مركز الامام الشيرازي ناقش.. تحولات جيل زد الثقافية بقراءة في افكار المجدد الشيرازي

مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

2026-06-09 03:24

عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبا للثقافة والاعلام، بمشاركة عدد من مراكز الدراسات، واكاديميين، واعلاميين، حيث تم مناقشة موضوعا تحت عنوان (جيل زد والتحولات الثقافية.. قراءة في افكار الامام الشيرازي)، حيث يعد جيل زد اشكالية عميقة تتصل بتغير مصادر الوعي والتنشئة لدى الاجيال الجديدة، بعد ان اصبحت التكنولوجيا والانترنت ومواقع التواصل والذكاء الاصطناعي مرجعيات يومية في تشكيل الهوية والتفكير والسلوك. فلم يعد هذا الجيل يتلقى ثقافته من الاسرة والمدرسة والمؤسسات التقليدية وحدها، بل بات يعيش في فضاء مفتوح تتداخل فيه المعرفة السريعة، والمحتوى البصري، والميمز، وصناع التأثير، والخوارزميات التي تعيد تشكيل الاولويات والقيم واللغة وطريقة النظر الى الدين والوطن والسياسة والمجتمع.

ومن هنا تبرز اهمية قراءة هذه التحولات في ضوء افكار الامام الشيرازي، الذي اولى الشباب عناية خاصة، وعدّهم محورًا اساسيًا في نهضة الامة وتجديد المجتمع، مؤكدًا ضرورة تحصينهم بالفكر والعقيدة، وفتح المجال امام طاقاتهم، وتوفير البدائل الثقافية والتربوية والاقتصادية التي تمنع الفراغ والانحراف. فالرهان الحقيقي لا يكمن في ادانة الجيل الجديد او عزله، بل في فهم عالمه، ومخاطبته بلغته، وترشيد طاقاته، وبناء جسور واعية بين القيم الاصيلة ومتطلبات العصر الرقمي.

وقدّم الورقة البحثية الباحث في المركز محمد علاء الصافي، الذي ابتدا كلامه قائلا:

يُعرف جيل "Z" بانه الجيل المولود تقريبا بين عامي 1997 و2012، يكمن الاختلاف الجوهري لهذا الجيل في كونه اول جيل "رقمي بالفطرة" حيث ولدوا ونشاوا في عالم كانت فيه شبكة الانترنت والهواتف الذكية جزءا لا يتجزا من الواقع، مما شكل وعيهم بطريقة تختلف جذريا عن الاجيال السابقة.

يشتكي الكثير من الباحثين والاكاديميين من صعوبات تواجههم في محاولة فهم اتجاهات هذا الجيل سياسيا وهوياتيا وقياسها وتصنيفها. موضع الشكوى يتحدد عمليا في ان هذا الجيل لم يعد يفكر ويندفع في سلوكه، وفقا لسرديات الاجيال التي سبقته، والتي كان يغلب عليها المضمون الايديولوجي، اسلامويا او قوميا او امميا او ليبراليا.

كان سهلا على الباحثين فيما سبق اجراء مقابلات مع مجموعة من الشباب او توجيه استبانات وفق مقياس معين مستندا الى نظرية تفسيرية، ليقول انه اختار عينة تمثل مجتمع البحث، كانت التنشئة الاجتماعية والخطابات الرسمية والايديولوجيات المبثوثة في ثنايا المجتمع تسهم اسهاما فاعلا في تشكيل ثقافة وعقل وهوية واتجاهات الشباب، وكانت (القضايا الكبرى) تستقطب الاهتمام وتحتل اولوية التفكير على المستوى السياسي، شانها شان القضايا الاجتماعية والشخصية. جيل Z بنى ثقافته وحدد خياراته، وفقا لعالم ومسار اخر غير مسار الاسرة والمجتمع الكبير والدين والوطن، ثقافة هذا الجيل شكّلها عصر الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، والان الذكاء الاصطناعي في (جيل الفا وهو الجيل الذي تلا جيل زد)، ثقافة تختلف الى حد كبير عن ثقافة اسلافه الذين تشكلت ثقافتهم واتجاهاتهم من منظور الدين والوطن والقومية.

حاليا صارت قضايا الدين والوطن والهوية والحرية والتاريخ والسياسة والسلطة، تتشكل في اذهان هذا الجيل من دون المرجعيات السابقة، او كما صاغته السردية السياسية والدينية والقومية، وهي في الغالب تاتي متسقة مع الخطاب السلطوي، ومناهج التعليم الرسمي والثقافة العملية التي تطبخ في المطبخ الوطني.

مرجعيات هذا الجيل هو ما يقراه في محركات البحث، وما يجد من نظريات وافكار وصور وممارسات وتجارب يعج بها عالم الانترنت. افراد هذا الجيل لم يتشبع وعيه السياسي بخيالاتنا عن الحروب العربية الاسرائيلية او الحرب العراقية الايرانية او حتى الانتفاضة الشعبانية وفترة القمع والاضطهاد في الانظمة الديكتاتورية السابقة.

ياخذ هذا الجيل تفسيراته من مصادر مفتوحة غير مؤطَّرة من شبكة الانترنت او تطبيقات الذكاء الاصطناعي، اكثر من ذلك يبدو هذا الجيل متمردا على اصول وثقافة الاباء، لديه صور تاريخية عن ايام الجوع والحصار والقمع السلطوي لا يكاد يصدقها، ولا يجد نفسه مهتما بالشعارات القومية، جيل هذا الزمان يقرا التاريخ والدين والذات والهوية من زاوية غير الزاوية التي قراناها، رغم ما يقال عن تصلب ثقافي وجمود فكري، فهذه تصدق على الاجيال التي هي غير جيل Z وجيل الفا، وبكل تاكيد الموضوع لا ينطبق فقط على الشباب العراقي بل جميع الشباب العرب وحتى الغرب كما سنبين ذلك لاحقا.

ولذلك لا عجب حينما نجد مشاعر اقل اكتراثا مقارنة بمشاعرنا حيال ما يجري من قضايا المنطقة في غزة ولبنان على سبيل المثال، والتي نقراها نحن بوصفها حروبا انتجتها المبادئ والقيم وحسابات الصراع والحرب ضد الاستعمار والاستكبار والصهيونية. الجيل الجديد في طريقه الى الافلات من كل الاملاءات والتنميطات، التي قيدت منظوراتنا ازاء الذات والاخر، نحن فهمنا ذواتنا والعالم المحيط بنا وفقا لمرجعية فكرية وثقافية ودينية وسياسية قد لا يتشاركها معنا الجيل الراهن، فاختلفت دوافعه وشعاراته ورؤاه.

