تفكيك الكارثة: خطوات عملية لتجريد الأفكار السلبية من قوتها الانفعالية
عزيز ملا هذال
2026-08-19 03:19
التفكير من أعظم ما منح الله للإنسان؛ فلولا التفكير والتفكر لبقي راكداً في مكانه، وربما يكون كالبهائم التي همّها علفها. فالإنسان يفكر في خلق الله ونعمه العظيمة، وفي طريقة تسيير هذا الكون العجيب، وطريقة سير حياته وكيف يدبر الله أموره بطريقة لطيفة وبرعاية كريمة. لكن يحدث أن يتجه تفكير الإنسان صوب الاحتمالات السلبية التي تجهد العقل وحامله، وتجعله يجانب الحقائق.
هذا التفكير يعرف بـ "التفكير الكارثي"، وهو الذي يجعل الإنسان مجهداً وفاقداً لقدر كبير -أو لكل- صحته النفسية، ويصيبه بعلة لا شفاء منها إلا أن تشمله رحمة الله، فيسخر له أسباب الشفاء النفسية والعقائدية وسواها من أساليب العلاج. فما هو التفكير الكارثي؟ وما هي أسبابه وعلاجاته وانعكاساته على الفرد المصاب به؟
يُعرف التفكير الكارثي على أنه: تشوه معرفي ونمط تفكير غير عقلاني ينزع فيه العقل تلقائياً نحو فرض أسوأ السيناريوهات والنتائج الممكنة لأي موقف مستقبلي أو حدث غامض، مع التعامل مع هذا التوقع المظلم كحقيقة حتمية وشيكة الوقوع، والتصحيح المقترن به باستصغار قدرة الذات وإمكانياتها الذاتية على المواجهة والتكيف.
من الواقع
أستاذ جامعي متقدم لشغل وظيفة في إحدى الجامعات، حُدد له موعد للمقابلة. هنا بدأ هذا الشاب بالتفكير فيما سيواجهه في المقابلة، فانشغل فكره في حال لو رُفض: ماذا سيكون حاله؟ وكيف سيواجه هذه الأزمة، سيما مع كونه بحاجة إلى الوظيفة؟ فاستبق الأمر ونال منه التفكير ما نال وهو لم يقابل بعد؛ وهذا هو التفكير الكارثي المرهق.
ووفق أدبيات علم النفس، فإن التفكير الكارثي لا يقتصر على كونه مجرد تشاؤم عابر أو تخوف مؤقت، بل هو تشوه معرفي متكامل البناء، يعيد تشكيل الإدراك، ويشوه تقييم الواقع، ويستنزف طاقات الفرد النفسية والفيزيولوجية، فيصبح بليداً، غير مبالٍ، حزيناً، وسلبياً على الدوام، وحينها يفقد طعم الحياة.
لماذا يفكر الإنسان بهذه الطريقة؟
هناك عدة مسببات محتملة تجعل الإنسان ينزع نحو التفكير الكارثي السلبي، ومن أهم هذه الاحتمالات ما يلي:
أول الاحتمالات التي تجعل الفرد يفكر بهذا النمط من التفكير، هو اسلوب التنشئة الوالدية الذي يتسم بالحماية المفرطة أو القلق المستمر؛ إذ ينقل للطفل رسائل غير مباشرة تشير إلى أن مخاطر العالم الخارجي تفوق قدراته على التعامل معها، مما يزرع فيه شعوراً دائماً بالقلق والحذر من كل خطوة يفكر بالقيام بها أو يواجهها.
ثاني الاحتمالات هي تعرض الفرد المصاب لصدمات وخبرات سيئة في مراحل عمره المبكرة، سيما في مرحلة الطفولة؛ إذ إن الأطفال الذين ينشأون في بيئات غير مستقرة أو تتسم بالتقلبات المفاجئة يطورون مخطوطات معرفية مفادها أن العالم مكان غير آمن، وأن التهديدات تتربص بهم باستمرار.
الاحتمالية الثالثة هي تعرض الإنسان للحرمان البيئي والإجهاد النفسي المزمن اللذين يؤديان إلى تقليل القدرة على الضبط الذاتي والمرونة المعرفية، مما يدفع الدماغ لاستخدام استراتيجيات دفاعية استباقية لمواجهة الخسائر أو المشكلات التي ستنتج من ذلك الأمر الذي يصور له أنه سيحدث.
استراتيجيات المواجهة:لمواجهة خطر التفكير الكارثي، على الفرد أن يكون واعياً في رصد الأفكار السلبية والأفكار الكارثية وتحديدها فور حدوثها بدلاً من الانجراف المعمي معها؛ فتحديد أصل الفكرة يمكن الفرد من وضع أفكار مضادة لها ودحضها والتخلص من آثارها على النفس.
كما يجب على الفرد مسائلة نفسه عبر طرح أسئلة تصحيحية تفكك بنية الفكرة، مثل الاستفسار عن الأدلة الواقعية التي تدعم هذه النتيجة السلبية، والبحث عن السيناريو الأكثر احتمالاً وواقعية، وبالتالي قد تتبخر الأفكار التي لا تستند إلى حقائق أو أدلة منطقية أو علمية.
ومن الجيد تدريب النفس على رؤية الفكرة الكارثية كحدث ذهني عابر ومجرد فكرة وليس كحقيقة مسلم بها، مما يفقدها قوتها الانفعالية وتصبح أمراً تافهاً. فتقدير الأمور بيد الله، والإيمان بهذه الحقيقة سيبقي الإنسان آمناً مطمئناً، وهذا هو المراد.