كيف أعادت الشبكات الاجتماعية تشكيل الوعي السياسي وصناعة الرأي العام؟
شبكة النبأ
2026-05-16 03:32
لم تعد الديمقراطية في عالم اليوم تُقاس فقط بصناديق الاقتراع أو بعدد الأحزاب وحرية الصحافة التقليدية، فثمة مساحة جديدة باتت تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل المزاج العام، وتوجيه المواقف، وصناعة الأحداث نفسها، إنها الفضاء الرقمي الذي نقل السياسة من القاعات المغلقة إلى الشاشات المفتوحة، ومن النخب الضيقة إلى الجمهور الواسع.
لقد غيّرت الشبكات الاجتماعية طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعلومة، وبين المواطن والسلطة، وحتى بين الدولة والرأي العام. فخلال سنوات قليلة فقط، تحولت هذه المنصات من أدوات للتواصل الشخصي إلى قوة اجتماعية وسياسية هائلة تمتلك القدرة على التحريك والتأثير والتعبئة وكشف الحقائق وصناعة السرديات المتنافسة.
في الماضي، كانت الحكومات تملك السيطرة شبه الكاملة على تدفق المعلومات، وكانت الرواية الرسمية غالبًا هي الرواية الوحيدة المتاحة، أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول منصة إعلامية متكاملة، وأصبح الفرد العادي قادرًا على نقل صورة أو مقطع فيديو أو شهادة مباشرة قد تهز مؤسسة كاملة أو تغيّر اتجاه نقاش عام في غضون دقائق.
هذه التحولات منحت المجتمعات مساحة أوسع للتعبير، ووسّعت مفهوم المشاركة السياسية، إذ لم يعد المواطن متلقيًا سلبيًا لما تبثه المؤسسات الرسمية أو وسائل الإعلام التقليدية، وإنما صار جزءًا من عملية إنتاج الرأي نفسه. ومن هنا بدأت الشبكات الاجتماعية تلعب دورًا معقدًا في تشكيل التجارب الديمقراطية الحديثة، خصوصًا في المجتمعات التي تعاني من ضعف المؤسسات أو محدودية الحريات.
لقد كشفت هذه المنصات حجم القوة التي يمكن أن يمتلكها الرأي العام حين يجد وسيلة للتعبير والتنظيم والتأثير. فالكثير من الاحتجاجات والتحولات السياسية في المنطقة العربية لم تكن لتأخذ زخمها المعروف لولا الفضاء الرقمي الذي كسر احتكار المعلومة وفتح المجال أمام التنسيق الشعبي والتعبئة الجماهيرية ونقل الأحداث بصورة لحظية.
لكن الوجه الآخر لهذه القوة لم يكن دائمًا إيجابيًا. فالمساحة المفتوحة التي سمحت بحرية التعبير، أتاحت أيضًا انتشار الفوضى الرقمية، وصعود خطاب الكراهية، والتضليل الإعلامي، وصناعة الشائعات، وتحويل بعض المنصات إلى ساحات للاستقطاب الحاد بدل الحوار.
وهنا ظهرت المفارقة الأكثر تعقيدًا؛ فالأدوات التي عززت الديمقراطية في جانب معين، أصبحت قادرة في الوقت نفسه على تهديدها من الداخل. إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على قمع الحريات كما في الأنظمة التقليدية، وإنما ظهرت أزمة جديدة تتعلق بإدارة الحرية ذاتها، وكيف يمكن حماية المجال العام من الانهيار الأخلاقي والمعرفي دون العودة إلى الرقابة الصارمة أو مصادرة التعبير.
في كثير من الأحيان، يتحول النقاش العام داخل الشبكات الاجتماعية إلى معارك نفسية وهوياتية أكثر من كونه حوارًا عقلانيًا. فبدل تداول الأفكار، تتصاعد حملات التخوين والتشهير والتسقيط، ويتراجع التفكير النقدي أمام الانفعال اللحظي والرغبة في الانتصار الرمزي. ومع الزمن، تنتج هذه الحالة مجتمعات متوترة تعيش داخل فقاعات مغلقة، لا تسمع إلا الأصوات التي تشبهها.
الأخطر من ذلك أن بعض الجماعات المتطرفة والتنظيمات العنيفة أدركت مبكرًا أهمية هذه المساحات الرقمية، فاستثمرتها في نشر أفكارها وتجنيد الأنصار وبناء شبكات التأثير العابرة للحدود. وهنا لم تعد الشبكات الاجتماعية مجرد أدوات تواصل، وإنما تحولت أحيانًا إلى ساحات للصراع الفكري والسياسي والأمني.
