خياطة الفرفوري: ترميم الزمن والذكريات

هدى عبد الحر

2026-06-03 02:29

نهاية الستينيات عندما تزوجت أمي، أهدت لها جدتي مجموعة جميلة من الصحون الصينية التي نسميها هنا (فرفوري). وكانت تعتز بها جداً، وتعتبرها أهم ما تمتلكه لسببين اثنين، الأول: لأنها هدية من أمها، وثانياً لأنها جميلة جداً وذات نقوش نادرة وألوان براقة. لذا حرصت عليها جداً، وكانت تخرجها من معرض (البوفية) الخشبية تغسلها وتمسحها ما بين فترة وأخرى، لكن ذات يوم سقط من يدها أحد الصحون وتهشم إلى ثلاث قطع كبيرة، فأحست وكأنها فقدت شيئاً عزيزاً عليها، وشعرت بأسى وأسف كبير، بخاصة لأن جدتي كانت قد توفيت فصارت الذكرى أعز وأغلى وأثمن.

ولكنها تذكرت ذلك الصوت المميز لأحد الأشخاص الذي يدور بين الأزقة وهو يصيح (خياط فرفوري) مكرراً العبارة بنبرة واثقة محددة ومفهومة، الرجل الأربعيني الأشيب الذي كان يمر في الزقاق في فترات متباعدة، لذا انتظرته حتى جاء ذات يوم، وهرعت نحوه وأخرجت قطع الصحن المهشمة التي احتفظت بها وجمعتها داخل علبة خاصة، فجلس على الأرض قريباً من عتبة الباب وأخرج أدواته التي جمعها في (خرج) قماشي صغير.

أدوات الحرفة ومراحل الترميم الدقيقة

وأدواته كانت تتألف من مثقاب بدائي مرتبط بقوس ووتر، وهناك أسلاك دقيقة ذات لون رمادي، مع علبة من (البورك) وعلبة من مادة لاصقة وبدأ عمله بطريقة متأنية جداً لأن هذه المواد سريعة الكسر، لذا يحرص عليها الخياط أشد الحرص، وكانت المرحلة الأولى هي تأمل هذه القطع ليعرف كيف يلصقها ثانية.

وتبدأ العملية عادة بلصق الأجزاء أولاً بطريقة احترافية حيث يضع المادة اللاصقة ثم يركب الجزء المكسور عليها ويمسكه لفترة بيده ضاغطاً عليه بقوة. ثم بعدها يحدد مواضع الثقوب ومن خلال المثقاب والقوس يبدأ بعمله بهمة ونشاط وحذر، بعدها يصل بين الأجزاء المكسورة بالأسلاك الرفيعة، ومن ثم تبدأ المرحلة ما قبل الأخيرة وهي الخلطة التي يعتبرها بعضهم سرية ولكن بعضهم يفصح عنها فهي خليط من مادة النورة وصفار البيض، حيث يمزج البودرة البيضاء مع المادة اللاصقة ويقوم بإخفاء أثر الخيط (السلك).

ومن ثم تأتي المرحلة الأخيرة والأهم وهي (سنفرة) المواضع بورق التنعيم أو ما يسمى بورق (الزجاج) وتكون هذه العملية طويلة قد تستغرق أكثر من نصف الوقت المستغرق في عملية الخياطة لأنها الأهم فمعها يرجع الشيء المكسور وكأنه جديد، ومن الجدير بالذكر أن بعض العوائل كانت تتشاءم من خياطة الفرفوري لأن الشيء إذا كُسر من الشؤم أن يبقى في البيت لذلك يرمونها.. ولكن الأغلب كانوا يعمدون إلى خياطتها وصيانتها.

تقنية تدريع الأباريق وحفظ التوازن الحراري

وهناك طريقة أخرى يقوم بها هذا الخياط كانت تستعمل مع (أباريق) الشاي المصنوعة من الخزف الصينية أو الفرفوري إذ يغطى الإبريق بتدريع السطح الخارجي بشرائح متساوية من (القيد) أو الألمنيوم وهذه الطريقة تساهم في الحفاظ عليها حيث تتوزع الحرارة على كل أجزاء الإبريق بالتساوي ومن ثم تحافظ عليه من التصدع والكسر.

والسبب أن هذه الأباريق غالية الثمن جداً وغير شائعة حيث لم يكن في حينها الأباريق التي نعرفها اليوم المصنوعة من المعادن، ومن الجدير بالذكر أن بعض المقاهي ما تزال تحتفظ بهذه الأباريق فضلاً عن استعمالها المتواصل لأن الشاي المصنوع بها يكون ذا طعم مختلف ومذاق خاص.

الخاتمة

وخياط الفرفوري، إما أن يكون جائلاً في الأحياء السكنية أو تقصده الناس إلى محله، وكانوا ينتشرون في أغلب المدن بل إن بعضهم يأتي للتجوال في القرى والأرياف، أما الثمن الذي يأخذه عن عملية التصليح فيكون مختلفاً بحسب صعوبة التصليح.

ذات صلة

السائرون إلى الغدير.. من هو الشيعي حقًا؟ماذا يقول علي بن أبي طالب عن الغدير؟!بَيْعَةُ ٱلْغَدِيرِ لَيْسَ وَاقِعَةً مَضَتْ.. بَلْ مِيثَاقٌ دَائِمٌالمبادرة وصناعة الإنسان الفاعل في ضوء نهج الإمام علي (ع)التداعيات الاقتصادية للصراع في مضيق هرمز.. هل من مسارات بديلة للعراق؟