من يتحكم في البيانات يتحكم في المستقبل

بروجيكت سنديكيت

2026-09-13 02:57

بقلم: بيجان برنارد

سان فرانسيسكو ــ في شهر مارس/آذار، استهدفت طائرات إيرانية مُسيَّرة آليًا ثلاثة مرافق تابعة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في البحرين والإمارات العربية المتحدة، فأصابت اثنين منها مباشرة وكادت أن تصيب الثالث. كانت هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها مركز بيانات تجاري هدفًا عسكريًا، ورغم هذا لم ينتبه إلى الأمر أي شخص تقريبًا خارج الأوساط المتخصصة. كان ينبغي للجميع أن ينتبهوا. لم تَعُد الخوادم التي تحتفظ ببيانات أي دولة، والرقائق الإلكترونية التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي التي يعتمد عليها اقتصادها بشكل متزايد، مجرد بنية أساسية خلفية، بل أصبحت على قدر من الأهمية الاستراتيجية يضاهي الموانئ أو شبكات الكهرباء، وهي معرضة للخطر بالقدر ذاته.

طوال القسم الأعظم من العقد الماضي، كانت البيانات شيئًا تستخرجه الشركات، وكان الذكاء الاصطناعي شيئًا تبيعه الشركات، وكان كلا الأمرين خاضعًا لرقابة هامشية من خلال قوانين الخصوصية، هذا إن خضع لأي رقابة على الإطلاق. لم يعد هذا الإطار صالحًا. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي الآن جزءًا لا يتجزأ من قطاعات التمويل، والدفاع، والرعاية الصحية، والإدارة العامة، ويعمل على أساس عنصرين لا تتحكم فيهما أغلب الحكومات فعليًا: البيانات التي تُدرّبه، والقدرة الحاسوبية التي تعالجه. والدول التي تتجاهل هذه الحقائق ستجد أن مستقبلها يُقرَّر في غرف اجتماعات مجالس إدارة لا مكان لها فيها.

انتبهت حكومات عديدة لهذا الأمر. وفقًا لبعض التقارير، سيتجاوز الإنفاق العالمي على «الذكاء الاصطناعي السيادي» 100 مليار دولار هذا العام. على مدار الأشهر القليلة الأخيرة، أطلقت كندا، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة صناديق وطنية للحوسبة ومخصصات لوحدات معالجة الرسومات. وذهب الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك، حيث تعامل مع البنية الأساسية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي السيادي على أنها عقيدة تقريبًا، وكان هذا يعني دعم مشروع «جايا-إكس» لتشييد البنية الأساسية الأوروبية للبيانات، وتمويل مشاريع مثل مركز البيانات الجديد التابع لشركة «ميسترال إيه آي» خارج باريس.

على الورق، يبدو هذا تنويعًا معقولًا بعيدًا عن حفنة من الشركات الأميركية والصينية. ولكن في الممارسة العملية، يهدد هذا بخلق شيء أكثر هشاشة: مجموعة متنوعة من الحصون الوطنية، كل منها مكتفٍ ذاتيًا ولا يمكن لأي منها التواصل مع غيره. يتمثل جزء من المشكلة في أن «سيادة الذكاء الاصطناعي» تشمل ثلاثة أمور على الأقل، ومعظم الحكومات تعمل على أمر واحد فقط منها.

تُعد سيادة البيانات، أي الاحتفاظ ببيانات المواطنين داخل الحدود الوطنية، أقدم هذه العناصر الثلاثة، وأسهلها من الناحية التشريعية، والأكثر تناولًا في السياسات الفعلية. وسيادة الحوسبة، أي من يملك الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات التي تتولى مهمة المعالجة، أشد تعقيدًا: فبوسع أي دولة أن تعزل بياناتها، لكنها تفقد السيطرة عليها إذا عولجت على بنية أساسية يملكها طرف آخر. أما سيادة الحوكمة، أي القدرة على وضع القواعد التي يجب أن تتبعها أنظمة الذكاء الاصطناعي، بدلًا من استيراد أي معيار يضعه البلد المضيف للمطورين المهيمنين، فهي الجانب الذي لا يتحدث عنه أحد تقريبًا.

ولا يساعد المشهد التنظيمي المفتت في أي من هذا. تمتلك نحو 90 دولة الآن نوعًا ما من استراتيجيات الذكاء الاصطناعي الوطنية، وقد أقرت 33 دولة على الأقل تشريعات ملزمة. لكن الأساليب تتعارض غالبًا. ينص قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي، الذي دخلت أحكامه الرئيسة حيز التنفيذ الشهر الماضي، على غرامات تصل إلى 35 مليون يورو، أي 40.6 مليون دولار، أو 7% من إجمالي إيرادات المخالف العالمية السنوية. وتسلك خطة عمل الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة نهجًا معاكسًا، حيث تتعامل مع تحرير الضوابط التنظيمية ذاته على أنه ميزة تنافسية. وتقدم خطة عمل حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية في الصين التعاون في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي مع الاقتصادات النامية، ولكن وفقًا لشروط صينية.

