تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان
أ. د. عبد الجبار الرفاعي
2026-02-18 04:40
الحرية لا تبلغ نهاياتها، فهي مشروع لا ينتهي، ومسعى متواصل لا يعرف الاكتمال. كلما بلغ الإنسان محطة في سعيه نحو التحرر، قادته تلك المحطة إلى أفق أوسع، ونقطة أبعد، لتحطيم قيود أخرى لم يكن يراها من قبل. كلما انعتق من قيد، تكشفت له قيود جديدة تحاصره من حيث لا يدري، تتوالد في كهوف السلطة، وتتغذى من الاستبداد، وتنبعث من تسلط الشركات الرأسمالية العملاقة للذكاء الاصطناعي، وتسلط المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية. حتى ما يبدو تطورًا تكنولوجيًا، لا يخلو من وجه آخر يقيد الإنسان ويحد من حريته.
يتبدل مفهوم السلطة كلما تطور واتسع حضور الذكاء الاصطناعي، فلم تعد السلطة يحتكرها السلاح، وإنما تتجسد في رؤوس أموال شركات هذا الذكاء العملاقة، بما هي قوة شاملة تعيد تنظيم العالم وتوجيه مساراته المتنوعة. المال لم يعد أداة تبادل، وإنما صار بنية حاكمة توجه إنتاج المعرفة، وتحدد حدودها واتجاهاتها وغاياتها، وتقرر مَن يملك حق الوصول إليها ومَن يحرم منها. مَن يمتلك المال يمتلك اقتصاد المعرفة، ومَن يمتلك اقتصاد المعرفة يمسك بالمفاتيح الخفية للسلطة والهيمنة، حيث تصاغ الخوارزميات، وتدار البيانات، ويعاد تعريف الإنسان بوصفه معطى رقميًا قابلًا للاستثمار والتوظيف. في هذا الواقع تفقد المعرفة حيادها، وتخضع لمنطق السوق، وتنقطع عن وظيفتها الإنسانية، فتتحول من أفق للتحرر إلى أداة سيطرة شاملة، تعيد إنتاج اللامساواة بين البشر، على أساس القرب من منابع المعرفة والتحكم بها.
التربية والتعليم تتحكم بمخرجاتها سلطة رؤوس الأموال ومتطلبات أسواق العمل، ذلك ما نراه في انصراف الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون وتضخم التخصصات التي تستجيب لطلبات أسواق العمل. تخضع التربية والتعليم اليوم لسلطة السوق في توجيه مخرجاتهما، فتغدو المعرفة محكومة بمنطق الربح المالي والطلب، لا بحاجات تكوين الإنسان وبناء عقله وتنوير وعيه، وايقاظ القيم وترسيخها في ضميره، ولا بإنتاج وتنمية المعاني الأخلاقية والروحية والجمالية لديه. يظهر ذلك بوضوح في انصراف أعداد متزايدة من الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون، بوصفها معارف لا تحقق عائدًا ماليًا سريعًا، ويواكب هذا الانصراف تضخم التخصصات التي تستجيب لمتطلبات أسواق العمل. في هذا الواقع تخسر التربية والتعليم وظيفتهما بوصفهما أفقًا لبناء العقل وتنمية القدرة على التساؤل والنقد وتنوير الوعي، وتنمية الحس الأخلاقي، وبناء المعنى، وتصيران مسارًا تقنيًا يجري اعداد الطالب فيه لمهنة تلبي متطلبات أسواق العمل، وتقاس قيمة هذه المهنة بما تقدمه من عوائد مادية سريعة، لا بما تسهم به في اثراء وعي الإنسان وحماية كرامته وتوسيع أفق إنسانيته. هكذا تنشأ سلطة وتتغول لتحدد وجهة التفكير بما تنشده أسواق العمل، وتوجه الرغبات، وتحدد ما يظهر وما يغيب، وفي عالم تحكمه هذه السلطة تغدو معركة الإنسان معركة على المعنى، وعلى تحرير المعرفة من قبضة المال، وردها إلى موقعها بوصفها شرطا لكرامة الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.
الذكاء الاصطناعي، بكل ما يعد به من تسهيلات، ينطوي على تهديد متصاعد لحرية الفرد واستقلال إرادته، ما لم تضبط مساراته بقيم إنسانية، وتشريعات عادلة، ورقابة أخلاقية حقيقية. وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي يمارسان شكلًا جديدًا من الإكراه، لا يستند إلى العنف الظاهر، بل يتسلل إلى وعي الإنسان بالإغراء والتكرار، وضيق مساحة الاختيار. ما يتاح له أن يراه أو يتلقاه أو يثق به، ليس ما ينشر وحده ما يصوغ هذا الإكراه، بل الخوارزميات نفسها، التي تتحكم في آلية التوزيع، لا تعمل بوصفها أدوات محايدة، بل تمارس تحيزاتها الخفية، وتعيد توجيه الرغبات، وتعيد هندسة الذائقة، كما لو أن هناك أيديولوجيا خوارزمية تشتغل في الخفاء.
في التطور الفائق للذكاء الاصطناعي تعاد صياغة الوعي، ويضيق أفق الأسئلة، وتخفت إمكانيات التأمل الحر، كلما طال مكوث الإنسان وغرق في نسيج الخوارزميات. حين يألف نمطًا واحدًا من التفكير والتلقي، يتبلد عقله النقدي، وتتراجع حاجته إلى الآخر المختلف، ويبدأ في الانغلاق على هويته الصلبة بوصفها كل العالم في نظره. عندئذ، تتقوض التربية بوصفها مشروعًا لتحرير الإنسان، وتفقد المعرفة قدرتها على الكشف، وتغدو مجرد تكرار لما تنتجه الآلة، لا لما تتطلبه حرية الفكر وطرق اكتشاف الحقيقة. بدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لتوسيع الأفق، تتحول إلى قيد جديد، ينقض ما تبقى من حرية الإنسان في التفكير والتعبير والاختيار.
