حياتنا القلقة: ماهي سيكولوجيا القلق الإنساني؟

عزيز ملا هذال

2026-05-13 03:59

الحياة الان اقل ما يمكن وصفها بأنها حياة يتسيدها القلق، فبعد ان كانت الحياة أكثر اطمئنان وراحة باتت اليوم مزدحمة بالأفكار التي تجعل الانسان يركض خلف سراب محاولات الظفر بما يجعل الحياة حياة مثالية، كل هذا يحدث بفعل القلق المرضي الذي حول البشر الى أدوات عمل قد تتعطل يوماً ما من دون ان تنجز كل اعمالها، فلماذا يسيطر القلق على حياتنا؟، وماهي معالم هذه السيطرة؟ وكيف يمكن ان نخفف قدر الإمكان من تأثير القلق علينا؟

يعد القلق من أكثر الظواهر النفسية تعقيداً وانتشاراً في العصر الحديث، فهو ليس مجرد شعور عابر بالتوتر، بل هو منظومة دفاعية ونفسية متجذرة في التكوين البشري، تحول القلق إلى حالة مزمنة يستدعي غوصاً عميقاً في مسبباته النفسية والبنيوية ومن ثم إيجاد العلاجات المناسبة له.

إشارة:

من المهم ان نعي ان القلق بمستوياته الطبيعية يؤدي وظيفة إنذار تحمي الإنسان من المخاطر او يدفعه صوب انجاز المهام والواجبات التي يحتاجها للنجاح والتميز، على سبيل المثال لا الحصر يدفع القلق الطبعي الطالب للاستيقاظ في أوقات مبكرة لإكمال مادة الامتحان في الصباح وبدون هذا القلق لا يكمل المادة التي قد تجعله لا يتجاوز هذا الامتحان، بالمحصل ان القلق ليس جميعه سلبي كما يعتقد الكثير من الناس.

 تشير الدراسات النفسية والاجتماعية التي تجريها مراكز الدراسات والبحوث إلى أن النساء هن الأكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق مقارنة بالرجال، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن احتمالية إصابة المرأة بالقلق تبلغ ضعف احتمالية إصابة الرجل تقريباً، وربما هذا يعود على التركيبة النفسية والبنيوية للمرأة.

هل يشكل العمر فارقاً في تحديد نسب القلق؟

للعمر أثر جوهري وملموس في مستويات القلق، فقد تمثل مرحلة الشباب والراشدين (20 - 35 عاماً) اعلى درجات القلق، اما مرحلة منتصف العمر (40 - 60 عاماً) فأنها تختلف من حيث نسبة القلق ونوعه، حيث يقل مستوى القلق ويأخذ شكلاً مختلفاً عن ذلك القلق الذي يعاني منه الشباب وكلما تقدم عمر الانسان قل قلقه واختلف نوعه.

ماهي الأسباب النفسية لحياتنا القلقة؟

اول الأسباب التي تجعل الحياة قلقة سيما لدى فئة الشباب هي ارتفاع سقوف طموحاتهم وعدم واقعيتهم في الحياة، فهم كالذي يريد احراز كل شيء في أعوام قليلة، ولا يفقهون حقيقة ان التكامل يحدث بصورة تدريجية، وهذا ما يجعلهم يلهثون خلف السراب الذي تصدره وسائل التواصل التي تخلو من الواقعية وبالتالي يبقون قلقين ما داموا تحت تأثير وسائل التواصل.

السبب الثاني لسيطرة القلق على حياتنا هو غياب القناعة في ابسط تفصيلات حياتنا واعقدها، فبعد ان كان الانسان يقتنع بأبسط مستلزمات الحياة أصبح لا يقتنع الا بالألبسة والاطعمة وكل المستلزمات غالية الاثمان وهذا ما يجلنا قلقين إزاء توفير هذه الحاجات بالجودة التي نريدها.

 والسبب الثالث لقلقنا هو تفكيرنا المفرط في المستقبل او ما يعرف الاستباق السلبي، اذ ان العقل البشري مصمم لحمايتنا من المخاطر، لكنه أحياناً يفرط في أداء هذه المهمة، فالقلق غالباً ما ينبع من محاولة توقع السيناريوهات الأسوأ للتعامل معها قبل وقوعها، مما يجعل الشخص يعيش في توتر مستمر من أحداث قد لا تقع أبداً.

والسبب الرابع للقلق في حياتنا هو تراكم الصدمات التجارب السلبية السابقة التي لم يتم التعامل معها نفسياً تظل مخزنة في الذاكرة الانفعالية، وتظهر على شكل قلق مزمن تجاه المواقف المشابهة التي نمر بها، وبالتالي يصبح القلق ايقونة هذا العصر.

كيف نخفف من وطئه القلق على حياتنا؟

 لتخفيف القلق على أنفسنا لنعيش براحة نفسية نسبية يجب علينا التعامل مع الحياة بواقعية والعيش وفق الموجود لا وفق ما يجب ان نوفره ولو على حساب صحتنا النفسية، فالقناعة بما هو موجود والاكتفاء به يمثل اعلى مراحل النضج الإنساني الذي يمكن ان يبعد صاحبه عن الكثير من المشكلات الحياتية المختلفة.

كما يجب علينا ان كل يوم في يومه ولا نفرط في التفكير في المستقبل الى الحد الذي ينهكنا نفسياً، وهذا لا يعني ان نترك التخطيط للمستقبل بل يعني ان نخطط له بواقعية وموضوعية لكي نتمكن من تحقيق تلك الأهداف وحين لا نتمكن فأننا نقتنع بماهو قائم ونعيش حياتنا بدون منغصات القلق والتوتر والخوف.

 وعلينا ايضاً الوعي بذواتنا وهو ما يحمينا من التعرض لآثار القلق الناجمة عن نوبات القلق التي نعيشها، فعملية تدوين الأفكار التي تسبق نوبة القلق يساعد في كشف الأنماط المعرفية المشوهة وبالتالي يمكن معالجتها فكرياً وبالتالي نحد من مستويات القلق.

ذات صلة

العراق وواشنطن بعد تكليف علي الزيديالعدمية وترسيخ العادات السيئةحين تصير الهويَّة جرحاً مفتوحاًمن رد الفعل إلى صناعة الاستقرار: لماذا يحتاج العراق إلى نهج مؤسساتي دائم لإدارة الأزمات؟التداعيات الاستراتيجية المترتبة على حرب إيران