مكاسب الذكاء الاصطناعي

أ. د. عبد الجبار الرفاعي

2026-02-05 12:22

مكاسب الذكاء الاصطناعي التوليدي هائلة، تحدث منعطفا نوعيا كبيرا في كل حقول حياة الإنسان، إذ يمثل هذا الذكاء منعطفا تكنولوجيا وحضاريا ربما يكون الأعظم في تاريخ تطور التكنولوجيا، من حيث آثاره المتنوعة في مجالات الحياة المتنوعة، منذ اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولا جذريا شمل مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولا عميقا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لبلادنا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمّق اغترابنا عن العصر.

من مكاسب الذكاء الاصطناعي تطوير التربية والتعليم بوصفه تحولًا في معنى التعلم ذاته، إذ ينتقل التعليم من نموذج التلقين إلى تجربة شخصية تتكيف مع شخصية المتعلم واستعداده وطرائق فهمه، فيتيح مسارات تعليمية مرنة تعالج الفجوات المعرفية منذ بداياتها، وتدعم التعليم المستمر، كما يمكّن المعلم من أداء دوره التربوي عبر تخفيف أعباء التصحيح والأعمال الإدارية، وتزويده بتحليلات دقيقة عن تقدم الطلبة واستجابتهم، واقتراح استراتيجيات تدريس أكثر ملاءمة، ويسهم في إثراء المحتوى التعليمي عبر المحاكاة، والواقع الافتراضي، والتجارب التفاعلية التي تحول المعرفة إلى خبرة معاشة، ويعزز تكافؤ الفرص التعليمية من خلال منصات ذكية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخدم المتعلمين في البيئات المضطربة.

كما يفتح أفقًا واسعًا للتعليم الشامل عبر أدوات داعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، من ترجمة فورية، وقراءة ذكية، وتكييف المحتوى، إلى جانب تحسين إدارة المؤسسات التعليمية عبر التنبؤ بالتسرب، واعداد المناهج، وتقييم جودتها بصورة مستمرة، ليغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا يعيد بناء التعليم بوصفه فعل فهم وتكوين إنساني، لا مجرد تكديس للمعرفة أو استبدال لدور المعلم والمتعلم.

كما يحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا عميقًا في الطب، إذ يسهم في تسريع تحليل البيانات الطبية الضخمة مثل السجلات الصحية والجينومات، مما يتيح فهمًا أدق للأمراض المعقدة، ويدعم التشخيص المبكر عبر تحليل صور الأشعة والرنين المغناطيسي والتصوير المجهري بدرجة عالية من الدقة.

كما يمكّن من تطوير الطب الشخصي من خلال مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض، ويساهم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الجزيئية والتنبؤ بفاعلية المركبات قبل التجارب السريرية. إلى جانب دوره القادم عبر الروبوتات الجراحية التي تمكّن من تدخلات دقيقة طفيفة التوغل الجراحي، وتقلل الأخطاء الطبية، وتحدّ من النزف والمضاعفات، وتسرع تعافي المرضى، كما تسمح بإجراء عمليات معقدة عن بُعد بدقة عالية، إضافة إلى تحسين مراقبة المرضى والتنبؤ بتدهور الحالات الصحية قبل تفاقمها، ودعم القرار الطبي بما يرفع جودة الرعاية ويخفض المخاطر ويحفظ حياة الإنسان.

يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تطوير الصناعة الدوائية، إذ يغيّر جذريًا المدة والكلفة والطرق التقليدية لإنتاج الأدوية، فيسهم في تحليل البنى الجينية والبروتينية للفيروسات والبكتيريا بسرعة فائقة. في الصناعة الدوائية يساعد الذكاء الاصطناعي على فحص ملايين المركبات الكيميائية افتراضيًا لاختيار الأكثر نجاعة بالعلاج، والتنبؤ بفعاليتها وآثارها الجانبية في المراحل المبكرة، مما يقلّل من معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويسرّع الانتقال من البحث إلى الإنتاج، كما يدعم تحسين تركيبات الأدوية، وضبط جرعاتها، وتطوير أدوية مخصصة وفق الخصائص الجينية للمرضى، إضافة إلى تحسين سلاسل الإمداد الدوائي والتنبؤ بالطلب، ليغدو الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في صناعة دوائية أكثر دقة وسرعة وكفاءة، منخفضة الكلفة، وقادرة على الاستجابة السريعة للأوبئة والأمراض المستعصية.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على إحداث تحول عميق في اكتشاف اللقاحات وتطويرها، إذ لم يعد البحث العلمي فيها مسارًا بطيئًا قائمًا على التجربة العمياء، بل أصبح فعلًا ذكيًا يستند إلى نمذجة دقيقة للبنى البروتينية للفيروسات، والتنبؤ بالمناطق الأكثر قابلية لأن تُستهدف لقاحيًا. 