وهي بجملتها لا تتطابق مع ما نفكر فيه وننفعل من اجله، من يسعى الى التطوير او الاستفادة من هذا الجيل وتعبئته في قضايانا عليه ان يفهم ما يفكر به هذا الجيل، ويفهم مصادر المعرفة والتنشئة التي يعيشها ويعتمدها، وهي اكبر من ان تحيط بها ادواتنا ومعاييرنا، التي تاخرنا في تجديدها وعقلنتها وتطويرها لتلائم اجيالنا التي تنتمي الينا بيولوجيا وتختلف معنا ربما باشياء وقضايا كثيرة ومنها ما نعدها قضايا مصيرية ويعدها هذا الجيل ليست كذلك، بل قضاياه المصيرية ربما شيء اخر واولويات اخرى.

لم يعد جيل Z يكتفي بدور المتلقي للمحتوى الثقافي او الاعلامي، بل اصبح هو الصانع له بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت الثقافة من "نخبوية" تصدر من المؤسسات الكبرى الى "افقية" يصنعها الشباب بانفسهم. وقد ادى ذلك الى:

- تراجع سلطة التلفزيون والسينما التقليدية مقابل المحتوى القصير والسريع.

- الواقعية: يفضل هذا الجيل المحتوى العفوي وغير المتكلف على الصور المثالية والمعدلة.

- انتج جيل زد لغة بصرية وثقافية خاصة به تعتمد على "الميمز" (Memes) والرموز التعبيرية كوسيلة للتعبير عن القضايا المعقدة (سياسية، اجتماعية، او حتى نفسية) باسلوب ساخر وناقد.

الميمز: هي صور او مقاطع فيديو او نصوص قصيرة يتم تعديلها بطريقة ساخرة او معبرة بهدف ايصال فكرة او مشاعر بسرعة. وتعتمد على الجمع بين صورة مالوفة ونص ذكي يعكس موقفا يوميا او حدثا شائعا، مما يجعلها سهلة الفهم وسريعة الانتشار.

غيرت الميمز طريقة تواصل البشر على الانترنت بشكل جذري، حيث لم يعد المستخدم بحاجة الى كتابة نص طويل للتعبير عن رايه او مشاعره، بل تكفي صورة واحدة لايصال الفكرة خلال ثوان. هذا التحول ساهم بانتشار الميمز بسرعة هائلة، لان المحتوى البصري اسهل في الفهم والمشاركة من النصوص التقليدية. ومع الوقت، اصبحت الميمز لغة رقمية عالمية يستخدمها الملايين يوميا للتفاعل مع الاحداث والتعليق عليها، كنوع من الدفاع النفسي ضد ضغوط الواقع والاهم من ذلك انها لم تعد فقط وسيلة ترفيه بل تعدت لتكون اداة فعالة في التسويق وصناعة المحتوى.

من النتائج الشائعة في بيانات الاستطلاعات ان "الجيل زد" (Gen Z)—الذي يضم الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 13 و28 عاما ـ منفصل عن السياسة ومصاب بخيبة امل تجاه الديمقراطية. ومع ذلك، كان حراك الشباب سمة اساسية في الجهود الاخيرة لاحداث التغيير والمساءلة في الحكومات غير الفعالة حول العالم. في هذا العام فقط (2026)، اجتاحت موجة من "احتجاجات الجيل زد" العالم، من اندونيسيا الى كينيا، ومن مدغشقر الى بيرو. كانت النتائج مختلطة: فقد اطاحت الانتفاضات التي قادها الشباب بحكومات، وفرضت اصلاحات، واثارت ايضا اشتباكات عنيفة وحملات قمع، وبعض الصراعات التي يقودها الشباب، كما هو الحال في صربيا، لا تزال مستمرة.

تتبع حركات احتجاج "الجيل زد" اليوم اتجاها طويل الامد: غالبا ما تكون حركات الاحتجاج مدفوعة بالشباب. وجدت احدى الدراسات انه بين عامي 1990 و2020، تميزت 80% من الحملات اللاعنفية الهادفة لاسقاط قادة وطنيين حاليين او تحقيق تقرير المصير بمشاركة شبابية كبيرة، حيث قُدّر ان الاشخاص الذين تقل اعمارهم عن ثلاثين عاما يشكلون ما لا يقل عن ربع المشاركين في الخطوط الامامية.

تُعد حركة "قوة الشعب" الثانية في الفلبين التي اطاحت بجوزيف استرادا في عام 2001، و"ثورة الارز" التي اخرجت القوات السورية من لبنان في عام 2005، وبعد ذلك من الحراك الشبابي في مصر وتونس والانتفاضة السودانية التي ادت الى سقوط عمر البشير في عام 2019، مجرد امثلة قليلة على الحركات التي قامت بشكل كبير على المشاركة النشطة للشباب في الخطوط الامامية. ورغم ان خيبة امل الشباب من اساليب الحكم التقليدية قد تكون حقيقية، فان القدرة الكامنة لحراك الشباب على تحدي السلطة الراسخة واضحة بنفس القدر.

تحفّز الشبابَ عواملُ متعددة للاحتجاج. الشباب معرضون بشكل خاص لانعدام الامن الاقتصادي؛ حيث تغرق الاقتصادات الراكدة الشباب في بطالة مزمنة وتحطم احلام الصعود الاجتماعي، حتى بين الخريجين المتعلمين. كان هذا هو الحال في تونس عام 2010، حيث ادى مزيج من الضيق الاقتصادي، والقمع البلطجي، والافلات من العقاب على الانتهاكات الحكومية الى دفع الشباب المحبطين للتظاهر غضبا حول حرق البائع المتجول محمد البوعزيزي لنفسه، مما اطلق شرارة الربيع العربي. علاوة على ذلك، يعاني الشباب من نقص فادح في التمثيل في السياسات المؤسسية الرسمية، حيث تستبعد الانظمة السياسية التي يهيمن عليها كبار السن الاجيال الشابة من قاعات السلطة التي تتحكم في حياتهم.

تجسد احتجاجات الجيل زد هذه الاتجاهات. فالعديد من البلدان التي شهدت احتجاجات تعاني من اقتصادات ضعيفة، ومعدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، وتضخم في اعداد الشباب الذين تحكمهم نخبة سياسية مسنة تكبر المواطن العادي بكثير. على سبيل المثال، تبلغ بطالة الشباب حوالي 20% في نيبال ونسبة فلكية تبلغ 35% في المغرب، وكلا الاقتصادين ترنحا تحت صدمات جائحة كوفيد-19.

لكن يبدو ان صرخة احتجاجات جيل Z هي الفساد: الشباب غاضبون من النخب السياسية التي تجني بلا خجل غنائم الامتيازات المترفة بينما تعاني بلدانهم.

ان مكافحة الفساد هو موضوع عالمي يتردد صداه على نطاق واسع. ومن المرجح ان الترابط العالمي عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد ساعد في تسهيل انتشار الاحتجاج عبر الحدود الاقليمية.

