ما هو العطاش النفسي وكيف نواجهه؟
عزيز ملا هذال
2026-06-07 06:01
محمد اعتاد أن يشرب الماء بصورة مفرطة إلى الحد الذي يجعله لا يفوت دقائق معدودة إلا وقد شرب كمية كبيرة من الماء، هذا الأمر غير الطبيعي لفت انتباه المحيطين به فدفعهم الفضول لمعرفة أسباب ما يحصل، عرضوا الأمر على المختص النفسي ليشخص الحالة على أنها تعرف علمياً بهوس شرب الماء أو العطاش النفسي، والتي تدفعه إلى الإكثار من شرب الماء لحاجة ولعدمها.
منطقياً يرتبط الماء في الوعي الإنساني بمفاهيم مثل النمو، النقاء، واستمرارية الحياة، فهو أولى المواد التي أسهمت في تشكيل الخلايا، والجوهر الأساسي الذي يضمن بقاء الكائنات الحية. ما الذي يحدث عندما تتحول هذه الحاجة البيولوجية البسيطة إلى عادة سلوكية غير منطقية، وكيف يمكن لفعل بسيط كالشرب أن يتحول من استجابة طبيعية لاحتياج جسدي إلى سلوك قهري يعكس صراعات نفسية دفينة؟
يعرف هوس شرب الماء على أنه اضطراب سلوكي يتسم بشرب كميات هائلة من المياه تتجاوز بكثير حاجة الجسم الطبيعية، دون وجود سبب عضوي واضح مثل داء السكري أو الفشل الكلوي.
إن دراسة هذا الهوس تفتح لنا نافذة واسعة على كيفية استخدام الجسد كميدان لترجمة الصراعات النفسية غير المحلولة، وكيف يمكن للعقل البشري أن يسيء استخدام سلوك صحي ليجعله درعاً واهياً ضد القلق والاضطراب، وبالتالي محاولة التخلص من الآثار السلبية التي تعيق التقدم النفسي أو تأشر وجود خطر نفسي يستدعي التدخل على أقل تقدير.
ما هي دلالات الإصابة؟
في الحالة الطبيعية يحتاج الرجال حوالي 3.7 لتر يومياً ما يعادل تقريباً 13-15 كوباً، بينما تحتاج النساء حوالي 2.7 لتر يومياً ما يعادل تقريباً 9-11 كوباً، أما الشخص المصاب بالعطاش النفسي قد يستهلك كميات تتراوح بين 10 إلى 15 لتراً من الماء يومياً، وفي بعض الحالات الحادة قد يتجاوز ذلك، وهذا دليل أبلج على إصابة الإنسان بهوس شرب الماء.
ما هي الأسباب النفسية للإصابة بهوس شرب الماء؟
لعدة أسباب نفسية يتجه الإنسان صوب هوس شرب الماء، ومن أهم هذه الأسباب ما يلي:
• آلية قهرية للتخلص من مشاعر القلق: إذ يمكن تشبيه القلق بشحنة كهربائية زائدة في الدماغ تحتاج إلى وسيلة للتفريغ، هنا يأتي دور السلوك القهري مثل الشرب ليعمل كـمخفف للصدمات. عادة ما يواجه المريض أفكاراً وسواسية مزعجة مثل: هناك سموم تتراكم في دمي، وإن لم أشرب الآن سأعاني من الجفاف مما سيؤدي إلى موت دماغي. كما أن الطلبة في ساعات الامتحانات تلاحظ الكثير منهم ممن ترتفع لديهم مستويات القلق يشربون كميات من الماء.
• محاولة الهروب والتعويض الحسي والفراغ الوجودي: عيش الإنسان المعاصر في مواجهة مستمرة مع الفراغ العاطفي والاجترار الفكري، فعندما تعجز النفس عن تحمل الصمت الداخلي أو مواجهة الصدمات فإنها تبحث عن مشتتات حسية مثل فعل الشرب الذي يتضمن حركة عضلية، تذوقاً، بلعاً، وشعوراً بالامتلاء المادي في المعدة.
كيف يواجه هذا الهوس؟
هذا الهوس يحتاج إلى مقاربة سلوكية نفسية وبطريقتين:
1. تقنية التعرض ومنع الاستجابة: والتي تعد الأساس في العلاج، حيث يطلب من المريض أن يواجه المثير مثل الشعور بجفاف طفيف في الفم أو تكرار فكرة وسواسية مثل "أنت بحاجة إلى الماء الآن"، ثم يمنع بشكل واعٍ من القيام بالاستجابة المعتادة كتصرف الشرب، وبالتالي يغادر هذه العادة المرضية تدريجياً.
2. تدريب الدماغ على التأقلم: تدريب الدماغ على التأقلم مع مستويات القلق المرتفعة دون اللجوء إلى زجاجة الماء كوسيلة تهدئة، ومع تكرار هذا التمرين يدرك الدماغ بشكل تلقائي أن الامتناع عن الشرب الفوري لم يسبب أي خطر حقيقي كالموت أو الجفاف، ونتيجة لذلك يبدأ تأثير الفكرة القهرية في التراجع تدريجياً.
الخاتمة
في الختام نقول: إن كيف لهوس شرب الماء أن يسيء استخدام سلوك حيوي كشرب الماء، ليحوله إلى آلية دفاعية مشوهة للتنفيس عن القلق ومواجهة الفراغ الداخلي. إن التعافي الحقيقي لا يتحقق بمجرد تقييد السوائل جسدياً، بل بتفكيك البنية الوسواسية الكامنة وراء السلوك.