خلفَ أسيجةِ الصمت في فلسفةِ الغيابِ وإعادةِ تدويرِ الأنا
اماني بركان
2026-02-21 03:15
في تقلباتِ الفصولِ الإنسانيةِ المتعاقبة، ثمة لحظاتٌ فارقةٌ تصدمُ الوعي وتستفزُّ الوجدان، تشبهُ في حدتها ما نسميهِ في عالم المادة "الكسادَ النفسي"، حيث تنهارُ فجأةً موازينُ توقعاتنا العاطفية، وتتعطلُ لغةُ الحوارِ التي كانت يوماً تنسابُ بين الأرواحِ بيسرٍ وألفة. في هذهِ العتمةِ المباغتة، ومن منظورِ الروحِ التي لا تقبلُ الانكسار ولا ترضى بالهوان، يبرزُ سؤالٌ جوهريٌ يسكنُ الفكر: هل يمثلُ الفقدُ نهايةَ النصِ وخاتمةَ الكتاب، أم هو مجرد "فاصلةٍ" اضطراريةٍ وضعتها أقدارنا بذكاءٍ خفي لتمنحنا فرصةً ذهبيةً لإعادةِ ترصينِ هوياتنا الجريحة، وإعادة بناء قلاعنا الداخلية التي تصدعت تحت وطأة العشم المفرط؟
إننا حين نختارُ المسافةَ كفعلِ تحررٍ واعٍ، لا كهروبٍ مهزوم، نكتشفُ أنَّ ما اعتبرناهُ يوماً سياجاً يطوقنا ويحدُّ من حركتنا، لم يكن في جوهره إلا بوابةً مواربةً نحو ذواتنا الحقيقية التي أهملناها في زحام الاهتمام بالآخرين. كثيراً ما نخطئُ في قراءةِ المشهدِ الإنساني حين نعتبرُ المسافاتِ التي يضعها الآخرون بيننا وبينهم نوعاً من العقابِ القاسي أو الإقصاء المتعمد؛ ففي حقيقةِ الأمر، قد تكونُ تلك المسافات سواء تجسدت في غيابٍ جسدي مرٍّ أو في حظرٍ تقني صامتٍ ومباغتٍ يقطعُ حبال الوصل هي الضريبة التي ندفعها ممتنين مقابل اكتشافنا لنورنا الخاص الذي خبا وانزوى وسط ضجيجِ الحضورِ المزيف.
إنَّ الحقائقَ الساطعة لها وهجٌ قد لا تحتملهُ العيون الواهنة، لذا فإن الذين يخشون مواجهةَ تلك الحقائق يميلون دوماً إلى الاختباء خلف جدرانٍ سميكةٍ من الصمتِ الرمادي، ظانين واهمين أنهم بفعلهم هذا يغلقون البابَ أمام حركتنا الكونية، بينما هم في الحقيقةِ لا يفعلون شيئاً سوى حبسِ أنفسهم في زنازين ضيقةٍ وموحشةٍ من الخوف، خوفاً من الانكشاف أمام هيبة الصدق الطاغية التي نحملها في ملامحنا ونبرات أصواتنا.
وهنا تبرزُ حقيقة إنَّ "الضوء لا يكسر الزجاج عند اختراقه"؛ هكذا نحنُ حين نمرُّ بصدقنا ونورنا في حيوات الآخرين. نحنُ نخترقُ أعماقهم، نكشفُ مخاوفهم، ونضيءُ عتمةَ زواياهم دون أن نحطمَ كبرياءهم، لكنَّ المشكلةَ تكمنُ في "الزجاج" الذي لا يحتملُ وهجَ الحقيقةِ فيتشققُ من الداخلِ خجلاً أو ذعراً. إنَّ نفاذيةَ الروحِ الصادقة هي قوةٌ ناعمة، تخترقُ الحجبَ والأسوار، وتتركُ أثراً لا يُمحى، حتى وإن حاولَ الطرفُ الآخر التظاهرَ بالنسيانِ أو التسترِ بالغياب.