من المسائل اللافتة للنظر ان المرجع الديني الراحل اية الله العظمى السيد محمد الشيرازي رحمه الله كان قد كرس جزءا كبيرا من حياته لفئة الشباب، من خلال مؤلفاته، او دروسه ومحاضراته، او من خلال لقاءاته الاجتماعية. وكان يوجه المسلمين الى الاهتمام بالشباب، اذا ما اريد التغيير، لانهم افضل اداة للتجديد، واهم عنصر للتغيير المجتمعي.

فتاخر الامم والشعوب وتقدمها يكون سببه الاول عدم الاهتمام بالشباب، كما ان تطور الامم وتقدمها وارتقاءها لا يكون الا من خلال تطوير الشباب وتقدمهم وارتقاءهم. وكل التغيرات المجتمعية الكبرى التي يمكن ان تحدث على هذه الارض ايجابا ام سلبا قائدها الاول هم الشباب، وكل تصحيح سياسي او ثقافي او ديني يكون الشباب في العادة هم صناعه وادواته.

لذلك؛ وفي كل مناسبة كان الامام الراحل يركز على الشباب من ثلاث زوايا اساسية:

الاولى؛ انه كان يعطي تصورا واضحا عن اهتمام الاديان السماوية والاسلام خاصة بالشباب، وكيف اعطاهم الفرصة لاثبات امكانياتهم وطاقاتهم، مما ترتّب عليه ان هؤلاء الشباب كان لهم الاثر الكبير في انتشار الاسلام في ارجاء المعمورة وفي استدامته.

والثانية؛ هو تركيزه على دور الشباب واهميتهم في بناء المجتمع الاسلامي، واهمية النضج الذي من المفروض ان يتمتعوا به؛ لكي يكونوا قادة المستقبل.

والثالثة؛ كان يوضح اهم الادوات والوسائل التي يمكن ان يقوم بها المجتمع الاسلامي من اجل ترسيخ دور الشباب في التنمية المستدامة.

نقرا في كتابه القيّم الموسوم بـ (الشباب) اذ يقول في هذا الصدد: (لقد استغل جماعة من طلاب المال والشهوات، قدرات الشباب واخذوا بازمّتهم، فاوردوهم موارد الاستعمار ومناهل الفساد والانحلال).

وقد حدث هذا بالفعل بالنسبة لشبابنا، في حقب وازمنة عديدة، وفي ظل انظمة سياسية، اما كانت تابعة للاجنبي او انها ذات نفس تسلطي قمعي، فسلبت من هذه الشريحة مجمل حقوقها وفرصها في التطور، واستغلتها ابشع استغلال، فالوعي وعمق العقيدة وتنوير عقول الشباب، كلها تشكل عوامل تهديد للسلطة، وهذا بالضبط ما يفسر، اساليب (الهاء) الشباب بصغائر الامور، واللهو، وتشجيعهم على الانحراف، واهدار قيمة الوقت، وبث روح التكاسل في نفوسهم وعقولهم، كل هذا وغيره من وسائل تدمير الشباب، لجات اليه الحكومات العميلة والقمعية.

لذلك وكما يقول الامام الشيرازي (هناك مسؤولية كبيرة على عاتق الجميع) لمعالجة ازمات الشباب، والعمل الدائم والجاد على تقليص معاناتهم، وزيادة (الثروة العقائدية) لديهم، حتى تحميهم من الانزلاق في المحظورات، وهي كثيرة، في ذلك الزمن، فكيف اصبح حجمها اليوم وانواعها في ظل الانفتاح الاعلامي على العالم اجمع؟! .

من هنا يعاني شبابنا من فراغ فكري، يدفع بهم نحو المجهول، لا سيما في ظل الاهمال الذي تبديه الجهات الرسمية لهم، الامر الذي يضاعف من ازماتهم، ويجعل منهم لقمة سائغة بايدي المتصيدين، الذين يهدفون الى تدمير طاقات الشباب، من خلال خلق الفوضى وصنع المشاكل على مدار الساعة، وهو امر يعيدنا دائما، الى اهمية تحصين الشباب بالعقيدة والفكر الذي يكون قادرا على حمايتهم وهذا امر اساسي ركز عليه كثيرا الامام الشيرازي في مؤلفاته ومحطات حياته في كربلاء والكويت وايران.

يضيف الامام الشيرازي انه (عندما بُعِث رسول الله "صلى الله عليه واله" للناس كافة، نجد ان الذين سارعوا الى الايمان به واعتناق الدين الجديد هم ثلة من الشباب، فاول من امن واسلم هو امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) والذي كان عمره لا يتجاوز عشر سنوات، وكان منهم جعفر بن ابي طالب، وعمار بن ياسر، ومصعب بن عمير، وبلال الحبشي، ومعاذ بن جبل، وزيد وغيرهم..

كل ذلك كان مدعاةً لان يولي الرسول (ص) الشباب اهمية كبرى في قيادة الدين ونشره بين ابناء القبائل وفي البلاد التي وصل اليها نور الاسلام. يقول الامام الشيرازي (لقد نظر رسول الله الى الشباب نظرةً ثابتة، واولاهم اهمية قصوى في حركة الامة.. فنراه اعطى الراية لاسامة بن زيد الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من العمر ـ وقيل الثامنة عشر ـ وامر الصحابة ان ياتمروا بامره ويطيعوا قائد الجيش الشاب، حتى كان بعض المسلمين يناديه بالامير بقية حياته. فقد جعلهم رسول الله (ص) اتباعا لفتى شاب، واراد بهذا الامر وغيره ان يبين للامة المقاييس الحقيقية للتفاضل، وان العمر ليس مقياسا، فالرجل المناسب في المكان المناسب.

لقد كان الرسول الاعظم (ص) يختار الشباب المؤمنين الصالحين، ويجعلهم في بعض المناصب والوظائف الحساسة، لادارة ما يرتبط بالامة الاسلامية؛ والسبب في ذلك الاختيار يرجع الى عدة امور:

اولا: لان الشاب في بداية شبابه يشعر بان له قوة عظيمة تمكنه ان يكون مؤثرا في العالم، وله القابلية على العمل والابداع، وهو ذو حب كبير للنشاط والخدمة، واستعداد دائم للتضحية من اجل افكاره وارائه، ويحاول ان يضحّي بنفسه من اجلها، فانه عادة لا يتشبّث بالحياة كثيرا كالرجل الكبير؛ لان طبيعة الانسان كلما طال بقاؤه في الدنيا ازداد حرصا وطمعا فيها، وكما جاء في حديث الرسول (ص) حيث قال: (ويهرم ابن ادم وتشبّ فيه اثنتان: الحرص وطول الامل) اما كثير من الشباب فتقل فيهم هذه الحالات عادة.

ثانيا: في مرحلة الشباب يشعر الشاب بتفتح عقله، وكذلك يشعر بان مواهبه تتفجّر، حيث يبدا بالتفكير الدقيق، فتشخص في ذهنه الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام عن الحياة والمجتمع، والتي لابد له من تحصيل الاجابة عليها؛ لذلك نراه يقوم بالبحث عن الاجوبة، ولو كلّف ذلك حياته احيانا، فتراه مستعدا لان يعتنق الفكرة الجديدة التي ينسجم معها احيانا مهما كانت خطورتها ومصاعبها.

