تقاعس جارتي العزيزة
د. جليل وادي
2026-09-13 02:51
أجبرتني جارتي العزيزة على تلبية رغبتها، وما كان بوسعي الاعتذار منها، فهي امرأة في غاية الأدب ومن بنات الأصول، وأكن لها احتراما كبيرا، لذلك نفذت طلبها على مضض، وشذّبت الشجرة التي نتشارك ظلها الى النصف تماما، وكان عذرها ان هذه الشجرة الضخمة من الأشجار النفضية، ويتساقط ورقها وأزهارها التي تشبه الصوف بكثرة بحيث يضطرها الأمر الى تنظيف ممرات منزلها صباح كل يوم، وهو عمل مرهق وممل يا أخي، هكذا أنهت كلامها معي، مع ان الشجرة تكرمت علينا بظل وارف يغطي مساحة واسعة، وغالبا ما نلجأ اليه عند انقطاع الكهرباء الوطنية، وتعثر عمل مولد قريتنا، فضلا عن كونها مصدا للرياح المغبرة، والاستفادة من أخشابها حطبا لتنورنا الطيني الذي يفوق طعم خبزه ما تنتجه مخابز المدينة، او تنانير الاستيل المنزلية التي تعمل بالغاز، او في مواقد الشواء، ومنظرها الجميل طوال أيام السنة باستثناء فصل الخريف الذي تنزع فيه ردائها القديم لترتدي ثوبا جميلا يسّر الناظرين.
لا يمكنني تجاوز رغبة جارتي، لأن الحفاظ على مودة الجيران أهم بكثير من أية شجرة، بالرغم من ان أصعب الأشياء عندي قطع شجرة، وهذا ما أوصى به نبينا الأكرم، لكن قطع الأشجار بسبب ما تخلفه من أوساخ صار من الظواهر غير المرغوب فيها، ويأتي ذلك بدافع التقاعس، واذا كان القطع بلا مبرر منطقي فيمكن تصنيفه ضمن السلوك العدواني غير الواعي.
وهذا ما أكده علماء النفس كقطع الأطفال للأغصان المتدلية من الأسيجة، او المزروعة في الحدائق العامة او في الجزرات الوسطية، او ضرب الحيوانات الأليفة بالحجارة، وبعضها حتى الموت مع انها شريكتنا في الحياة.
ويذكرني قطع الأشجار بتلك الغابة الواسعة ذات الأشجار فارعة الطول التي زُرعت في مدخل مدينتنا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وكانت متنفسا للأهالي على مدى عقود، لكن شحة وقود الطبخ من الغاز والنفط الأبيض ابان الحصار والعدوان الامريكي الظالم في التسعينيات اضطر الأهالي الى قطع أشجارها لتجاوز أزمتهم الخانقة، كما قطعت ادارات بعض المدارس والكليات أشجارها وتصنيعها مقاعد دراسية، واليوم اختفى أثر هذه الغابة تماما، وبعض مساحاتها تحولت الى دور سكنية، ولم يخطر في بال المسؤولين على مدى ثلاثة عقود زراعة غابة بديلة بالرغم من المساحات الشاسعة التي تتمتع بها المحافظة، او اعادة زراعة ما بقي من مساحات فارغة في الموقع نفسه.
ما يؤسف له ان ثقافة الزراعة تراجعت لدينا، ليس لدى عامة الناس فحسب، بل لدى النخبة أيضا، ومثال ذلك حديقة المدرسة التي أُهملت بشكل ملحوظ، ولم تعد من بين مشاغل الادارة، وصارت ساحات المدارس أرضا قاحلة، او عبارة عن قطعة كونكريتية تزيد من حرارة أجواء المدرسة، الغريب في الأمر ان مدارس القرى والأرياف لا تختلف عما جرى لمدارس المدن من اهمال للحدائق، بالرغم من امتهان أهلها للزراعة، ومَنْ بعمري من حضراتكم يتذكر كيف كانت ادارة المدرسة تكلف وبشكل دوري معلميها بحماية الحديقة من عبث التلاميذ أثناء فرص الاستراحة بين الدروس، كما لم نلحظ توجيها من مديريات التربية للمدارس بالاهتمام بحدائقها، او زيارتها من قبل مشرفين لهذا الغرض.
اما الجزرات الوسطية وجوانب الشوارع العامة فزراعتها تأتي كإسقاط فرض، تزرع وتترك دون سقي، او تسقى بالسيارات الحوضية، واذا ما تعطلت هذه السيارات او كُلفت بمهمة أخرى نرى المزروعات قد تيبّست جراء العطش، وغالبا ما تزرع هذه الأمكنة بأشجار غير ظلية او سريعة النمو كزراعتها بأشجار النخيل محدودة الظل وبطيئة النمو، وأكثرها ماتت ولم يبق منها سوى عدد محدود جدا لا يفي بالمطلوب، ومثال ذلك مدخل العاصمة المؤدي الى كركوك، كما لم تملأ الفراغات بأشجار جديدة، ولا أعرف سببا وجيها لعدم زراعتها بأشجار مثمرة، بخاصة الجزرات الوسطية.
الناس يا مسؤولينا المحترمين بحاجة للترويح عن أنفسهم وأطفالهم من الروتين اليومي، وتبديد الملل، واستعادة الحيوية والنشاط، وبث البهجة في النفوس، وذلك لن يكون من دون متنفسات خضراء التي تعد من أقل المشاريع كلفة وأبسطها عملا، ولدينا من المساحات الفارغة ما يكفي. صدقوني ان البلدان العظيمة تبدأ بالأشياء البسيطة، فغير القادر على انشاء حديقة عامة، لا يمكنه بناء مصنع للصواريخ.