صناعة المحتوى أم التضليل؟ لماذا يصر بعض الإعلاميين على شرح الواضحات؟

مصطفى ملا هذال

2026-07-27 03:05

لم تعد وظيفة الإعلامي في السنوات الأخيرة، مقتصرة على نقل الخبر أو تحليله أو وضعه في سياقه الصحيح، حيث ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة جديدة تتمثل في تخصيص مقاطع فيديو ومنشورات طويلة لشرح أخبار وتصريحات وقرارات حكومية أو سياسية أو إدارية، رغم أنها في كثير من الأحيان تكون واضحة في مضمونها، ولا تحتمل أكثر من تفسير واحد.

وما يثير الانتباه أن هذه الظاهرة أخذت بالاتساع حتى بات المتلقي ينتظر "شرح الإعلامي" للخبر أكثر من اعتماده على قراءة النص الأصلي أو مشاهدة التصريح كاملا.

هذه الظاهرة تطرح سؤالا مشروعا: هل أصبحت الأخبار بالفعل أكثر تعقيدا، أم أن بعض الإعلاميين وجدوا في "شرح الواضحات" وسيلة لجذب الجمهور وتعزيز الحضور الرقمي؟

لا شك أن هناك أخبارا وقرارات تتطلب تفسيرا قانونيا أو اقتصاديا أو فنيا، كالموازنات العامة والتعليمات الضريبية والسياسات النقدية، أو التشريعات ذات الطبيعة التخصصية.

ففي مثل هذه الحالات يؤدي الإعلام دورا تثقيفيا مهما، ويقرّب المعلومة من المواطن، ويزيل اللبس الذي قد يحيط بها، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدور إلى ممارسة يومية تشمل حتى الأخبار البسيطة والتصريحات المباشرة التي لا تحمل أي غموض.

فقد أصبح من المألوف أن يصدر تصريح واضح من مسؤول، أو قرار مكتوب بلغة مباشرة، ثم يتسابق عدد من صناع المحتوى والإعلاميين إلى إنتاج مقاطع بعنوان: "إليكم ما يقصده المسؤول"، أو "التفسير الحقيقي لهذا القرار"، أو "ما لم يخبركم به البيان"، بينما لا يقدم المحتوى في النهاية سوى إعادة صياغة لما ورد في النص الأصلي، مع بعض الإطالة والإنشاء.

وراء هذه الظاهرة مجموعة من الأسباب، يأتي في مقدمتها التحول الكبير الذي أحدثته خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، فالمنصات الرقمية لا تكافئ دائما من ينقل الخبر أولا، وإنما تمنح انتشارا أكبر لمن يبقي الجمهور متفاعلا لأطول مدة ممكنة، ولذلك أصبح شرح الخبر في كثير من الأحيان أكثر رواجاً من الخبر نفسه، لأنه يمنح صانع المحتوى دقائق إضافية من المشاهدة، ويزيد من التعليقات والمشاركات.

ومن الأسباب أيضا أن شريحة من الجمهور أصبحت تفضل استهلاك المعلومات عبر الفيديو القصير بدلا من قراءة البيانات الرسمية أو متابعة المؤتمرات الصحفية، وهذا الواقع شجع بعض الإعلاميين على تقديم أنفسهم بوصفهم الوسيط الذي يختصر المعلومة ويعيد تقديمها بلغة مبسطة.

لكن لهذه الظاهرة آثارا تستحق التوقف عندها، أولها أنها قد تضعف ثقافة الرجوع إلى المصدر الأصلي، فبدلا من أن يقرأ المواطن القرار بنفسه، ينتظر تفسير شخص آخر، وقد يكون هذا التفسير دقيقا، وقد يكون مشوبا برأي شخصي أو انطباع أو اجتهاد لا يستند إلى معلومة إضافية.

كما أن الإفراط في تفسير الأخبار الواضحة قد يخلق انطباعا زائفا بأن كل تصريح يخفي رسائل غير معلنة، وأن كل قرار يحمل معاني بين السطور، حتى عندما لا يكون الأمر كذلك، وهذا يدفع بعض المتلقين إلى البحث الدائم عن المعنى الخفي، ويغذي ثقافة التأويل المبالغ فيه، بدلا من التعامل مع النصوص كما هي.

ومن النتائج الأخرى أن كثرة المحتوى التفسيري قد تؤدي إلى تشويش الجمهور بدلا من توضيحه، فعندما يقدم عشرة إعلاميين عشرة شروحات مختلفة لخبر واحد واضح، فإن المتلقي قد يخرج أكثر حيرة مما كان عليه قبل مشاهدة تلك المقاطع، خصوصا إذا اختلط التفسير بالرأي، أو امتزجت المعلومة بالاستنتاج الشخصي.

وفي المقابل لا ينبغي التعميم أو التقليل من أهمية المحتوى التفسيري بشكل مطلق، فما يزال هناك إعلاميون يقدمون قيمة معرفية عالية، من خلال تفكيك القضايا المركبة، وربط الأحداث بخلفياتها التاريخية والسياسية والاقتصادية، واستضافة المختصين، وتصحيح المعلومات المغلوطة، هؤلاء يؤدون وظيفة لا غنى عنها.

الفرق الجوهري يكمن في أن التفسير الحقيقي يجيب عن أسئلة لا يجيب عنها الخبر، بينما يكتفي التكرار بإعادة صياغة ما يعرفه الجميع، فحين يشرح الإعلامي أثر قرار اقتصادي على الأسواق، أو يبين الانعكاسات القانونية لتشريع جديد، فإنه يقدم خدمة عامة، أما عندما يعيد قراءة بيان واضح بأسلوب مختلف، فإنه قد لا يضيف إلى وعي المتلقي شيئا جديدا.

وفي ظل هذا الواقع تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وتشجيعه على العودة إلى المصادر الرسمية، وقراءة النصوص الأصلية قبل البحث عن تفسيراتها، كما تقع على الإعلاميين مسؤولية التمييز بين ما يحتاج فعلا إلى شرح، وما يكفي فيه النقل الأمين.

ذات صلة

من نهضة عاشوراء إلى مسيرة الأربعين: كيف نُبني مجتمعاً متماسكاً؟تحليل الخطاب الإصلاحي في النهضة الحسينيةمركز آدم ناقش.. آليات استرداد الأموال العامة المنهوبةتطبيقات حيوية من بيئة البصرة: حوار مع الدكتور محمد الوحيلي حول مستقبل التقانة الحيويةتسع وزارات رهينة التوافقات