ومع ذلك، فإن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طبيعة الاستخدام والثقافة التي تحكم هذا الاستخدام. فكل وسيلة تحمل في داخلها إمكانية البناء والهدم معًا، والمجتمعات الواعية وحدها القادرة على تحويل هذه الأدوات إلى قوة لصالح الاستقرار والوعي والتنمية بدل الفوضى والانقسام.
إن الديمقراطية الرقمية لا تعني فقط إتاحة الكلام للجميع، وإنما تعني أيضًا بناء مسؤولية جماعية تحمي الحقيقة، وتحترم الاختلاف، وتوازن بين الحرية والأخلاق العامة. فالمجتمعات التي تكتفي بإطلاق الحريات دون بناء وعي نقدي، قد تجد نفسها أمام فوضى معلوماتية تُضعف الثقة بالمؤسسات وتُربك المجال العام بدل إصلاحه.
وفي العراق، كما في كثير من الدول العربية، لعبت الشبكات الاجتماعية دورًا متناقضًا؛ فهي من جهة كشفت الفساد، وفتحت المجال أمام أصوات شبابية جديدة، وكسرت احتكار الخطاب التقليدي، لكنها من جهة أخرى ساهمت أحيانًا في تعميق الانقسام، وتغذية التوترات، وتحويل النقاشات العامة إلى صراعات حادة تُدار بالعاطفة أكثر من العقل.
لهذا تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى ثقافة رقمية جديدة، لا تتعامل مع الحرية بوصفها انفلاتًا، ولا مع التنظيم بوصفه قمعًا. فالمعادلة الأكثر صعوبة في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة بإنتاج التكنولوجيا، وإنما بإنتاج الوعي القادر على استخدامها بطريقة إنسانية ومسؤولة.
توصيات لتعزيز الدور الإيجابي للشبكات الاجتماعية
تعزيز التربية الإعلامية والرقمية داخل المدارس والجامعات لخلق جيل يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
تشجيع ثقافة الحوار واحترام الاختلاف بدل تحويل المنصات إلى ساحات للعداء والانقسام.
تطوير قوانين رقمية تحمي حرية التعبير وتواجه في الوقت نفسه خطاب الكراهية والتحريض والعنف الإلكتروني.
دعم الصحافة المهنية الرصينة بوصفها عنصرًا ضروريًا لمواجهة الفوضى المعلوماتية.
نشر الوعي بأخلاقيات النشر والمسؤولية الفردية تجاه تداول الأخبار والمعلومات.
تشجيع المبادرات الشبابية التي تستخدم الفضاء الرقمي لنشر الوعي والثقافة والتنمية المجتمعية.
بناء منصات حوارية رقمية تجمع مختلف الآراء والتيارات ضمن بيئة نقاش حضارية.
تدريب المؤسسات الرسمية على التواصل الرقمي الشفاف بدل الاكتفاء بالخطاب التقليدي المغلق.
دعم المحتوى الثقافي والفكري الجاد القادر على موازنة هيمنة المحتوى السريع والانفعالي.
ترسيخ فكرة أن الحرية الرقمية مسؤولية اجتماعية وليست مجرد حق فردي معزول عن أثره العام.
خلاصة واستشراف
يبدو العالم متجهًا أكثر فأكثر نحو ديمقراطية تُصنع على الشاشات بقدر ما تُصنع في المؤسسات، فالرأي العام لم يعد ينتظر البيانات الرسمية كي يتشكل، وإنما يولد ويتحرك ويتفاعل بصورة لحظية داخل الفضاء الرقمي. وهذا التحول يضع المجتمعات أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على بناء وعي يوازي سرعة التكنولوجيا.
الشبكات الاجتماعية ليست عدوًا للديمقراطية ولا منقذًا مطلقًا لها، إنها مرآة تعكس مستوى النضج السياسي والثقافي للمجتمعات. وكلما ارتفع وعي الإنسان بطريقة استخدام هذه الأدوات، تحولت إلى قوة لدعم الحرية والعدالة والمشاركة، وكلما غاب الوعي، أصبحت ساحة للفوضى والاستقطاب والتلاعب بالعقول.
وفي المستقبل، لن يكون السؤال الأهم: من يمتلك التكنولوجيا؟ بل: من يمتلك القدرة على استخدامها لصناعة مجتمع أكثر توازنًا وإنسانية ووعيًا.