الذكاء الاصطناعي قدر عصرنا، لا مهرب من التعايش معه، ولا سبيل لعزل الحياة عنه. المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في أثره المتزايد على حرية الإنسان واختياراته وإرادته. تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش سلطة الإنسان، فكلما تقدم الذكاء الاصطناعي خطوة، تقلص معها هامش الحرية، واتسع مجال تسلطه، وضاق مجال سلطة وقرار البشر، حتى يغدو الإنسان تدريجيًا كما لو أنه آلة تنفذ ما تمليه عليها خوارزميات خفية.
من أخطر الآثار السلبية لتطور الذكاء الاصطناعي تخدير الذهن وكسله وشعوره بالعجز حيال الأسئلة العويصة، حين يتكفل بالإجابة السريعة عن كل شيء، فيغري العقل بالاكتفاء، ويصرفه عن عناء التفكير العميق. عندئذ تخبو ملكة التأمل، ويضعف الشغف بالتعلم الذي يوقد طاقة الابداع وإنتاج المعرفة، ويوقظ الأسئلة الخاملة، ويحرك القلق الخلّاق في الوعي. في هذا الواقع يدمن العقل على الاتكاء على غيره، ويفقد ثقته تدريجيًا بقدرته على الإجابة عن الأسئلة الحائرة والبحث والتمحيص، مع أن نموه الحقيقي لا يتحقق إلا حين يعتمد على نفسه، ويخوض تجربة السؤال والجواب، ويتدرب على بناء المعرفة داخله، لا استهلاكه لها جاهزة.
في ظل هذا الواقع يتراجع الاجتهاد، وتضمحل الحاجة إلى امتحان العقل بالتفكير الصبور العميق، ويستبدل الوعي الإنساني بوعي مستعار يمليه الذكاء الاصطناعي. لا يقتصر أثره على المعرفة فقط، بل يمتد إلى تشكيل نمط وجود الإنسان وإعادة تعريفه لذاته وهويته، وتهديد بنية الثقافة، وتفكيك الذاكرة الجمعية. يتسلل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى عمق الذات، ويعيد ترتيب صلاتها بالعالم، على نحو يزعزع الأسس التي يتكون فيها المعنى، وتتجذر فيها المرجعيات الشخصية والاجتماعية.
في هذا العصر نواجه ضربًا جديدًا من التشييء، لا يفرضه عنف مباشر، بل يتسرب ببطء حتى تتآكل الحرية، وتذوب الذات في صيغ برمجية لا تتيح لها أن تكون حرة فاعلة مختلفة. الذكاء الاصطناعي يهدد بتحولات بنيوية للحياة الإنسانية، ما لم يضبط بمبادئ قيمية وضمائر أخلاقية يقظة، ويحصن بضوابط قانونية صارمة بتطبيقها، تراعي كرامة الإنسان، وتحمي حرياته من الذوبان في نسيج الخوارزميات. لا يمكن الوثوق بما يعد به التطور الفائق للذكاء الاصطناعي من تسهيلات، إن لم تخضع لرقابة الأخلاق، ومساءلة القيم، واستحضار الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.
أخطر ما يهدد مصير الإنسان وحضارته أن ينفلت الذكاء الاصطناعي من قبضته، ويدير ذاته بمعزل عن إرادة الإنسان، فتغدو كيانًا مستقلًا لا يسهم الإنسان في توجيه مساره، ولا يملك زمام قراراته. ذلك ما تلوح بوادره في تنبؤات بعض خبراء الخوارزميات، وما يتكشف في الأفق من سيناريوهات تنذر بانقلاب العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حتى يغدو الإنسان ملحقًا به، لا صانعًا له. حين تقصى القيم الإنسانية من هندسة هذا الذكاء، وتختزل الغايات في الكفاءة والربح المادي فقط، يتحول التطور الفائق للذكاء الاصطناعي إلى تهديد وجودي، ويغدو ما ينتج باسم التقدم سببًا في غربة الإنسان عن كينونته الوجودية، وضمور جوهره الأخلاقي والروحي والعاطفي، وتشويه ذائقته الفنية، وإضعاف حسه الجمالي، وتجفيف منابع وعيه وعقله النقدي.
الإنسان ليس أداة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وظيفة في نظام آلي، يجرده من إرادته، ويصادر حريته في أن يكون ذاته. مستقبل الإنسانية مرهون بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي على أساس إنساني عميق، يستعيد فيه الإنسان مركزيته، ويعيد توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون خادمًا لحاجاته، لا سيدًا لمصيره. التقدم الحقيقي لا يقاس بما تتيحه الآلة من قدرات، بل بما تحتفظ به الروح من إمكان للسمو، وبما تصان به كرامة الإنسان من الضياع في مدارات الوظائف والسرعة والعائد المادي. الذكاء الاصطناعي الفائق الذي لا يحرسه القانون العادل، ولا توجهه الأخلاق، يتحول إلى قوة عمياء، تهدم ما يبدو أنه يبنيه، وتفرغ الحياة من معناها، وتقصي الإنسان عن موقعه بوصفه سيدًا للأرض.