون للنِّظام ذاته في إطار من التَّضامن والتَّكافل الاجتماعي، وهذا التَّساوي بين أفراد المجتمع يشارك في زيادة الرُّوح الجماعيَّة ويقوِّي ملكة الانضباط لدى الإنسان.

إنَّ الصَّوم، في جوهره هو تدريب يساعد الإنسان على ضبط نفسه، ويقوده إلى الالتزام بالقيود بشكلٍ طوعي، والخضوع لهذا النِّظام يعمل على تنمية قدرة الفرد على تحمُّل المسؤولية، وتعزيز صبره وتحكمه في شهواته؛ ومن هذه التَّجربة، يتعلَّم المؤمن أن يقيم توازنًا بين رغباته الجسديَّة واحتياجات المعنويَّة، ليخرج من الشَّهر الكريم أكثر قوَّة وعزمًا على الالتزام بالقيم والمبادئ في حياته اليوميَّة.

المحور الرَّابع: البعد العقلي والصِّحي

يمثِّل البعد العقلي والصِّحي للصِّيام إطارًا متكاملًا لتنمية الفكر وتهذيب النَّفس؛ فهو يسهم في صفاء الذهن وتقوية القدرة على التَّمييز واتِّخاذ القرارات الواعية. كما يوفر للصَّائم فرصة لتعزيز صحَّة جسده، عن طريق تنظيم الغذاء ومنح الجسم فترات راحة تساعد على تجديد الطَّاقة والمحافظة على كفاءة أعضائه؛ عن طريق:

1. بناء العقل

 العقل هبةٌ إلهيَّة خلَّاقة أودعها الله (سبحانه) في الإنسان؛ ليضيءَ بها دروبَ التَّمييز بين الخير والشَّر، والحقِّ والباطل، والحسن والقبيح؛ فهو أداة التَّفكير والإدراك التي تميِّز الإنسان وتسمو به.

 إنَّ بناء العقل وتربيته من أسس تكوين الشَّخصية المتزنة؛ فالعقل يزدهر بالعلمِ والمعرفة، وينضج بالتَّجارب والخبرات والممارسات الحياتيَّة الواعية، والصَّوم من أسمى الوسائل في بناء العقل وصفاء الفكر، فبه تهدأ نوازع الشَّهوة ليطلق العنان لنقاء الذِّهن ووضوح البصيرة، وما أروع أثر الصَّوم حينما يغرس العلم، ويمنح الحكمة، ويوقظ العقول الغافلة لتعود إلى ذكر الله (تعالى) وطاعته. فيصبح شهر رمضان نافذة مضيئة لبداية جديدة، تنبعث الأرواح في رحاب الطَّاعة، وتسير بخطى واثقة نحو حياة ملؤها النُّور والقرب من الله (سبحانه)؛ فكم من تارك للصَّلاة يجد في هذا الشَّهر الكريم بداية لصلة لا تنقطع مع ربِّه!

 وكم من شارب للخمر يهجر معصيته ليخطو أولى خطواته نحو الطهر!

 وكم من مقامر يعود إلى الله (تعالى) بتوبة نصوح تغسل قلبه من أدران الماضي!

 وكم من مبتلى بالمحرَّمات يطهر نفسه ويصبح عبدًا صالحًا مخلصًا!

 وكم من تارك للخمس أو مانع للزَّكاة أو مؤجل للحج يجد في رمضان نفحة إيمانيَّة توقظه ليؤدِّي حقوق الله (تعالى) بعزمٍ صادقٍ!

2. حماية الجسم وضمان نشاطه الدائم 

 أكَّد الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) في العديد من الرِّوايات على الفوائد الصحيَّة للصِّيام، من ذلك قوله (صلَّى الله عليه وآله): "صُومُوا تَصِحُّوا"(12). 

"ومما يؤيده كلُّ ذي لب وتفكير: هو أنَّه لا بدَّ لكلِّ ماكنة أو آلة من الآلات من راحة، لغرض التَّنظيف ممَّا يتجمع فيها من الأوساخ، والأقذار، والزَّوائد، ولتستعيد بهذه الفترة من الرَّاحة -مهما قلَّت أو كثرت- تلك الماكنة نشاطها للعمل مجددًا، لئلا تؤثِّر الحرارة المكتسبة من استمرار العمل والاحتكاك فناء جزءٍ أو أجزاء من تلك الآلة أو الماكنة؛ فإذا كان هذا شأن الرَّاحة عند المكائن الحديديَّة، والآلات المصنوعة فكيف بالرَّاحة بالنسبة إلى أعضاء وأجهزة جسم الإنسان المخلوقة من الأنسجة الرَّقيقة؟ فلذا نجد أنَّ الأطباء ينصحون بالإضراب عن الطَّعام لوجبة واحدة أو اكثر في بعض الأحيان عند بعض الحالات المرضيَّة الخاصَّة كعلاج وقاية من بعض الأمراض" (13). وبهذا يصبح الصِّيام، إلى جانب قيمته الوجدانيَّة، ممارسة صحيَّة عمليَّة تحاكي قوانين الطَّبيعة في الحفاظ على نشاط الجسم واستمراريَّة أدائه.

وفي ضوء ما سبق، يتَّضح أنَّ الصِّيام هو مدرسة متكاملة تهدف إلى تهذيب النَّفس وبناء الشَّخصيَّة، وتقوية الإرادة، وتعميق التَّقوى، وتعزيز الرَّوابط الاجتماعيَّة، وتحقيق التَّوازن العقلي والصِّحي؛ إنَّه رحلة متكاملة تجتمع فيها القيم الإيمانيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والجسديَّة، لتصقل الإنسان وتوجهه نحو حياة متَّزنة، ملؤها الوعي والرَّحمة والتَّقوى، ليصبح الصَّائم أقوى في إرادته، أنقى في قلبه، وأكثر وعيًا بواجباته اتِّجاه خالقه (سبحانه) ونفسه ومجتمعه.

.............................................

الهوامش:

1. سورة البقرة/ الآية: 183.

2. بحار الأنوار: ج93، ص369.

3. المصدر نفسه: ج93، ص368.

4. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج20، ص296.

5. الكافي (دار الحديث): ج3، ص215.

6. بحار الأنوار: ج93، ص370.

7. سورة الزمر/ الآية: 10.

8. بحار الأنوار: ج6، ص79.

9. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج١٣، ص163.

10. ينظر: روح الدِّين الاسلامي: ص223.

11. من لا يحضره الفقيه: ج2، ص73.

12. بحار الأنوار: ج59، ص267.

13. كيف تصوم: ص13.

ذات صلة

البوصلة الثقافية في رمضان: التمرين على التقوىالقرآن وتفكيك المجتمع التقليدي: من قداسة الموروث إلى سيادة القيممنظومة استخبارية إلكترونية هجينة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة.. حالة العراقتطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان‏اقتصاد الرهان الواحد