إن الأنفسَ التي صُقلت بنارِ التحدياتِ الكبرى لا تُهدم بالغياب، بل تزدادُ تماسكاً وعمقاً واكتمالاً. فبين أروقةِ العلمِ الرصينةِ التي نلوذُ بها، وبين صفحاتِ الكتبِ العتيقةِ التي نستنطقُ حكمتها، نتعلمُ يوماً بعد يوم أن المعرفةَ الحقيقية ليست في نيلِ الألقابِ البراقة والشهاداتِ الورقية فحسب، بل هي تكمنُ في تلك القدرة الفائقة على "تهذيبِ الروح" وفي الشجاعةِ المتفردة على قولِ كلمة "شكراً" بامتنانٍ حقيقي لكل موقفٍ آلمنا، أو لكل شخصٍ غادرنا فجأة، لأنه جعلنا ندركُ مواطنَ القوةِ الكامنةِ في أعماقنا والتي كانت لتظلَّ خامدةً لولا وخزة الفراق. إنَّ تلك الدمعةَ الحارة التي قد تسكنُ مآقينا في لحظةِ تأثرٍ إنسانية عابرة، ليست علامةً على الهزيمةِ أو انكسار المخيلة، بل هي في الحقيقةِ وسامُ رقةٍ نعلّقهُ على صدورنا، ودليلٌ قاطعٌ على أننا ما زلنا نحتفظُ بنضارةِ إنسانيتنا وعنفوان مشاعرنا في زمنٍ اجتاحهُ التيبسُ العاطفي، وطغى عليه الهروب المخزي من المسؤولية المعنوية والأدبية تجاه الآخر.
إنني أنظرُ اليوم إلى الأفقِ الواسعِ الممتد أمام عيني، بالعينِ التي تنشدُ الحقيقةَ العلمية المجردة في السيادة، وبقلبِ الشعورِ الذي يؤمنُ بالجمالِ المطلقِ كقيمةٍ عليا للوجود. وفي هذه الرحلةِ المستمرةِ والممتدةِ بين جفافِ الأرقامِ وبرودة الملموس ، وبين عذوبةِ الكلمةِ وحرارةِ الحرف، نتعلمُ أن التوازنَ الروحي هو سرُّ الاستمرارِ والنجاح في عالمٍ مضطربٍ يفتقرُ للثبات. فمهما اشتدت التقلباتُ في حيواتنا الخاصة، ومهما تذبذبت مؤشراتُ القربِ والبعدِ في العلاقات البشرية، يبقى رأسُ مالنا الحقيقي والوحيد هو نبلُ أخلاقنا، ونقاءُ سرائرنا، وقدرتنا الاستثنائية على أن نبتسمَ في وجهِ الصعابِ ابتسامةَ الواثقِ من مآلاتِ القدر. نحنُ نخطو اليوم بخطىً واثقة وثابتة نحو أحلامنا الكبرى التي لن تقفَ عند عتبةِ عارضٍ طارئ، ولا عند حدودِ غيابٍ لم نكن نتوقعه، فمن كان زادُه الصدق، لا يضلُّ الطريقَ أبداً.
إن ما نفقدهُ أحياناً في دروب الحياة ليس نهايةً مأساويةً للحكاية، بل هو "وقفةٌ تأمليةٌ عميقة مع الذات" لنعيد تعريف من نحن، وماذا نريدُ حقاً من هذا الوجود، وما هي الرسالة التي نودُّ تركها خلفنا.
إن الغيابَ هو المختبرُ الحقيقي لصلابة المعادن، وسلامٌ طيبٌ ودافئ على كل الأرواحِ التي عبرت مسافات حياتنا وخلفت وراءها صمتاً طويلاً؛ فقد تركوا فينا بعلمهم أو بغير علمهم أثراً لا يزول، جعلنا نكتبُ بجمالٍ أكثر نضجاً، ونفكرُ بعمقٍ أبعد أفقاً، ونحبُّ الحياةَ بكل تجلياتها وتناقضاتها أكثر مما مضى. نحن اليوم لا ننتظرُ أحداً ليكمّلنا، بل نحنُ نكتملُ برحلتنا، وبكل خيبةٍ حولناها إلى قصيدة، وكل غيابٍ جعلناهُ استثماراً في ذواتنا التي لا تُقهر.