ما تخبرنا به كلماتنا الجديدة عن قلقنا في عالم اليوم
الكلمات الرائجة تُظهر كيف يؤثر العصر الرقمي على حياتنا
شبكة النبأ
2026-01-13 02:35
يناقش هذا المقال المنشور في موقع علم النفس اليوم، كيف أصبحت الكلمات والمصطلحات الرائجة حديثاً مرآة تعكس قلقنا الجماعي في العصر الرقمي. حيث تستعرض أستاذة اللغويات الدكتورة فاليري فريدلاند كيف أن صعود مصطلحات مثل "اثارة الغضب" و"غثاء الذكاء الاصطناعي" و"العلاقات شبه الاجتماعية" يكشف عن مخاوف عميقة تتعلق بتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على أصالة حياتنا وطبيعة تفاعلاتنا البشرية.
النقاط الرئيسية
* تجسد الكلمات التي اكتسبت شعبية جديدة هذا العام التحولات في كيفية انخراطنا وتفاعلنا مع العالم.
* يعكس الكثير من هذه الكلمات قلقاً ثقافياً عميقاً بشأن الإنترنت والذكاء الاصطناعي.
* يشير البعض الآخر إلى أننا قلقون بشكل متزايد بشأن "الموثوقية" (الأصالة) وكيفية تقديم ذواتنا للآخرين.
ما القاسم المشترك بين "اثارة الغضب" و"شبه الاجتماعية" و"الغثاء الرقمي"؟
إنها جميعاً كلمات تتحدث عن الطرق التي تغلغل بها الإنترنت والذكاء الاصطناعي في حياتنا، وقد ارتفع استخدامها بشكل كبير خلال العام الماضي. ولكن الأهم من ذلك، أن هذه الكلمات تكشف عن قلق أعمق بشأن احتمالية "الاستغلال العاطفي" في العصر الرقمي، وهو الجانب المظلم لتبنينا للتكنولوجيا.
كلمات العام
في مطلع العام الجديد، تنظر القواميس ودور النشر والجمعيات العلمية إلى الوراء لتحديد "كلمات العام" (it words)، أي تلك التي انتشرت بقوة في المنشورات وموجزات الأخبار، وقادت عمليات البحث في المحركات والقواميس، وباتت تتردد حديثاً على ألسنة العاملين في مجالات التكنولوجيا والأعمال والإعلام والسياسة.
ما وجدوه، وبشكل كاسح، هو كلمات تصف عالماً جديداً يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي والعلاقات التي تتم عبر الوسائط الرقمية.
حياة على الإنترنت
عكست العديد من الكلمات الجديدة التي نوقشت بكثرة هذا العام التغيير الجذري الذي أحدثه الإنترنت في طريقة عيشنا وعملنا.
اختارت مطبعة جامعة أكسفورد مصطلح "اثارة الغضب" (Rage Bait) ككلمة العام لديها؛ وهي كلمة تصف المحتوى المنشور عبر الإنترنت الذي تم إنشاؤه خصيصاً لإثارة الغضب لغرض وحيد هو زيادة حركة المرور (Traffic) والتفاعل في الموقع. واستشهدوا بالارتفاع الهائل في استخدام الكلمة عبر وسائل الإعلام والمشاعر العامة كعوامل تدعم هذا الاختيار.
وفي إشارة أيضاً إلى الاستثمار العاطفي غير الصحي، اختار قاموس كامبريدج كلمة "شبه الاجتماعية" (Parasocial)، وهي كلمة تصف علاقة خيالية مع شخص ما -غالباً ما يكون مشهوراً أو مؤثراً- لا يعرف بوجودك أصلاً. وعلى الرغم من أن هذه الكلمة كانت موجودة في الأوساط الأكاديمية منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أن انتقالها إلى المحادثات السائدة كان مدفوعاً، في جزء كبير منه، بـ "الحميمية الزائفة" التي تساعد تفاعلات وسائل التواصل الاجتماعي مع هذه الشخصيات على خلقها.
كما ساهم انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في اختيار عدة كلمات أخرى. على سبيل المثال، اختارت كل من "جمعية اللهجات الأمريكية"، و"ميريام ويبستر"، و"قاموس ماكواري الأسترالي" كلمة "النفايات الرقمية/الغثاء" (Slop) أو "غثاء الذكاء الاصطناعي" (AI Slop) ككلمات العام لديهم، وذلك بناءً على الانتشار المتزايد للمحتوى المضلل أو منخفض الجودة الذي يغرق الموجزات الرقمية (Feeds) والمولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي.
