عندما تصبح الإشاعة أقوى من الحقيقة: كيف يُهدَّد السلم الاجتماعي في العصر الرقمي؟

شبكة النبأ

2026-05-24 05:06

في لحظة توتر واحدة، قد تكفي رسالة مجهولة على الهاتف أو منشور عابر في منصة رقمية لإرباك مدينة كاملة، وإشعال موجة خوف جماعي، ودفع الناس إلى اتخاذ مواقف وسلوكيات مبنية على معلومات لم يتأكد أحد من صحتها. هكذا لم تعد الإشاعة مجرد حديث جانبي يتناقله الناس في المجالس، وإنما تحولت في العصر الرقمي إلى قوة نفسية واجتماعية قادرة على التأثير في الأمن والاستقرار والثقة العامة.

المجتمعات التي تعيش أزمات سياسية أو اقتصادية أو أمنية تكون أكثر حساسية تجاه الشائعات، لأن الإنسان في أوقات القلق يبحث عن أي تفسير سريع لما يحدث حوله، حتى لو كان هذا التفسير هشاً أو غير منطقي. وفي العراق، حيث تراكمت التحولات والصدمات خلال سنوات طويلة، أصبحت الإشاعة جزءاً من المشهد اليومي، تتنقل بسرعة هائلة بين الهواتف وصفحات التواصل، وتجد من يصدقها ويعيد نشرها قبل أن يسأل عن مصدرها أو خلفياتها.

الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في كذب المعلومة، وإنما في قدرتها على ملامسة المخاوف العميقة لدى الناس. فالإشاعة الناجحة ليست تلك البعيدة عن الواقع تماماً، وإنما التي تقف عند “حافة الحقيقة”، فتخلط الوقائع بالاحتمالات، وتبني سردية قادرة على إقناع الجمهور ولو جزئياً. لهذا تنتشر بعض الأخبار بسرعة مذهلة، لأنها تخاطب القلق الجمعي أكثر مما تخاطب العقل النقدي.

في السنوات الأخيرة، شهد العراقيون نماذج متعددة لهذا النوع من الإشاعات؛ أخبار عن انهيارات أمنية، أو أزمات صحية، أو تغييرات سياسية مفاجئة، أو انهيار اقتصادي وشيك. وفي كل مرة كانت المنصات الرقمية تتحول إلى فضاء مفتوح للهلع والتكهنات، بينما يبقى الجمهور عالقاً بين الخوف والرغبة في معرفة الحقيقة.

سيكولوجية الإشاعة تقوم أساساً على ثلاثة عناصر: الغموض، والخوف، وغياب المعلومات الدقيقة. حين يشعر الناس أن الحقيقة غير واضحة، تبدأ العقول بملء الفراغ عبر التخمين والتأويل وإعادة إنتاج القصص. لذلك لا تنمو الإشاعة في البيئات المستقرة والواضحة بالدرجة نفسها التي تنمو فيها داخل البيئات المتوترة والمشحونة بالقلق وعدم اليقين.

الأمر لم يعد متعلقاً بأشخاص يختلقون الأكاذيب فقط، فبعض الشائعات تُنتَج بشكل منظم ضمن حملات تضليل تستهدف الرأي العام، مستفيدة من سرعة المنصات الرقمية وضعف مهارات التحقق لدى قطاعات واسعة من المستخدمين. وفي أحيان كثيرة تتحول مواقع التواصل إلى غرف ضخمة لإعادة تدوير الخوف، حيث يتولى الجمهور نفسه مهمة نشر الإشاعة وتضخيمها دون أن يشعر.

هذه البيئة الرقمية صنعت نوعاً جديداً من العدوى النفسية؛ فالخوف ينتقل الآن أسرع من أي وقت مضى، والقلق الجماعي يمكن أن يتشكل خلال دقائق عبر آلاف التعليقات والمشاركات ومقاطع الفيديو المقتطعة من سياقاتها. ولهذا أصبحت الشائعة تهدد السلم الاجتماعي بطريقة غير مباشرة، لأنها تضعف الثقة بين الناس والمؤسسات، وتخلق حالة دائمة من الشك والارتباك.

المشكلة الأعمق أن كثيراً من الناس باتوا يتعاملون مع المعلومة وفق تأثيرها العاطفي لا وفق دقتها. الخبر الصادم ينتشر أسرع من الخبر المتوازن، والمحتوى المثير يحصد التفاعل الأعلى، فيما تتراجع مساحة التحقق والتفكير الهادئ. وهنا تتدخل الخوارزميات الرقمية لتمنح المحتوى الأكثر إثارة انتشاراً أكبر، حتى لو كان مضللاً أو ناقصاً.

وفي مجتمعات تعاني أصلاً من الانقسام والتوتر، يمكن للإشاعة أن تتحول إلى أداة تهدد التماسك الاجتماعي نفسه. فالشائعة لا تكتفي بإنتاج الخوف، وإنما قد تعيد تشكيل صورة الآخر داخل المجتمع، وتدفع نحو الاحتقان والكراهية والتشكيك المتبادل، خصوصاً عندما ترتبط بالهويات أو الأزمات أو القضايا الحساسة.

لهذا لم تعد مواجهة الإشاعة مسؤولية إعلامية فقط، وإنما قضية أمن مجتمعي وثقافة ووعي عام. فالصمت الرسمي أثناء انتشار الأخبار المضللة يفتح الباب أمام اتساعها، والتأخر في تقديم المعلومات الدقيقة يمنح الروايات غير الموثقة فرصة للسيطرة على المزاج العام.

كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة اليوم بأداء مختلف؛ أداء لا يكتفي بالنقل السريع، وإنما يشرح ويفسر ويدقق ويفند، لأن الصحافة في زمن الفوضى المعلوماتية أصبحت جزءاً من منظومة الحماية المجتمعية.

أما على المستوى التربوي، فالمجتمعات تحتاج إلى بناء “مناعة رقمية” تبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، عبر تعليم مهارات التفكير النقدي والتحقق وتحليل الأخبار. فالحصانة ضد الشائعة لا تُبنى بالخوف من التكنولوجيا، وإنما بامتلاك القدرة على التعامل الواعي معها.

وفي النهاية، قد تبدو الإشاعة خبراً عابراً على شاشة صغيرة، لكنها في أوقات الأزمات قد تتحول إلى قوة قادرة على إنهاك المجتمع نفسياً، وزعزعة استقراره، وإرباك وعيه الجماعي. لذلك فإن حماية السلم الاجتماعي في العصر الرقمي تبدأ من حماية الحقيقة نفسها، ومن بناء إنسان يمتلك الوعي الكافي كي لا يتحول، من دون أن يشعر، إلى حلقة إضافية في سلسلة الخوف والتضليل.

ذات صلة

الحج: فرصة التعارف العالميمركز المستقبل ناقش.. العراق وتحولات النظام الإقليمي، تحليل في المخاطر والفرصهندسة الأنا: كيف تشكل جروح الطفولة سلوك المراحل اللاحقة؟الخليج ونظام ما بعد الأوبكتفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين