سيكولوجية السعادة

2026-02-17 03:17

يستعرض هذا المقال المستند إلى أبحاث الخبراء، رؤية علمية مغايرة للمفاهيم الشائعة عن الرفاهية، حيث يوضح أن السعادة ليست "وجهة" نصل إليها بعد تحقيق النجاح، بل هي "مهارة" تُمارس، محذراً من "مغالطة الوصول" التي تجعل الإنجازات الكبرى تمنح فرحاً مؤقتاً فقط. ويؤكد الباحثون أن مفتاح الحياة الجيدة يكمن في "الثراء النفسي" وقبول المشاعر الإنسانية المتنوعة، مشيرين إلى أن 40% من سعادتنا تعتمد على أفعالنا اليومية المتعمدة، وأن جودة العلاقات الاجتماعية هي المتنبئ الأول والوحيد للصحة والسعادة على المدى الطويل.

فإن كنت قد شعرت يوماً بشعور "هل هذا هو كل شيء؟" بعد تحقيق هدف حياتي كبير، فأنت لست وحدك. فمعظمنا يقضي حياته متبعاً خارطة طريق للرضا هي في الأساس معيبة. يُقال لنا إننا إذا حصلنا فقط على الوظيفة المثالية، أو وجدنا الشريك "المناسب"، أو فقدنا تلك الكيلوغرامات العشرة الأخيرة، فإن السعادة ستصل أخيراً وتبقى.

ومع ذلك، عندما نصل إلى تلك المعالم، غالباً ما يكون الفرح عابراً. شعور يشبه مطاردة أفق يبتعد كلما ركضت أسرع. هذا التوقع يخلق شعوراً عميقاً بالفشل عندما تظل الحياة فوضوية. قد تشعر أن دماغك "معطل" لأنك لا تزال تشعر بالقلق رغم امتلاكك "حياة جيدة".

هذه الدورة ليست فشلاً شخصياً، بل هي خلل بيولوجي.

النقاط الرئيسية

* الأنبوب العاطفي: تظهر الأبحاث أن كبت المشاعر المؤلمة مثل الحزن أو القلق يؤدي تلقائياً إلى تبلد قدرتك على الشعور بالبهجة والحماس.

* رافعة الـ 40%: بينما تلعب الوراثة والحظ دوراً، فإن ما يقرب من 40% من إجمالي رفاهيتك يتحدد من خلال عاداتك اليومية المتعمدة وعقليتك.

* مغالطة الوصول: تؤكد الدراسات أن المعالم الكبرى مثل الترقيات أو الزواج توفر فقط "طفرة" مؤقتة قبل أن تعود إلى مستوى سعادتك المعتاد.

* أسطورة النجاح: غالباً ما يفهم الأفراد ذوو الأداء العالي العلاقة السببية بشكل معكوس؛ فالسعادة هي محرك النجاح، وليست نتيجته.

* عامل المعنى: الثراء النفسي -البحث عن تجارب معقدة وتحديات- هو مؤشر أكثر موثوقية لـ "الحياة الجيدة" من مجرد المتعة البسيطة.

1. هدف "الشخص الميت": لماذا يعد الألم علامة حيوية

يعتقد الكثيرون أن الحياة السعيدة هي حياة خالية من المشاعر السلبية. يطلق الدكتور بن شاهر على هذا اسم "هدف الشخص الميت"، لأن الأشخاص الوحيدين الذين لا يشعرون أبداً بالحزن أو القلق أو خيبة الأمل هم السيكوباتيون والموتى.

إذا كنت تشعر بالألم، فهذا هو الدليل القاطع على أنك بصحة جيدة وعلى قيد الحياة. وجد العلماء أن المشاعر لا تعيش في مقصورات منفصلة، بل تتدفق عبر "أنبوب عاطفي" واحد. عندما تحاول قمع المشاعر "السيئة" مثل الحزن أو الخوف، فإنك تضع سداً في ذلك الأنبوب عن غير قصد. وهذا يمنع المشاعر "الجيدة" مثل الشغف والفضول من الوصول إليك.

وفقاً للباحث الرئيسي الدكتور تال بن شاهر، يجب أن نمنح أنفسنا "الإذن لنكون بشراً". وهذا يعني قبول أن عدم الارتياح ليس علامة على وجود خطأ ما، بل هو علامة على أن نظامك العاطفي يعمل تماماً كما ينبغي.

2. مغالطة الوصول وجهاز المشي الهيدوني

نحن مبرمجون ثقافياً على الاعتقاد بأن النجاح يؤدي إلى السعادة. ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن العكس هو الصحيح. وفقاً للبحث، يعاني البشر من "مغالطة الوصول"، وهي التسمية التي نطلقها على خيبة الأمل التي نشعر بها بعد الوصول إلى هدف كبير.

