خلف أسوار العطلة: رحلة البحث عن المعنى في زمن الضياع
عزيز ملا هذال
2026-05-05 03:47
بعد اشهر من الالتزام والجهد العال للطلبة المراهقين، فبعد ان كانوا ملتزمون بالدوام في المؤسسات التربوية والتعليمية وهو ما يجعلهم منهمكين تماماً في تحضير واجباتهم الدراسية المرهقة، ينظر أبناء هذه الفئة الى العطلة الى انها محطة التنفس الذي تمكنهم من إعادة شحن ذواتهم بالطاقة النفسية التي تعيدهم الى طبيعتهم، لكن الذي يحصل وبسبب الاستخدام السيئ لايام هذه العطلة تزداد الحالة النفسية سوءاً للمراهقين، فماهي ابرز الانعكاسات السلبية لايام العطل بالنسبة للطلبة المراهقين؟، وكيف يمكن تعبئة هذه الأيام بما ينعكس ايجاباً عليهم؟
في ضمير المرهقين تعد العطلة الصيفية مرادفاً للحرية المطلقة والانعتاق من قيود الالتزام الأكاديمي، إلا أن هذه الحرية غير المقننة او التي تسير بطريقة فوضوية تحمل في طياتها تحديات سيكولوجية جسيمة فالدماغ البشري وتحديداً دماغ المراهق الذي يمر بمرحلة إعادة تشكيل عصبية، يميل إلى الاضطراب في غياب المنبهات المنظمة، ومن هنا تبرز أهمية الإشغال المنهجي ليس كأداة لملء الوقت، بل كضرورة حتمية لحماية الصحة النفسية من الوقوع في فخ الاكتئاب الموسمي والقلق العام.
إن ترك المراهق دون إشغال منهجي، ولا سيما في العطلة الصيفية يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات السلبية التي تؤثر على نضجه النفسي والعقلي وتدفع صوب استهلاك طاقته النفسية والفكرية بدلاً من ان تكون محطة شحن كما هو الحال بالنسبة للكثير م المراهقين الذين يبحثون عن العودة الى المدارس للخلاص من الواقع المتعب الذي يرضخون تحت اثاره النفسية الثقيلة عليهم.
من الواقع:
جواد ذو ال 17 عاماً الذ يزال طالباً في مرحلة الإعدادية والذي يتصف بكون نشيط ومرح عند بداية العطلة الصيفية تركه والداه بحجة ان يرتاح بدون برنامج يشغله ويملئ وقته، بعد الأسبوع الأول الذي ملئه بالألعاب الالكترونية والنوم لساعات طويلة، لتبدأ بعدها مرحلة ظهور علامات الاكتئاب والقلق والاعراض النفسية الأخرى، النتيجة هي ان جواد وجد نفسه لا يمتلك معنى لحياته علاوة على الصعوبة البالغة التي يعاني منها في صعوبة العدوة الى الانضباط في أيام الدوام مما جعله يعاني من رهاب المدرسة وهذه واحدة من المشكلات التي تنتج من ترك المراهق بدون اشغال.
ماهي عائدات عدم اشغال المراهق؟
تطفو الى السطح عدة عائدات كنتيجة لإهمال موضوعة اشغال المراهقين في فترة العطلة الصيفية، من اهم هذه العائدات على الصعيد النفسي يؤدي الامر الى تآكل تقدير الذات لدى المراهق سيما في ضل شعوره بكونه غير منجز وبالتالي يبدأ بفقدان الشعور بالكفاءة، فالعطلة الصيفية الطويلة بلا أهداف تجعل المراهق يشعر بأنه خارج السياق الزمني والمجتمعي وهو ما يجعله بليد متعب نفسياً لا يهمه سوى قضاء يومه باي حال كان.
ومن عائدات الفراغ بالنسبة للمراهق انه يدخل في حالة من الاجترار الفكري، فالفراغ يحفز الدماغ على استرجاع الإخفاقات السابقة أو القلق من المستقبل، مما يمهد الطريق لنوبات الاكتئاب والانزواء مما قد يوصل الفرد الى التفكير بالانتحار في الحالات المتقدمة او ايذاء النفس بسلوكيات مؤذية في حالات اقل، وفي المحصلة يدلل الامر على انخفاض مستويات الصحة النفسية للفرد.
ومن العائدات السلبية تعرض المراهق لفراغ الهوية، فالإنسان في فترة المراهقة هي مرحلة البحث عن من أنا؟، وعندما لا يجد المراهق نشاطاً يعرفه (أنا مبرمج، أنا متطوع، أنا رياضي)، يمتلئ هذا الفراغ بهوية المستهلك الخامل، وهي هوية هشة تزيد من حساسية المراهق للنقد الذي يوجه اليه وبالتالي تعتل الصحة الفردية للإنسان.
كيف يملئ فراغ المراهق؟
حين يراد للمراهق ان لا يشذ او يصاب بعوائد الفراغ يجب على الوالدين ان يقومان ببناء رأس المال النفسي له، فعملية دفع المراهق للمساهمة في أنشطة ذات معنى تمنحه شعوراً بالأمل والمرونة، وهي أدوات دفاعية حيوية لمواجهة ضغوط الحياة المستقبلية كنتيجة لامتلاكه المرونة النفسية اللازمة للتأقلم مع حوادث الحياة ومشكلاتها.
ومن هذه الأنشطة زجه في الاعمال الخيرية التي تمنحه السعادة، كذلك اشراكه في منتديات رياضية ذات أنشطة جسمانية مثل ملاعب كرة قدم والمسابح وميادين ركوب الخيل وغير ذلك من الألعاب التي تمنحه القوة الجسمانية والفكرية وتحسن من مستويات صحته النفسية.
ويجب على الوالدين اشراك أبنائهم المراهقين في التجمعات الاجتماعية لتعليمهم المسؤولية الاجتماعية التي تدفع المراهق للانخراط في خدمة المجتمع وهو ما يعزز لديه الاستقرار النفسي ويمنحه شعوراً بالأهمية وهذا هو المهم في سبيل ابعاد الأبناء عن شبح الضياع والمشكلات النفسية الكثيرة.