تمكّن هذه النمذجة من محاكاة التفاعل بين اللقاحات والجهاز المناعي داخل بيئات رقمية، فتختبر الفرضيات قبل الانتقال إلى المختبر، ويعاد ترتيب مسار البحث. ظهر ذلك جليًا في تسارع تطوير لقاحات كوفيد- 19 بفضل استخدام الخوارزميات لتحليل بروتين الشوكة واختيار البنى الأكثر قدرة على تحفيز الاستجابة المناعية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل لقاحات mRNA والتعاون الدولي واسع النطاق الذي وفر تمويلًا غير مسبوق. 

وقد أتاح نموذج AlphaFold لاحقًا تنبؤًا عالي الدقة ببنية البروتينات، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير لقاحات وأدوية ضد فيروسات سريعة التحور، وإن لم يكن دوره المباشر في اللقاحات الأولى كبيرًا. في هذا المجال، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل يعزز معرفته ويجعل المرض أكثر قابلية للفهم، بحيث يصبح اللقاح ثمرة معرفة علمية تتقدم نحو مواجهة الفناء.

 يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في السعي لاكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض العصية، عبر نقلة نوعية في فهم المرض وآلياته، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والبروتينية والسريرية لاكتشاف الطفرات الدقيقة والمسارات الخلوية المسؤولة عن نشوئه وتطوره، ويمكّن من التمييز بين أنماطه داخل النوع الواحد، فاتحًا الطريق أمام الطب الدقيق الذي يختار العلاج الأنسب لكل مريض وفق بصمته الجينية. كما يسرّع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الدوائية والتنبؤ بفعاليتها قبل التجارب السريرية، ويسهم في تطوير علاجات موجهة ومناعية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف أدوية قائمة بآليات جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية واختيار المرضى الأكثر استجابة. 

في الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر والباركنسون، يساعد الذكاء الاصطناعي في كشف المؤشرات الحيوية المبكرة وفهم الشبكات العصبية المعطوبة، ممهدًا لتدخلات تستهدف جذور المرض لا أعراضه فقط. بذلك يغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا علميًا يحول السرطان والأمراض العصية من مصير مغلق إلى مسار علاجي مفتوح على الأمل، قائم على المعرفة الدقيقة والتشخيص المبكر والوقاية والسيطرة التدريجية.  

يعود بطء اكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض المستعصية إلى تعقيد هذه الأمراض ذاتها، وإلى الفجوة بين الاكتشاف النظري والتحول السريري الآمن، إضافة إلى منطق السوق الرأسمالية القائم على تقديم الاهتمام بالأرباح وتكديسها، على التفكير بجودة حياة الإنسان، لذلك يهتم بالعلاجات الأقل مخاطرة مالية، ولا يشجع على توظيف رؤوس أموال هائلة في مسارات علاجية عالية الكلفة وغير مضمونة، فضلًا عن حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعتمد على بيانات غير مكتملة، ومع ذلك فإن ما ينجزه هذا الذكاء اليوم يعيد تفكيك المرض ويحوله من مصير مغلق إلى حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها تدريجيًا.

وعلى الرغم مما يثيره تسارع الذكاء الاصطناعي في الطب من وعود كبيرة في التشخيص والعلاج والوقاية، ومن دقة قراءة الفحوص الطبية إلى تصميم علاجات مخصَّصة لكل مريض، غير أن هذا التحول لا يقاس بإنجازه التقني وحده. 

الطب يمس الجسد والكرامة وحق الإنسان في الحياة، والخوارزميات المعتمدة على بيانات ناقصة أو منحازة قد تنتج تشخيصًا جائرًا أو علاجًا مؤذيًا، كما أن التلاعب بالبيانات يهدد مصداقية البحث العلمي ويقوض الثقة بالمعرفة الطبية، ويمكن أن يمارس التحايل في أنظمة التأمين ورفع كلفة الرعاية الصحية. ويتفاقم الخطر مع اتساع الفجوة الصحية بين الدول، حيث تحتكر المجتمعات المتقدمة تقنيًا أفضل العلاجات، فيما لا تتاح لغيرها من الدول الفقيرة هذه التقنيات وفرص العلاج والوقاية. لذلك لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي الطبي كأداة محايدة، إذ إن غياب الشفافية والمساءلة والأطر الأخلاقية والقوانين الصارمة يحول الوعد العلاجي إلى مصدر جديد للهيمنة واللامساواة، فيما تشكّل الأخلاقيات والقوانين البوصلة التي تضمن توظيف هذه التقنيات في حماية كرامة الإنسان وحقه في العدالة العلاجية.