قد تفوز بالجائزة أو تحصل على المنزل، ولكن في غضون أسابيع، يكون دماغك قد تكيف بالفعل مع الوضع الطبيعي الجديد. يُعرف هذا بـ "التكيف الهيدوني" أو "جهاز المشي الهيدوني". عقولنا مصممة للعودة إلى مستوى أساسي من الرضا بغض النظر عن المكاسب الخارجية.

وجد الفريق أنه بينما نعتقد أن الراتب الأعلى سيغير حياتنا بشكل دائم، فإن "طفرة" الفرح تكون دائماً قصيرة الأمد. وبدلاً من مطاردة "نشوة" الإنجاز التالية، يقترح الباحثون التركيز على العملية نفسها. نحن نخطئ في الاعتقاد بأن السعادة هي وجهة يمكننا الوصول إليها والبقاء فيها، لكنها بيولوجياً حالة عابرة تتجدد باستمرار.

3. ما وراء المتعة: قوة "الثراء النفسي"

هناك خطأ شائع في الطريقة التي نعرف بها الحياة الجيدة؛ فنحن غالباً ما نساويها بالمتعة أو الرفاهية "الهيدونية". ومع ذلك، تقترح الدكتورة لورين بيسر وخبراء آخرون أن الحياة المرضية حقاً تتطلب "ثراءً نفسياً".

هذا المصطلح يعبر عن حياة مليئة بالتعقيد، والحداثة، وحتى الصراع الإنتاجي. تشير الأبحاث إلى أن التدريب لماراثون أو تربية طفل قد يقلل في الواقع من "متعتك اللحظية" لأن هذه المهام صعبة ومرهقة. ومع ذلك، فإن هذه الأنشطة نفسها توفر أعلى مستويات المعنى على المدى الطويل.

وفقاً للخبراء، فإن الحياة التي تركز فقط على الراحة تنتهي بالشعور بالفراغ. نحن بحاجة إلى "تباين" الصعوبة لتجربة ذروة الرضا. الحياة "الثرية" ليست مجرد حياة سعيدة؛ بل هي حياة ممتعة تتضمن نمواً شخصياً وحلاً لمشكلات محفزة.

4. لماذا تدمر "النقاط المرجعية" رضاك

ميزة أخرى مزعجة للعقل هي اعتمادنا على النقاط المرجعية. وفقاً للدكتورة لوري سانتوس، فإن عقولنا لا تحكم على حياتنا بمقاييس مطلقة، بل نحكم باستمرار على قيمتنا بناءً على المقارنات النسبية.

هذا هو السبب في أن الحائز على الميدالية الفضية في الأولمبياد غالباً ما يكون أقل سعادة بكثير من الحائز على الميدالية البرونزية. يقارن صاحب الفضية نفسه بالفائز بالذهبية (الإخفاق الوشيك)، بينما يقارن صاحب البرونزية نفسه بأولئك الذين لم يحصلوا على ميدالية على الإطلاق.

في العالم الحديث، تفاقم هذا الأمر بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. لم نعد نقارن "دواخلنا" بـ "خوارج" جيراننا؛ بل نقارن حياتنا اليومية العادية بـ "مقاطع التميز" المنسقة لآلاف الأشخاص. يخلق هذا "تأثير جار" مستمر حيث تندفع رغباتنا بمواكبة الآخرين بدلاً من احتياجاتنا الجوهرية. تعمل هذه المقارنة الاجتماعية كـ "تسريب" في دلونا العاطفي، مما يستنزف الرضا بغض النظر عن مقدار ما نحققه فعلياً.

5. حل الـ 40%: استعادة قدرتك على التأثير

من أكثر النتائج تمكيناً في هذا المجال العلمي هو تحليل ما يصنع رفاهيتنا حقاً. من الخرافات الشائعة أن السعادة إما وراثية بنسبة 100% أو يحددها رصيدك البنكي بنسبة 100%. وفقاً لبحث الدكتورة سونيا ليوبوميرسكي، فإن الواقع أكثر تفاؤلاً بكثير.

اكتشف الفريق "معادلة السعادة" حيث يمثل العامل الوراثي حوالي 50% من مستواك الأساسي، و10% فقط تحددها ظروف حياتك (مثل مكان سكنك أو مقدار دخلك). أما الـ 40% المتبقية، فتحددها الأنشطة المتعمدة.

وهذا يعني أن ما يقرب من نصف سعادتك يقع تحت سيطرتك المباشرة من خلال خياراتك وأفكارك اليومية. ووفقاً للخبراء، لست بحاجة إلى تغيير حياتك بالكامل لتشعر بتحسن؛ أنت ببساطة بحاجة إلى تغيير "الإشارات" الصغيرة والمتكررة التي ترسلها إلى دماغك من خلال أفعالك.