نظرة أكثر إيجابية
لم تكن جميع اختيارات الكلمات المستندة إلى التكنولوجيا تركز على السلبيات؛ فقد اختار قاموس كولينز للغة الإنجليزية مصطلح "البرمجة بالحِس" (Vibe-coding)، أو إنشاء أكواد برمجية دون امتلاك أي قدرة على البرمجة، وذلك ببساطة عن طريق إخبار الذكاء الاصطناعي التوليدي بما تريد منه أن يفعله. يسلط هذا الاختيار الضوء على حقيقة أن الذكاء الاصطناعي لم يغير فقط ما نراه عبر الإنترنت، بل غير أيضاً أنواع المحتوى ومنتجات العمل التي يمكن لغير المتخصصين إنشاؤها الآن.
وعلى الرغم من عدم اختيارها كفائز، فإن كلمة "يتمتع بالفاعلية" (Agentic) أثارت الكثير من الضجة هذا العام، مشيرةً إلى المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي العام، حيث يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على التصرف باستقلالية متزايدة (أو فاعلية)، واتخاذ قرارات مستنيرة دون توجيه بشري.
باختصار، كانت حالة "الشد والجذب" بين التقدم الذي قد تتيحه التكنولوجيا وما قد تكلفنا إياه في المقابل، واضحة تماماً في الكلمات التي انفجرت شعبيتها هذا العام.
حياة تحت الأنظار
النقاشات حول الكلمات الجديدة أو المتزايدة الشعبية التي لخصت "روح العصر الثقافية" لهذا العام لم تتركز فقط حول تلك التي تصف كيف غيرت التكنولوجيا تفاعلنا عبر الإنترنت، بل ركزت أيضاً على كيف أن النشر المستمر عن حياتنا وأنشطتنا قد عقّد مفاهيم "الأصالة والموثوقية" في تقديم الذات.
إن الفكرة القائلة بأن الثقافة الحديثة جعلت الناس يشعرون بالحاجة إلى "تنسيق" (Curate) حياتهم لكي يراها الآخرون تظهر جلياً في الشعبية المتزايدة لكلمات مثل "زراعة الهالة" (Aura-farming) و "الاستعراضي" (Performative).
يشير مصطلح "زراعة الهالة" إلى المحاولة الجادة لإظهار الكاريزما أو الثقة، دون أن يبدو عليك أنك تحاول ذلك على الإطلاق.
أما صفة "استعراضي" (Performative) فقد تم توظيفها بطرق جديدة لفضح السلوك غير الأصيل، ويظهر ذلك بوضوح في عبارة "الرجل الاستعراضي" (Performative male)، التي تصف الرجل الذي يحاول إثارة إعجاب امرأة من خلال تقديم نفسه بشكل غير صادق على أنه حساس أو مؤيد للنسوية. هذه الفكرة القائلة بأن الناس غالباً ما يتقمصون دوراً للعرض العام فقط قد قادت أيضاً لاستخدامها في عبارات مثل "ناشط استعراضي" و "سياسة استعراضية".
الهروب من كل شيء
كان الموضوع الرئيسي الثالث في حصاد الكلمات التي برزت أو اشتهرت حديثاً هذا العام هو "الابتعاد" عن المشتتات المستمرة (غالباً عبر الإنترنت) للتركيز على ما هو مهم حقاً.
على سبيل المثال، نما استخدام عبارة "لمس العشب" (Touching grass) بشكل كبير منذ ظهورها لأول مرة في عام 2016، وتستخدم عادةً بطريقة ازدرائية لإخبار شخص ما بأنه بحاجة إلى "العودة لأرض الواقع" أو الخروج من الإنترنت وتجربة العالم الخارجي.
كذلك، شهد مصطلح "احتواء الموقف/إتاحة المساحة" (Holding space)، الذي يعني التواجد بشكل هادف من أجل شخص آخر والتحقق من صحة تجربته ومشاعره، ارتفاعاً في الاستخدام، منتقلاً من الخطاب النفسي بشكل أساسي إلى استخدام أكثر شيوعاً.
وهذا يتناقض بشكل حاد مع مصطلح "التلميع/التزلف" (Glazing)، الذي يصف مستوى مبالغاً فيه ومحرجاً تقريباً من المدح، وهو مصطلح عامي يستخدم غالباً على "تيك توك" للإشارة إلى التعليقات التي تُفسر على أنها تملق غير صادق أو نفاق.
العالم في كلمة
من الكلمات التي تلخص المحتوى منخفض الجودة الذي يسد موجزاتنا الرقمية، إلى تلك التي تلخص كيف نقوم الآن بتنسيق وتنقيح حياتنا وسلوكياتنا ليشاهدها الآخرون، التقطت الكلمات المختارة هذا العام كـ "كلمات العام" التأثير العميق الذي أحدثه العصر الرقمي على كيفية فهمنا للعالم ولأنفسنا.
ربما لهذا السبب كنا بحاجة إلى الهروب عبر المرح السخيف وغير المنطقي الذي لخصه اختيار موقع Dictionary.com لـ "6/7" ككلمة العام، وهي كلمة تعني، حسناً.. لا شيء على الإطلاق.