أما في مجال التنبؤ بالمناخ والكوارث فيفتح الذكاء الاصطناعي أفقًا أوسع لقراءة تعقيد الظواهر الطبيعية، من خلال تحليل محطات زمنية متسلسلة من بيانات الطقس والمحيطات وحركة الصفائح الأرضية، بما يتيح فهمًا أدق لمسارات التحوّل في الطبيعة، ويسهم في تطوير نماذج أكثر موثوقية للتنبؤ بالأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف والحرّ الشديد، ويعزّز قدرات الإنذار المبكر بالزلازل والانهيارات، كما يظهر ذلك في أنظمة الرصد المعتمدة اليوم التي تكشف الأعاصير المدارية وحرائق الغابات في مراحلها الأولى، فتمنح الإنسان فرصة الاستعداد وتقليل الخسائر، وتحول المعرفة العلمية من انتظار الكارثة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي المتصالح مع قوانين الطبيعة ومباغتاتها.

 وفي التكنولوجيا والصناعة يعزّز الذكاء الاصطناعي الأتمتة الذكية التي لا تكتفي بتكرار العمل، وإنما تتعلّم وتصحح ذاتها، فيرفع الكفاءة الإنتاجية، ويخفض الهدر والأخطاء، ويحرر الإنسان من الأعمال الشاقة والخطرة. في الوقت نفسه يسهم في تقوية الأمن السيبراني عبر كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل أنماط الاختراق الخفية التي تعجز عنها المراقبة التقليدية، كما يفتح أفقًا جديدًا لتطوير شبكات الطاقة الذكية القادرة على موازنة الإنتاج والاستهلاك لحظيًا، ويدمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة، لا بوصفه سيدًا متغوّلًا، وإنما بوصفه عقلًا مساعدًا يعين الإنسان على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه، ويمكّنه من التعامل معه بأقل قدر من الخسارة، وأكبر قدر من الحكمة.

في البناء والهندسة يتيح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة عبر التصميم التوليدي الذي يولد حلولًا إنشائية متعددة تستجيب لمعايير السلامة والكلفة والاستدامة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد التي تتيح محاكاة المبنى قبل تنفيذه ورصد أخطائه مبكرًا، كما يسهم في جدولة المشاريع بدقة عالية، وتقليل الهدر في المواد والوقت، وتعزيز السلامة في مواقع العمل عبر أنظمة مراقبة ذكية ترصد المخاطر قبل وقوعها. 

ويتولى البناء الروبوتي المهام الخطرة والمتكررة والشاقة بكفاءة وانتظام، فيسهم في خفض الكلفة والوقت، ورفع المتانة والديمومة، من خلال تنفيذ الأعمال الإنشائية بدقة عالية، تخفض الهدر وتقلص أخطاء التنفيذ، كما يتيح روبوت البناء إنجاز الهياكل في مدد أقصر، ويخفض الحوادث وكُلف التأخير في البيئات الوعرة والخطرة. وإلى جانب ذلك تسمح أنظمة البناء الروبوتي بدمج أجهزة استشعار ذكية تُدمَج داخل المباني أو الجسور أثناء عملية البناء، وظيفتها قياس ومراقبة حالات فيزيائية محددة بشكل مستمر، مثل الضغط والإجهاد، الاهتزاز، التشققات المختلفة، الرطوبة، والحرارة. 

تعمل هذه الأجهزة على جمع بيانات لحظية عن حالة الهيكل الإنشائي، ثم تُحلَّل هذه البيانات بواسطة أنظمة ذكية لاكتشاف أي خلل مبكر قبل أن يتحول إلى انهيار خطير، وهو ما يسمح بالصيانة الاستباقية بدل الانتظار حتى وقوع العطب. بهذا المعنى لا تكون أجهزة الاستشعار الذكية مجرد أدوات تقنية، بل عينًا دائمة داخل البناء تراقب صحته وتسهم في إطالة عمره، وتعزيز متانته، وضمان سلامة مَن يعيشون أو يعملون فيه.

كذلك يطور الذكاء الاصطناعي نماذج للمدن بوصفها مدنًا مستدامة عبر إعادة تنظيم علاقتها بالطاقة والموارد والإنسان، بواسطة أنظمة ذكية تدير الطاقة المتجددة بكفاءة عالية، فتتنبأ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتوازن بين العرض والطلب لحظيًا، وتخفض الهدر والانبعاثات. ويدير شبكات المياه والصرف الصحي والنفايات بذكاء، عبر التنبؤ بالاستهلاك والكشف المبكر عن التسرب وإعادة التدوير. ويعمل على تصميم عمراني مستدام عبر محاكاة المباني قبل تنفيذها لتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية وكفاءة الطاقة، فضلًا عن دعم الزراعة الحضرية الذكية، ومراقبة جودة الهواء، وتعزيز الاستجابة السريعة للكوارث، ليغدو الذكاء الاصطناعي عقلًا تشغيليًا للمدينة المستدامة، لا يكتفي بإدارة مواردها، بل يعيد توجيهها نحو انسجام أطول أمدًا بين الإنسان والبيئة.

ويطور الذكاء الاصطناعي أنظمة نقل ذكية تدير حركة المرور، وتخفض الازدحام والحوادث، ليغدو الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات أداة لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والصناعة والتقنية، إذ يعمل على الانتقال من مراقبة حركة السير بعد وقوع الازدحام إلى استباقه قبل حدوثه، من خلال جمع وتحليل بيانات ضخمة من مصادر متعددة مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الاستشعار على الطرق، وإشارات المرور، وبيانات المركبات وتطبيقات الملاحة، ومعرفة الأنماط الزمنية والسلوكية لحركة السير، فيتنبأ بمناطق الاختناق وأوقاتها بدقة عالية، ويعدل توقيت الإشارات الضوئية تلقائيًا، ويعيد توجيه المركبات نحو مسارات بديلة، ويضبط السرعات المسموح بها للحد من التكدس والحوادث، كما يدمج بيانات الطقس والحوادث والأعمال الطارئة في نماذج تنبؤية تسمح بإدارة الأزمات المرورية لحظة بلحظة، ويطور أنظمة نقل ذكية تخفض الازدحام والتلوث عبر إدارة المرور التنبؤية وتشجيع النقل الكهربائي والمشترك. 

وبذلك تتحول إدارة المرور من استجابة متأخرة إلى إدارة ذكية استباقية، تقصر زمن الرحلات، وتحدّ من الانبعاثات، وتحسن سلامة الطريق وجودة الحياة في المدن.

 كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى علم الآثار على نحوٍ واسع، إذ يتيح قراءة الكتابات البائدة وفكّ رموز الخطوط المندثرة مثل المسمارية والهيروغلوفية والفينيقية وغيرها، عبر تحليل الأنماط اللغوية والبصرية في النقوش والرقم الطينية والبرديات، ومقارنة آلاف الشواهد النصية في زمن قصير، بما يعين الباحثين على استعادة معاني نصوص ظلت غامضة آلاف السنين.

كما يسهم في ترميم النصوص المتآكلة عبر التاريخ، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة منها اعتمادًا على السياق اللغوي والتاريخي، وتظهر أمثلة ذلك في استخدام خوارزميات التعلّم العميق لقراءة الألواح المسمارية المكسورة في حضارات وادي الرافدين، وفي مشروعات رقمية لفكّ طبقات النص الهيروغليفي المتضرر على جدران المعابد المصرية، وفي تحليل النقوش الفينيقية المتناثرة على شواطئ المتوسط لربطها بسياقاتها التجارية والدينية والثقافية، فضلًا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مطابقة اللغات القديمة بنظائرها السامية أو الهند وأوروبية، مما يفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الإنساني، ويحول علم الآثار من قراءة شظايا صامتة إلى حوار حيّ مع أصوات الماضي ومعانيه.

 كذلك يمكن أن يستعمل الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحليل النصوص الفلسفية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف البنى العميقة لها، ورصد تحولات المفاهيم والقيم، ودعم أبحاث علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية. 

ويمكن أن يتغلغل في الفنون والآداب ليفتح أفقًا جديدًا لمساعدة الفنان والأديب في التجريب، وإعادة قراءة التراث الفني والأدبي ورقمنته وحفظه، ليغدو الذكاء الاصطناعي أداة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمعرفة والإبداع والعمل والبناء، وتوسّع إمكاناته في الفهم والتخييل والابتكار، شرط أن يدار هذا التحول ضمن أفق أخلاقي وإنساني يصون مكانة الإنسان كسيد في الأرض، ويحفظ للعلوم الإنسانية والفنون والآداب معناها، بوصفها تعبيرًا عن تجربة الإنسان الوجودية لا بديلًا شكليًا عنها.

ذات صلة

كيف تحقِّق سعادتَكَ؟ماذا تصنع لكي تحظى بحظ عظيم.. وتحصل على البركة؟شعبانُ الأَمَلتداعيات استقبال سجناء تنظيم داعش من سوريا وانعكاساته على العراقأهم مشكلة في العالم لعام 2026