تمثل الاتفاقية الإطارية بشأن الذكاء الاصطناعي الصادرة عن مجلس أوروبا، وهي أول معاهدة دولية ملزمة في مجال الذكاء الاصطناعي، تقدمًا حقيقيًا، لكن تنفيذها متواضع مقارنة بحجم ما يُفترض أن تنظمه. ولم يبدأ التنسيق خارج هذا الإطار إلا بالكاد. وقد حذرت اللجنة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للأمم المتحدة من سباق إلى القاع، حيث تتنافس مناطق الاختصاص على تقديم القواعد الأكثر تساهلًا بدلًا من أكثرها أمانًا. وتبحث الشركات التي تنفذ تطبيقات الذكاء الاصطناعي العالية المخاطر بالفعل عن منطقة الاختصاص الأقل صرامة.

تتطلب السيادة الحقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي أربعة أمور، لا يُعد أي منها معقدًا من الناحية النظرية. ومن الممكن البدء بوضع البنية الأساسية لبيانات الذكاء الاصطناعي في الفئة القانونية ذاتها التي تندرج تحتها شبكات الكهرباء، مع تحديد جهة مسؤولة بوضوح عن الأمن المادي والرقمي.

ثانيًا، تحتاج الدول التي تبني قدرات حوسبة سيادية إلى معايير مشتركة للتشغيل البيني، وليس مجرد شركات وطنية رائدة، ويُعد عمل مشروع «جايا-إكس» في مجال قابلية نقل البيانات نموذجًا مفيدًا. يجب أن يكون بمقدور مستشفى في لاغوس أو وزارة في وارسو التحقق من وفاء النظام بمتطلبات السلامة الأساسية، بغض النظر عن البنية الأساسية التي يعمل عليها.

يجب أن يكون للرقابة أنياب: حقوق التدقيق، والإبلاغ الإلزامي عن الحوادث، والترخيص لتلك الحفنة من النماذج الرائدة القادرة على التأثير في البنية الأساسية الحيوية أو الاستقرار المالي. وينبغي معاملة هذه النماذج على أنها مواد نووية أكثر من كونها برمجيات عادية.

يحتاج العالم أيضًا إلى آلية حقيقية لمنع سيادة الذكاء الاصطناعي من التحول إلى مجرد محور آخر من محاور التفاوت. فاستثمار 100 مليار دولار في الحوسبة السيادية يجري بشكل شبه كامل في البلدان الغنية. وعلى هذا، فإن الحوسبة الإقليمية المجمعة، التي تمولها وتديرها بلدان أصغر حجمًا بشكل مشترك، من شأنها أن تحقق نتائج أفضل من محاولة كل منها العمل بمفردها.

لا يتطلب أي من هذا إبرام معاهدة عالمية كبرى. فمكونات إطار الحوكمة، بما في ذلك قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي، واتفاقية مجلس أوروبا، ومشروع «جايا-إكس»، واللجنة العلمية التابعة للأمم المتحدة، موجودة بالفعل. لكن الهيكل الذي يربط بينها مفقود، ويتطلب تشييده عملًا مدروسًا. ومع كل عام يتأخر فيه هذا العمل، تزداد البنية الأساسية حجمًا، وتزداد صعوبة إعادة تهيئتها. ومن الواضح أن الذين يضخون مليارات الدولارات في مراكز البيانات ووحدات معالجة الرسومات لا ينتظرون حتى تلحق بهم الحوكمة.

أرسلت الضربات التي استهدفت منشآت «أمازون ويب سيرفيسز» في الخليج رسالة، سواء كان ذلك مقصودًا من أي جهة أو لم يكن، مفادها أن البنية الأساسية التي تدعم حصة متنامية من القرارات المصيرية، من يحصل على قرض، وأي المرضى يجري اختيارهم لتلقي العلاج، وأي المصانع تستمر في العمل، تقع في مبانٍ لا تسيطر عليها أغلب الحكومات ولا تستطيع حمايتها بالكامل. إن سيادة البيانات، وسيادة الحوسبة، وسيادة الحوكمة ليست مجرد مفاهيم مجردة تُناقش في قاعات المؤتمرات. إنها الشروط المسبقة لمستقبل يُصاغ بواسطة مواطني الدول أنفسهم، وليس بواسطة كل من تصادف أنه يمتلك الخوادم.

* بيجان برنارد، الرئيس التنفيذي لشركتي D-AI وLattice.

https://www.project-syndicate.org/

ذات صلة

أين الخلل.. قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستانهل سمعت بمتلازمة بيكا؟المهندسة تبارك علاء لـ شبكة النبأ: الرصيف اختبار حقيقي لإنسانية التصميمنقص الديزل يضرب العراق.. وإطفاء المولدات غدًاتقاعس جارتي العزيزة