6. علم التواصل: المفسر الأكبر الوحيد

إذا كان هناك "مفتاح رئيسي" واحد لرفاهية الإنسان، فهو ليس المال أو الشهرة أو حتى الصحة البدنية. وفقاً لعقود من الأبحاث التي راجعها الخبراء، فإن أقوى مؤشر موثوق للصحة والسعادة على المدى الطويل هو جودة علاقاتك.

وجد الباحثون أن الروابط العميقة والهادفة تعمل كـ "عازل" ضد ضغوط الحياة. الأمر لا يتعلق بعدد الأصدقاء لديك على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بعمق العنصر "العلائقي" في حياتك. وفقاً للدراسة، فإن الأشخاص الذين لديهم علاقات قوية لديهم معدلات أقل من الأمراض المزمنة وتدهور دماغي أبطأ مع تقدمهم في السن. وهذا يؤكد أن السعادة ليست رياضة فردية؛ بل هي شيء يتم إنشاؤه بالاشتراك مع الآخرين من خلال الانفتاح والتجارب المشتركة.

تجاوز "مغالطة جي آي جو"

من أكثر النتائج إثارة للدهشة هي أن مجرد معرفة هذه الحقائق ليس كافياً. تطلق الدكتورة لوري سانتوس على هذا اسم "مغالطة جي آي جو"، تيمناً بفيلم الكرتون الذي كان يدعي أن "المعرفة هي نصف المعركة".

في علم العقل، المعرفة هي في الواقع جزء صغير جداً من المعركة. يمكنك أن تعرف أن المقارنة الاجتماعية سيئة لك، ومع ذلك تشعر بوخزة حسد على إنستغرام. لتغيير حياتك، عليك الانتقال من "المعرفة" إلى "التطبيق". يتطلب الدماغ "إعادة أسلاك" متعمدة لتجاوز حدسه الطبيعي الخاطئ.

يتضمن ذلك الابتعاد عن "الرعاية الذاتية" (التي غالباً ما تكون مجرد استهلاك سلبي) والتوجه نحو الأنشطة "الاجتماعية الإيجابية". على سبيل المثال، تظهر الأبحاث أن الناس يكونون أكثر سعادة باستمرار عندما ينفقون المال على الآخرين بدلاً من أنفسهم، ومع ذلك فإن حدسنا يخبرنا دائماً بـ "تدليل أنفسنا" لإيجاد الراحة.

ماذا يعني هذا بالنسبة لك

الخلاصة الأكثر تمكيناً هي أن السعادة ليست مكافأة لحياة مثالية، بل هي مهارة تمارسها. "العامل العالمي" الذي يقوم عليه كل هذا البحث هو القبول: فمن خلال قبول مشاعرك السلبية وظروفك الحالية، فإنك تفتح الباب فعلياً للتغيير الإيجابي.

توقف عن التساؤل "كيف يمكنني أن أكون سعيداً؟" وابدأ في التساؤل "كيف يمكنني أن أعيش حياة غنية نفسياً وذات معنى؟". هذا يزيل الضغط عن مشاعرك ويضع التركيز على قيمك.

1. حدد نقطة الرافعة: "أنبوبك العاطفي" ينسد عندما تقاوم الألم، مما يمنعك من الشعور بالفرح.

* الإجراء: مارس "القبول الجذري". عندما تنتابك عاطفة صعبة، سمّها. قل: "أشعر بالقلق الآن، وهذا لا بأس به". هذا يقلل الضغط في الأنبوب ويسمح للمشاعر الأخرى بالمرور.

2. حسّن "المحرك المتعمد": 40% من سعادتك مرتبطة بأفعال صغيرة متكررة وليس بـ "الانتصارات الكبيرة".

* الإجراء: ابدأ بروتوكول "جرعة مجهرية من الامتنان". كل صباح، اكتب ثلاثة أشياء محددة وصغيرة ممتن لها من الـ 24 ساعة الماضية. هذا يدرب دماغك على مسح البيئة بحثاً عن "المكاسب" بدلاً من "التهديدات".

3. "التدخل الاجتماعي": العلاقات العميقة هي المحرك الأول للصحة، ومع ذلك غالباً ما نعطي الأولوية لـ "المهام" على "الأشخاص".

* الإجراء: خصص "ساعة واحدة خالية من المشتتات" أسبوعياً مع شخص عزيز. ضع الهواتف في غرفة أخرى. ركز تماماً على الإنصات العميق والتجربة المشتركة لتعزيز مستواك العلائقي الأساسي.

* المصدر: simplypsychology.org

ذات صلة

شهر رمضان وتحقيق الأهدافربع قرن من العبث.. الحكومات العراقية وإعادة إنتاج الفشلكسر الساعة الدستورية: صراع الأعراف وتعليق الاستحقاقاتأنماط العنف وطبيعتهأمريكا الخائفة