البساطة في مواجهة التصنّع

شبكة النبأ

2026-02-24 04:18

في مقال نشره موقع علم النفس اليوم، يقدم الكاتب والمحلل النفسي بول دانيون رؤية نقدية للحياة المعاصرة، محذراً من انجرافنا نحو "التصنّع" الذي يمنحنا تقديراً زائفاً وسريعاً للذات، ويطرح البساطة كفعل تحررٍ وجوهرٍ أصيل لاستعادة كرامة الوجود. ومن خلال استبدال السعي السطحي وراء السعادة بالبحث عن "العمق والمعنى"، يضع خارطة طريق نفسية تعتمد على التواضع، والرفق بالذات، والمسامحة، كأدوات أساسية لبناء قبول ذاتي حقيقي يتجاوز بهارج المظاهر وضجيج الانشغال الزائف.

حياة تستحق أن تُعاش

في زمن تهيمن فيه التكنولوجيا وارتباطنا بأجهزتنا الرقمية، مما يفرض علينا وتيرة حياة متسارعة للغاية، يبدو أن روعة البساطة وجمالها في خطر. فسرعان ما يتم اختزال فكرة البساطة بحد ذاتها إلى مجرد "سذاجة"، أو افتقار إلى الرقي المطلوب، أو مجرد حالة شاذة في عالمنا الحديث؛ وكل ذلك يوحي بأن البساطة لا تملك القدرة على تمكيننا ونحن نواجه صعوبات الحياة. ومع ذلك، قد تكون البساطة هي العنصر الأهم على الإطلاق لتقدير ذواتنا حق قدرها، والحفاظ على كرامة الحياة التي نصنعها.

اعتبار قديم

ثمة تعريف قديم لكلمة البساطة وهو: "التحرر من كل ما هو اصطناعي (متصنّع)". ولفهم البساطة، علينا أن نكون واضحين بشأن طبيعة "التصنّع" ونقيضه. يمكننا البدء بالاعتراف بأن كل ما هو اصطناعي هو زائف أو مجرد محاكاة للواقع. ومن ثم، حين ننفصل عما هو متصنّع، تتاح لنا الفرصة للارتباط بما هو أصيل، وحقيقي، وأصلي. قد يكون رد الفعل الأولي للبعض: "هذا أمر بديهي، فمن ذا الذي لا يريد الارتباط بما هو أصيل وحقيقي؟". حسنًا، ربما يرضى معظمنا بالاستسلام لكل ما هو اصطناعي، فقط لأن تعبيرات التصنّع تمتلك إغراءً قوياً للغاية؛ إغراءً من قوته قد يجعلنا لا نؤمن بوجود خيارات أخرى تدعم تقديرنا لذواتنا.

لننظر عن كثب إلى قوة التصنّع وهيمنته علينا:

البهارج (Glamour): غالباً ما تكون البهارج تعبيراً عن التصنّع. ومن أمثلتها العيش في منزل فاخر، والسفر إلى أماكن غريبة، وحضور الفعاليات الحصرية، وقيادة السيارات الفارهة، وارتداء ملابس المصممين العالميين. والرسالة الكامنة خلف ذلك هي: "أنا لست شخصاً عادياً".

نيل الإعجاب والتبجيل والاحترام: بالطبع، لا حرج في أن يحظى المرء بالاحترام، ولكن هذه الأمور قد تتحول إلى بدائل اصطناعية للقبول الذاتي الحقيقي، خاصة عندما نحمل في داخلنا نية إبهار الآخرين فحسب.

الإفراط في المقتنيات: إن اقتناء اليخوت والطائرات والقطارات قد يكون وسيلة اصطناعية للشعور بالرضا عن النفس. الوهم هنا هو: "أنا أمتلك الكثير، إذن أنا أسوى الكثير".

الانشغال الدائم: غالباً ما يشير الانشغال المستمر إلى التعلق بالتصنّع. والمنطق هنا يقول: "إذا فعلت الكثير وأنتجت الكثير، فأنا ذو قيمة كبيرة". كلا، فقد تكون ببساطة تهرع في كل اتجاه، لا لتسرع "نحو" شيء ما، بل لتهرب "من" شيء ما. وهذا "الشيء" غالباً ما يكون عاطفة نفضل الهروب منها.

الخيلاء (Vanity): يمكن أن يكون الخيلاء شكلاً آخر من أشكال التعلق الاصطناعي. التعريف القديم لكلمة الخيلاء هو "الفراغ"، وهي تشير إلى التوجه نحو تقديس الجسد بدلاً من اللقاء الصادق مع الذات.

تكمن قوة إغراء التصنّع في قدرته على منح "دفعة سريعة" لتقدير الذات. والمشكلة تكمن في أن ذلك يشبه الشعور بالجوع ثم أكل "غزل البنات"؛ فهو لا يملك قيمة غذائية ولا خصائص تدعم الحياة. كما تكمن قوة التصنّع في قدرته على توفير إلهاء فوري عن المشاعر المؤلمة والأفكار المزعجة.

العمل الشاق (المهمة الصعبة)

إذا كنا نسعى وراء تعبيرات حقيقية عن حب الذات، ونريد تقليل تعلقنا بالتصنّع، فعلينا الالتزام بممارسة تدعم هذه العملية. إليك مثالاً لممارسة مكونة من أربع خطوات لا تقدم إرضاءً فورياً؛ ولكن مع مرور الوقت، يمكن لهذا "العمل الشاق" أن يولد قبولاً ذاتياً حقيقياً:

التواضع: الخطوة الأولى هي التواضع كمهمة نفسية وليس كفضيلة أخلاقية فقط. التواضع هو التقدير المستمر لحدودنا ومواهبنا على حد سواء، بحيث نضع أنفسنا دائماً في منطقة وسط بين التواضع الزائف (إنكار مواهبنا) وبين الغطرسة (إنكار حدودنا).

الرفق بالذات: هو وسيلة للتأكيد على أننا نستحق أن نُعامل بعناية وتقدير. والأفعال المستمرة من الرفق بالذات تولد الثقة بالنفس.

المسامحة الذاتية: تؤكد المسامحة الذاتية على تقبل نواقصنا البشرية، مما يسمح لنا بالتعثر دون أن ننقلب ضد أنفسنا.

تلقي الحب من الموثوقين: إن استقبال الحب من شخص أو أشخاص نثق بهم لا يحل محل حبنا لأنفسنا، بل هو ببساطة يعزز ويؤكد جدارتنا بالحب.

لعل أحد المتهمين الرئيسيين في تعزيز الإغراء القوي للتصنّع هو افتتان الثقافة الحديثة بـ "السعي وراء السعادة". عندما نتشبث بالتصنّع ونتلقى ذلك "التدليك" المؤقت للأنا (Ego) لكي تشعر بالرضا عن نفسها، فإننا نميل أيضاً إلى الشعور بالسعادة؛ وهذا هو سر نجاح أي إدمان. المفتاح هنا هو استبدال "السعي وراء السعادة" بـ "السعي وراء العمق والمعنى". فالعمق يشير إلى أي مسعى يمنح الحياة دعماً عاطفياً، مثل الامتنان والتعاطف والشجاعة والكرم. أما المعنى، فهو الطريقة التي نريد بها العيش مع مصادر عمقنا، هؤلاء الأشخاص والأماكن والأحداث التي نمارس فيها ممارساتنا الداعمة للحياة.

ذات صلة

البوصلة الثقافية في شهر رمضان: البيت القرآنيكيف نفهم أزمة تشكيل الحكومة العراقية 2026؟رمضان واستعادة الإنسان: في رحاب الضمير وجماليات الروحالإِستكبار وتحقير الإِصغاءِ للنَّصيحةِشَهرُ رَمَضَان يُعيدُ الأُمَّةَ إِلَى القُرآن الحَكِيم