ولعل اكثر المجتمعات الحالية، بما في ضمنها بعض المجتمعات الاسلامية ما زالوا يقيّمون الانسان بمقياس العمر والزمن، وما دام الشباب لم يقطعوا من الحياة الا مسافة قصيرة فان مجتمع الكبار لا ينظر اليهم نظرة ثقة واحترام -في بعض الاحيان - ولا يفسح لهم مجال التحرك والنشاط، على العكس من المقياس الذي اتخذه الرسول الكريم (ص) في حياته الشريفة، فقد اعلن رفض الاسلام لمقياس العمر والسن، وجعل المقياس الصحيح هو التقوى والعمل والكفاءة والقدرة على الابداع، فكان (ص) يختار من بين افراد المجتمع الاسلامي الطاقات المتفجّرة، ويولّيهم ادارة وقيادة المسلمين.

من هذا المنطلق، يؤكد الامام الشيرازي على فسح المجال للشباب لان يمارس دورا اجتماعيا، ويقوم بدور صالح مفيد في المجتمع، يساعده على بناء شخصيته، وينمي فيه كفاءاته، ويزوده بالخبرة الاجتماعية. وان لم نهتم بالشباب ولم نفسح المجال للشباب في ممارسة رغبته المشروعة باداء دور اجتماعي ضمن توجيه صالح، فستكون النتيجة احد امرين: اما ان تخمد طاقات الشاب وتقتل مواهبه وتدفن طموحاته، واما ان يبادر الى ممارسة ادوار منحرفة ويقوم باعمال فاسدة.

ويوجه الامام الشيرازي الامة الاسلامية للاهتمام بالشباب من خلال المحاور الاتية:

1. الاهتمام بنشر الفكر الاسلامي الاصيل في اوساط الشباب، لا سيما المحور العقائدي، لما يشكل اهمية في حياة الشباب، ونكون بذلك قد ضربنا الاسس الفكرية التي تعقد عليها الثقافة والفكر غير الاسلامي، وبنفس الوقت بينا المفاهيم الاسلامية لابنائنا الشباب بكل وضوح.

2. الاهتمام بالتجمعات الجماهيرية الشبابية، فانها وسيلة من الوسائل التي يميل اليها الشباب، وبنفس الوقت تكون وسيلة لنشر الثقافة، وهذه التجمعات تارة تكون موجودة، واخرى نحث على ايجادها؛ لكي نجمع اكبر قدر ممكن من الشباب المشتت، ولابد ان نصنع برامج بواسطتها يتقدم الشباب خطوات الى الامام على الصعيد الاجتماعي والفكري، فعلينا ان نعمل على تشكيل مؤسسات تحتضن وتحتوي الشباب، وتقدم لهم كل ما يحتاجون اليه.

3. على الشباب الالتفات الى ضرورة تحصيل العلم والدراسة بما للكلمة من معنى، لا كالمتعارف في هذا الزمان حيث انهم اذا اشتغلوا بدراسة العلوم، وانهوا الجامعة ابتداوا الحياة تاركين التقدم العلمي وتطوير معلوماتهم او تنويعها من دون الاستفادة من التجارب والنظريات الجديدة.

4. تهيئة وسائل الترفيه الجسدية والفكرية المشروعة فقد قال رسول الله (ص): (علّموا اولادكم السباحة والرماية) وكذلك انشاء مكتبات خاصة لقراءة الكتب والمجلات المفيدة وغيرها.

في الختام، ان الخطة التي ينبغي ان تنتهجها الدولة العراقية وعلى راسها الحكومة اذا ما اريد لفئة الشباب الخير والسلام، وان تتاح لهم فرص التعاطي الايجابي مع الشانين الاجتماعي والسياسي هي خطة اقتصادية في المقام الاول تاخذ بنظر الاعتبار تمكين الشباب اقتصاديا عن طريق تزويدهم بالمهارات، والخبرات اللازمة لدخول اسواق العمل بحريّة، واهليّة بحيث يغدو الشاب العراقي مثالا للكفاءة والاتقان، فضلا عن تدريبه على مشاريع ريادة الاعمال، وقيادتها.

نفتح باب النقاش من خلال الاجابة عن الاسئلة الاتية:

السؤال الاول: ما هي طبيعة الازمات والمشكلات الوجودية لجيل زد خصوصا ما يرتبط منها بالتكنولوجيا؟

السؤال الثاني: ما هي رؤية الامام الشيرازي لحل ازمات جيل زد عبر استكشاف افكاره المتعلقة بمشكلات الشباب؟

المداخلات
- سماحة السيد مهدي الحسيني الشيرازي، نجل الامام الشيرازي:

هنالك وصية للامام امير المؤمنين عليه السلام لابنه الامام الحسن صلوات الله عليه وصية حقيقةً جديرة بالمطالعة والتامل، الامام يخاطب ابنه قائلا من الوالد الفان الى المولود المؤمل - ما لا يدرك في هذه العبارة المختصرة، الامام يبين الجيل السابق، واعمال الجيل الجديد، يجب الاهتمام بالاطفال قبل الشباب، الاطفال هم بناة المستقبل.

ثم يصف الامام (ع) العلاقة بين الاباء والابناء، يقول وجدتك بعضي، انت قطعة مني، بل وجدتك كلي، انت تخلفني، حتى كان شيئا لو اصابك اصابني، وكان الموت لو اتاك اتاني.

الاب والام هما المسؤولان عن تربية الاولاد، وفي خضم هذه المشاكل التي تحكم عالمنا اليوم عادة او غالبا العلاقة بين الاب والاولاد، علاقة مادية بحتة فنجد الاباء يفكرون بالملابس والحليب والمستشفى والطبيب، كل الجهود والفكر يصب على الماديات ويغفلون غالبا عن المعنويات والعاطفة، التي هي بحاجة اليها هذا الطفل او هذا الشاب.

المرحوم الوالد رحمة الله عليه كان يشعر بحالة الابوة لكل الشباب بل للأطفال، هذه الحالة كانت مشهودة له يشعر كانه اب وام.

لا ينحصر هذا الشعور في الجانب المادي فقط، وانما له سهم كبير في الجوانب الاخرى ايضا.

فالجانب المادي كان يهتم اهتماما كبيرا بقضية الشباب، مثلا الشباب من الجهة المادية يحتاجون الى الزواج، المرحوم الوالد كان عنده برنامج لتزويج الشباب، يشوّق التجار على تزويج الشباب، يسعى لتأسيس هيئات ومؤسسات لتزويج الشباب، وهذه حاجة مادية.

الشاب اذا لم يتزوج ربما سيفسد، فكيف نسعى لتزويجه؟

نؤسس مؤسسة القرض الحسن وهذا تفكير مادي اقتصادي، قروضا بلا ربا فيقترض ويؤسس بيت ثم التفكير بالزواج، اسس مؤسسة للتزويج قبل أكثر من خمسين سنة، على ما اذكر، المؤسسات زوجوا في طهران فقط ألف شاب وشابة في ليلة واحدة، وكان حدث ضخم في حينه يحدث ربما لأول مرة في العالم كله، بعدها اصدقاؤنا لما عادوا الى العراق ايضا استمروا بهذه المسيرة، يعني شكلوا مجموعة من المؤسسات للزواج.

التفكير الاقتصادي الاخر، الجانب المادي، هذا الشاب لا يملك عمل، يشوقهم نحو العمل وماذا يفعل، هناك نماذج يمكن بالعشرات من الشباب الذين هاجروا من العراق، الوالد وجههم بالتوجه الى السوق يشتغلون في هذا العمل وهذا العمل وهذا العمل، وكلهم تقريبا معظمهم لا نبالغ، ذهبوا ونجحوا في مشاريعهم الاقتصادية، يزوجهم ويربيهم على العمل، يسعى لتأسيس مؤسسات القروض الحسنة، وهو بنفسه لا يملك المال بل يشجع المقتدرين والتجار على دعم الشباب، وهكذا في سائر الابعاد المادية، هذا جانب من الجوانب، بالإضافة الى هذا الجانب كان يهتم بالجوانب المعنوية، يعني الشاب او الطفل بحاجة الى رعاية ابوية عاطفية، بحاجة الى رعاية تثقيفية علمية، بحاجة الى رعاية توجيهية، يوجهه مثلا في الجانب العاطفي.

كان له اهتماما كبيرا جدا بالأطفال، وهو في كربلاء المقدسة مرجع تقليد وابن مرجع تقليد واذا صادف طفل في مجلس او اي مكان يرحب بهم ويقف اهتماما بهم، ربما هذا الطفل في حينها لا يستوعب لماذا يقف لي هذا الرجل او يسلم عليّه او يحتضنهم او يجالسهم للحديث معهم، فهو كان يملأ الفراغ العاطفي الذي يشعر به الطفل او الشباب على حد سواء، يهتم بالجيل الجديد، اهتمام عاطفي وتربوي واخلاقي.

في الجانب الاخر البعد العلمي التثقيفي، فلا نترك الشباب لسيل من الشبهات والثقافات الغربية والشرقية عبر الفضائيات وعبر مواقع التواصل، طبعا في ذلك الوقت لا توجد فضائيات او مواقع تواصل، لكن كان هناك سيل من الجرائد والمجلات والمناهج الحكومية التي كانت تصب الافكار الدخيلة فالمرحوم الوالد كان يحث على وجوب ايجاد البديل الفكري والثقافي للجيل الناشئ.

بالنتيجة ان المدرسة والجو العام يبعد التلميذ عن الاجواء الدينية والانسانية وتحبسه فقط في الاجواء العلمية الصرفة، وهذا خطر جدا.

الاجواء العلمية الصرفة الخالية عن الانسانية تشكل خطرا كبيرا على الشباب وعلى المستقبل، لان من الممكن ان يصبح طبيب مثلا، لكن لا يملك انسانية او ضمير، لا يملك دين، يضحي بالجميع لأجل مصالحه الشخصية، او يصبح مهندس او طيار، او ضابط عسكري مستعد ان يقتل لأجل المصالح الشخصية كما نشاهده الان كثيرا.

فالوالد رحمة الله عليه في الجانب العلمي والجانب الثقافي، اسس مجموعة من المدارس العلمية، مثل مدارس الامام الصادق (ع)، أحد الاساتذة نقل لي انها خرجت في تلك الفترة ستة الاف تلميذ، بالإضافة الى المناهج الحكومية التي كانت تدرس فيها وهي مناهج علمية، كان معها مناهج تربوية اخلاقية قرآنية عقدية.

اهتمامهم في الجانب القرآني ونهج البلاغة وروايات اهل البيت وتربية هؤلاء التلاميذ او مدارس الحفاظ والحافظات ايضا كانت سلسلة من المدارس، بالإضافة الى ذلك هنالك فراغ كبير جدا في المكتبة الاسلامية او المكتبة الشيعية.

كثير من الكتب التي كانوا يطالعونها كانت كتب اجنبية فالمرحوم الوالد رحمة الله عليه اخذ على عاتقه ان يكتب مجموعة من الكتب التي تملا هذا الفراغ الموجود عند الشاب، مثلا من جملة الكتب التي كتبها القصص الحق، قصص الانبياء باسلوب جدا بسيط ولطيف وجميل، انا قبل ايام كنت انقل قصص لأولادي، في كل ليلة اخصص لهم وقت تقريبا ربع ساعة، انقل لهم قصص، وصلت الى قصص الحق، قصص الانبياء، كنت أقرأ القصص لهم، وجدت انها قصص رائعة وجميلة وتربوية وتربي الاطفال، مناهج المدرسة يجب ان نغذيها بالتاريخ الاسلامي الصحيح، فكتب الوالد كراس صغير للمرحلة الاولى اسمه رسول الاسلام في مكة وللمرحلة الثانية، رسول الاسلام في المدينة المنورة يبين المنهج لرسول الله صلى الله عليه واله للطفل في الصف الاول الابتدائي، كما كتب حول تاريخ رسول الله (ص) للشاب الجامعي.

كتاب لأول مرة في تاريخ العالم، كتاب مفصل حول تاريخ رسول الله (ص) بطرح جميل، تصوروا قبل فترة احد الشباب الأجانب قال لي، تغيرت نظرتي تجاه الاسلام مئة بالمئة بعد ما قرات هذا الكتاب، وهذا الشاب كان يوصي كل شخص يريد معرفة تاريخ الرسول (ص) فليقرأ هذا الكتاب.

كان لديه سياسة يسميها سياسة نفخ الروح، يقتبس افكاره وآرائه من القران الكريم "ونفخت فيه من روحي"، الله عز وجل خلق النبي ادم من طين، من صلصال من حمأ مسنون، فالطين اجوف بلا روح او حركة، ولكن نفخ فيه الروح ونفخت فيه من روحي فصار انسانا، يعني بعد الروح التي نفخت فيه فقعوا له ساجدين، وقبل ذلك ليس له قيمة.

فهذا الطفل او هذا الشاب العاطل ربما ليس له قيمة، ولكن حينما ننفخ فيه الروح يتحول الى كاتب يكتب مثلا 500 كتاب او أكثر او اقل كما نصح في يوم من الايام احد الاطفال الذي كان يحفزه ويهتم لأمره.

طفل اخر يأتي الى الوالد عمره اربع او خمس سنوات، يقول اسمي باقر يقول اهلا اهلا باقر العلم، يعني يبقر العلم بقرا، ويبدأ بتحفيزه ونصحه يجب ان تصبح عالم وخطيب وتدافع عن اهل البيت (ع)، وبالفعل هذه الكلمة اثرت عليه وبعد فترة من الزمن تحول الى واحد من كبار الخطباء، الاول هو السيد هادي المدرسي والثاني هو المرحوم السيد باقر الفالي رحمة الله عليه، يعني كان يحتوي الشباب والاطفال في عمله، فالأطفال بحاجة الى اهتمام عاطفي واهتمام مادي.

نحن نحتاج الى نهضة في الكتابة وفي البرامج العلمية، الان ربما اهتمام الشباب نحو الكتابة ضعيف ولكن نحو البرامج العلمية والانتاج الفني، الاهتمام يكون جذاب وأكبر.

الشباب بالإضافة الى هذه الامور بحاجة الى توفير الاجواء السليمة في الاسرة عبر صداقة الوالدين لهما.

الاب والام يجب ان يصادقوا اولادهم، بدل ان يكون لديهم اصحاب سوء من خارج الاسرة يحرفوهم عن المسار الطبيعي والفطري، الصداقة بين الوالدين والاولاد قضية مهمة جدا والا سيجد صديقا سيئا يأخذه الى طريق اخر.

بالإضافة الى ذلك، يجب ان يخصص الاب من وقته يوميا 10 دقائق او الام على الاقل يذكر لهم القصص التوجيهية التربوية لنربي اولادنا تربية صحيحة ونبعدهم عن هذه الاجواء والثقافات الدخيلة ومواقع التواصل ومساوئها.

المرحوم الوالد كتب مجموعة من الكتب للشباب ومما جاء في كتبه مقتبسة من الروايات الكريمة، فالشاب يجب ان لا يكون فارغ، يجب ان لا يكون عاطل، يجب علينا ان نشغله دائما اذا كان فارغ وعاطل لان تركه حتما سيتجه نحو المحرمات والمفاسد، هناك رواية عن الامام الصادق (ع) يقول ان الله يبغض الرجل النوّام الفارغ، أي الذي ينام كثيرا لانه لا يملك عمل.

وفي رواية اخرى عن الامام الباقر (ع)، اني لأبغض الرجل ان يكون كسلانا عن امر دنياه، ومن كسل عن امر دنياه فهو عن أمر اخرته اكسل.

سابقا الاطفال الاوائل كانوا في بيت كبير جدا، الاطفال يلعبون مع بعضهم ولا يتجهون الى اشياء اخرى، الاب يذهب الى العمل والام تقضي اعمال المنزل والاولاد يتعلمون من الجد والجدة المبادئ والقيم.

الان لأي سبب من الاسباب فرقوا بين العوائل بحجة البيت المستقل وبحجة تحديد النسل، اصبحت الاسرة ولد او ولدين في بيت صغير، فما هو البديل عن اللعب؟، ما هو البديل عن توجيه الجد والجدة؟

مواقع التواصل صنعت البديل لهم، الاب يخرج للعمل 8 ساعات او 10 ساعات، والام في المطبخ او الوظيفة، فماذا يفعل الطفل؟

هو مجبور ان يشاهد التلفزيون او مواقع التواصل، لذلك البديل لمواقع التواصل هو اجتماع الاسرة والتوجيه المستمر، الغرب أغرقوا اولادنا بالماديات اغرقوهم بالشاشات والجلسات وما اشبه ذلك، ونحن تركناهم لان فكرنا فقط في الجانب المادي، أنقذ نفسك واسرتك بالاهتمام بهم بملأ الفراغ العاطفي والثقافي والاجتماعي لهم، وتستطيع ان تحافظ عليهم لان هذا الشاب عنده طاقة كبيرة جدا، طاقة هائلة، اذا لم نوجهها في الاتجاه السليم ستتجه وتتفجر في الفساد.

فعندما يأتي شهر محرم الحرام نوجههم نحو الشعائر الحسينية وقبل اسبوع من قدوم محرم تبدأ التوجيهات، وهكذا في سائر الشعائر الحسينية في شهر رمضان يطلب الشباب اذهبوا الى التبليغ ودورات تفسير القرآن الكريم فيمتص كل طاقتهم في قضايا وبرامج رمضانية دينية وثقافية.

ثم التوجيه بتنشيط الهيئات الاجتماعية وتزويج الشباب وتشغيل العاطلين لنوجههم في العمل الايجابي البناء.

مجموعة من الكتب كتبها الوالد رحمة الله عليه حول الشباب وطاقاتهم وتفجير الطاقات منها عناوينها دور الشباب في انهاض الامة، وصايا الى الشباب المسلم، مسائل شرعية تهم الشباب وعناوين اخرى ايضا، وللفتيات هناك، المرأة في ظل الاسلام والمرأة في المجتمع المعاصر والمرأة في المنظار الاسلامي، والمرأة المسلمة والوصايا الاخيرة، وكيف نزوج العازبات؟ وهكذا.

هذه مجموعة من الكتب التي وجهها نحو هذه الفئة المعينة، وكان يركز على الزواج ايضا من مجموعة من المنطلقات منها ان الشاب مثلا ينام ثمان ساعات، ثم يعمل او يدرس ثمان ساعات، عنده ثمان ساعات فراغ ماذا يفعل بها؟

اين يقضي هذا الفراغ؟، لو كان متزوجا سيقضيها في البيت وتربية الاسرة، وبهذه الطريقة نقضي على الفساد ونقضي على البطالة.

اختم بهذه الرواية، جاء شاب يحب رسول الله صلى الله عليه واله مبعوثا من قبل امه يطلب منه مالا لشدة فقره، فقال يا رسول الله امي بعثتني ونحن لا نملك شيء حتى مقدار ما نسد به رمقنا، فقال له رسولنا (ص)، تزوج!

يقول له انا وامي لا نملك طعامنا وانت تقول لي تزوج! عاد الى امه وقالت له لم تجلب لنا شيء من الصدقات او الزكاة، قليلا من الحنطة او الشعير؟، فاجابها كلا، الرسول قال لي تزوج!

طلبت منه ان يعود مرة ثانية وثالثة لرسول الله (ص)، وكان الجواب نفسه، اذهب وتزوج!

حتى اقتنعت والدته بان تزوجه بنت الجيران رغم الحرج والعوز، وهذا ما اجبره لاحقا ان يخرج للعمل والاحتطاب، وبدا يشعر بالمسؤولية، كان يعيش في منطقة الراحة بلا مسؤوليات او ضغوط وهذا هو من الحلول الاستراتيجية التي يقدمها رسول الانسانية لنا.

فالشاب لابد من توجيهه وترشيده لملا كل انواع الفراغ الموجودة عنده.

- الدكتور خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

اعتقد ان الموضوع يحتاج بحث وتأمل كبير من علماء الدين والسياسة والاجتماع وايضا من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في الدولة.

انا اعطي فقط فلاشات على هذا الجيل يعني ما يميزه عن بقية الاجيال، وبالنتيجة هو حتى زد مأخوذة من الزوم وهو يعني جيل الفضاء الافتراضي.

هذا الجيل تغيرت لديه مجموعة من المفاهيم تختلف عن الاجيال التي سبقته.

واحد من هذه المفاهيم هو تعديل مفهوم الجغرافيا من المستوى الوطني الضيق الى المستوى العالمي. هذا الجيل اكثر من الاجيال السابقة اهتماما بالخروج من اطاره الجغرافي.

حتى نحن في جيلنا كنا عندما نتكلم نقول هذا ابن الريف وهذا ابن مدينة، هنالك معالم تميز ابن الريف عن ابن المدينة ونقول هذا عراقي وهذا ايراني او خليجي او حتى امريكي.

ولكن اليوم هذا الجيل كلهم يتشاركون جغرافيا واحدة، العالم كله هو فضائهم وجغرافيتهم، وبالنتيجة اليوم لديهم لغة للتواصل والحوار فيما بينهم اكثر من الاجيال التي سبقتهم، وهذا طبعا يعني حالة جديدة لم تشهدها البشرية سابقا.

هذا الجيل ايضا تغيرت لديه مراكز التأثير، واصبح مركز التأثير ليس البيت والمسجد والمدرسة والسلطة، وانما اصبح الفضاء الالكتروني هو مركز التأثير الاساس بهذا الجيل.

وايضا تغير الرمز المؤثر، في هذا الجيل لم يعد الاباء والقادة السياسيين والدينيين والاجتماعيين، وانما أصبح صناع المحتوى هم المؤثرين بهذا الجيل لأنه يعيش في بيئته فهو يتأثر بهذه البيئة.

ولذلك نلاحظ حتى اليوم نحن على مستوى الجامعة على سبيل المثال، باعتبار انه فضائنا وميداننا الذي نتحرك به، سابقا نحن كنا نتأثر بالمعلم او المدرس الذي عندنا لا زلنا نحتفظ بذكرياتنا عن المدرسين مثلا او المعلمين الذين درسونا، هذا الجيل اقل تأثرا بالمعلم والمدرس، بل يتأثر بصانع المحتوى الذي يشاهده بالفضاء الالكتروني اكثر من بقية الاجيال.

وهذه علامة فارقة تجاه القيم لدى هذا الجيل، تغيرت بوصلة القيم لدى هذا الجيل، بدل ان يكون متعلق بالمثل العليا أصبح يتعلق بالواقع، ولذلك نلاحظ ان هذا الجيل هو اكثر براغماتية من الاجيال اللي سبقته وهذا توصيف لطبيعة هذا الجيل الذي نتحدث عنه.

تم اهمال المعرفة التي مصدرها القراءة سابقا، مثلا في فترة دراستي الجامعية منتصف التسعينات، نلاحظ ان الكتاب كان مصدر المعرفة وكنا نكتسب معرفتنا في الغالب، انا اتذكر اول كتاب اقتنيته.

بهذا الموضوع مثلا، توفى الوالد وانا عمري 11 سنة، فلذلك باعتبار انا اكبر الاخوان وانا ادير عائلتي في ذلك الوقت، حاولت تعلم كيفية ادارة العائلة، باعتبار اني اجهل هذا التحدي والواقع الذي اعيشه، فكان الرمز عندي هو الامام علي عليه السلام، وكان اول كتاب اقتنيه، الف كلمة في الحكم والمواعظ والامثال للإمام علي (ع)، هذا الكتاب من الثاني المتوسط حتى الان احتفظ به بحيث انه حتى لما اجده تعرض للتلف او التأثر بالزمن، اجدده وارتبه بينما ابنائنا اليوم لا يفكرون بهذه الطريقة.

لم يعد الكتاب هو المصدر الاساس للمعرفة، أصبح الهاتف هذا الجهاز الالكتروني والفضاء الالكتروني هو مصدر المعرفة لهذا الجيل، وبالتالي اصبحت المعرفة معرفة سطحية.

لان في الغالب المحتوى الرقمي هو محتوى سطحي وليس مستوى معرفي عميق، ولذلك حلت المعرفة السطحية محل المعرفة الفلسفية العميقة لدى ابنائنا.

هذا الجيل هو اكثر التصاقا بالأرض منه بالسماء، ولذلك تلاحظون ان هذا الجيل يفكر بيومه وغدا يفكر بالأشياء المباشرة التي تهمه، وبذلك تشاهدون اهتمامه بهذه القضايا اكثر من الاجيال السابقة، ربما كنا نهتم بقضايا الصوم والصلاة والعبادات التي نعرفها، هذا الجيل يهتم بقضايا اخرى، يهتم بالعدالة الاجتماعية ويهتم بقضايا حقوق الانسان، والاهتمام بهذه القضايا جعله يشخص المؤثرين بهذه القضايا ويعتبر السلطات فاسدة وغياب معيار العدالة الاجتماعية واصبح يحدد من يتحمل هذه المسؤولية، طبعا مع معرفة سطحية واهتمام بهذه الامور، وهذا يجعل الامر خطر للغاية.

اعتقد ان هناك سؤال مهم ممكن طرحه، ماذا سيكون شكل الحكم والادارة في الدولة والمجتمع في العشر سنوات او العشرين سنة القادمة، عندما يتحول هذا الجيل من جيل عادي الى جيل يتولى ادارة الدولة وقيادة المجتمع؟.

- الكاتب محمد علي جواد تقي، شبكة النبأ المعلوماتية:

الصناعة النمطية لهذا الجيل سابقا لم تكن مطروحة، او لم يكن هناك تسمية واضحة، حتى يفصلون هذا الجيل بدعوى انه الحالة الرقمية مثلا الفترة من 2012 او الى 2022 كما تابعت على الانترنت حتى اعرف ما هو جيل زد بالضبط.

كما تفضل سماحة السيد مهدي الشيرازي، انه سابقا كان المجتمع متماسك ومتجانس من الطفل الصغير الى الكبير، كلهم كانوا يعيشون في مكان واحد، لكن عموما هذا بحد ذاته شيء يذكرنا ان نهتم اكثر وبشكل جدي بهذا الموضوع، فالموضوع هو انساني بأبعاد خطيرة جدا ونحن نلمس الاثار الموجودة ونحن معظمنا اباء وعندنا اطفال ونرى ما يحدث وما نراه نحن هو فقدان الرؤية المستقبلية لهذا الجيل بسبب الانغماس او التوجه غير المنضبط للحالة الرقمية، بشكل ادق جعلهم في حالة طلب دائما وتطلع بشكل غير منضبط لا يدرك.

التحدي والمشكلة التي تواجه هذا الجيل انه جعلهم يعتمدون على افكار جاهزة، مع حجب الرؤية عن المطالعة عن مشكلات العصر او تجارب السابقين، الانترنت شيء سهل بالوصول الى افكار وثقافات موجودة وتمارس كل يوم سواء كانت جيدة او سيئة.

جيلنا نحن والذين سبقونا بالخمسينات والستينات كانوا يطالعون كتب وكان لديهم توجه للمطالعة والتعرف على الافكار، كنا نرى في الفترات السابقة اشخاص كانوا بالتوجه المادي او الماركسي او كذا ومن خلال المطالعة بالثقافة الدينية توجهوا للثقافة الدينية، لكن الان في الحالة الرقمية الموضوع مشتت وخاضع للمعلومات السطحية.

نأتي على فكر السيد الراحل، من الامور التي حقيقةً عالجها، المشكلة الجنسية، التي عالجها بالزواج حتى انا اتذكر تلك الايام كان يأتون شخصيات للقاءه، يطلبون منه الاستخارة فكان يعرف من وجوههم ان هذه ليس خيره للتجارة، والمشكلة الجنسية من ذاك الوقت لم تكن موجودة حقيقة، ولا كان هناك انترنت او صور غير اخلاقية، هو كان يشجع على الزواج والعمل وطلب العلم.

واول سؤال يوجهه للشاب هل انت متزوج؟، واذا كان أعزب ينصحه بالزواج وتكوين اسرة صالحة، الان تركنا هذا الارث، فقضية الزواج والزواج المبكر، لا يوجد تشجيع عليها، بل يجعلون عوائق كثيرة وهذا سبب خسائر كثيرة للمجتمع على جميع الاصعدة.

- الشيخ مرتضى معاش:

انا لن اتكلم كثيرا عن قضية جيل زد والجيل الرقمي، ولدي مقالات منشورة لمن يرغب بمراجعتها في شبكة النبأ المعلوماتية بشكل مفصل حول التربية الرقمية والجيل الرقمي وهذه القضايا التي طرحت، ولكن اتكلم عن الجانب الاخر وهو تجربتي مع سماحة الامام الشيرازي الراحل كشاب، انا شاهدته كطفل كان عمري اربع او خمس سنوات قبل ان يهاجر للكويت فأتذكر بعض الملامح البسيطة، لطفولتي وكيف كنا نحبه، يكفي ان ننظر الى وجهه، كان هو نوع من الانجذاب الخاص عندما نشاهده بعدها زرته كان عمري 15 سنة، وفعلا عندما زرناه قام ووقف لنا في ديوانية الامام الشيرازي في الكويت.

بعدها عندما هاجرنا الى ايران واصبحت تلميذا عند سماحة السيد الراحل، كانت عندي تجربة جدا رائعة وجميلة معه، يمكن انا اعتبرها من افضل النعم التي حصلت عليها في حياتي، ان تكون تلميذا لعالم بمثل هذه الحكمة والعلم والمعرفة والوعي.

استثمرت هذا الامر في حياتي، وتعلمت منه اشياء كثيرة، احسست انه الاب، فكريا علميا ثقافيا وعاطفيا.

اول أمر تعلمته منه اسلوب التفكير، انا لا افكر مثل الاخرين، يكون تفكيري خارج الصندوق، ولا انساق وراء ما يطرح في الشارع وفي وسائل الاعلام، افكر باسلوب ثاني غير ما يفكر به الاخرون.

الامر الثاني الذي تعلمته منه، الأمل وعدم اليأس في كل الظروف ومع كل الضغوط التي كان يواجهها وكان عنده امل وينظر للمستقبل، وهذه نقطة مهمة في عملية تقدم الانسان وتطوره في الحياة.

الامر الثالث الذي تعلمته منه انه لا شيء مستحيل، كل شيء يمكن ان يتحقق، طبعا هناك امثلة كثيرة على ذلك وهو بحد ذاته حقق المستحيل في اشياء كثيرة، الكتب التي كتبها والمؤسسات التي اسسها في العالم من استراليا الى امريكا، كان عنده هدف انه يؤسس 1000 مؤسسة من ضمن مسجد حسينية مركز مكتبة او مشاريع القروض الحسنة، مستشفى، ومراكز الدراسات، من استراليا الى امريكا الشمالية الى اوروبا الى افريقيا الى اسيا.

الامر الاخر المهم ان الثقافة هي الاساس، يعني كل شيء يتغير بالثقافة وكل شيء يجمد بالثقافة وعدم الثقافة، فالثقافة هي الحل لكل المشكلات.

الامر الاخر الذي تعلمته منه، جوهر التغيير وجوهر الفهم وجوهر العمل وجوهر كل شيء هو اللاعنف، الذي هو اساس نظريته ورسالته الفكرية، كل شيء يمكن ان يتقدم الى الامام باللاعنف، وكل شيء يتخلف ويرجع الى الوراء بالعنف.

النقطة الاخيرة ان الانسان ينجح بالمبادئ لا بالمصالح، ورأيت انه في ظروف معينة كانت المبادئ اهم من المصالح وما وراء المصالح، المصالح تنتهي مع انتهاء عمر الانسان، ولكن المبادئ تبقى.

وهكذا كانت رسالة الانبياء والائمة عليهم السلام والمصلحين والقادة والمفكرين الذين نجحوا في نشر مبادئهم في العالم، لأنهم كانوا يؤمنون بهذه المبادئ وقدموها على المصالح.

- الدكتور علاء الحسيني، مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

حقيقةً هذا من الموضوعات المهمة الذي يتعلق بالجيل والمخاوف التي يمكن ان تنتاب هذا الجيل، وكذلك المصاعب التي يواجهها هذا الجيل.

بتقديري هناك ثلاث مصاعب او ثلاث ازمات ممكن تكون هي الاكثر تأثيرا في هذا الجيل:

المسالة الاولى هي التغيير الحضاري الذي رافق الانتقال من الحياة التقليدية الى الحياة الرقمية، فهذا التغيير الحضاري يعني كثير ما يخشى على هذه الاجيال من هذه التغييرات، وممكن انه ينجرف بعيدا عن القيم اللي توارثناها ابا عن جد كمجتمع مسلم، كمجتمع عربي، كمجتمع عراقي شرقي. فهذا التغيير الحضاري ممكن يجرفهم بعيدا عن هذه القيم الانسانية.

والخطر الاخر هو مسالة الأمن، هذا الجيل بالتحديد يعيش حالة اللايقين او حالة اللاامن، الامن الانساني، الامن الذاتي، الامن الحضاري، الامن الاقتصادي، الامن الاجتماعي، الامن الاسري، يفتقده كثيرا لأن قضاء ساعات طويلة خلف الشاشات وتلقي مختلف انواع المحتويات التي قد يكون بعضها هادف لكن الكثير منها غير ممكن السيطرة عليه ولا يمكن ان يكون محتوى هادف وانما بالغالب هو محتوى موجه لغايات معينة، قد تكون هذه الغايات في جلها جرف هؤلاء الى ساحة معينة او الى ميدان معين، وبالتالي سيكون متقلب فيما يتلقاه ولا يستطيع ان يعيش حالة الامن اليوم.

سابقا الاسرة في تسعينيات القرن الماضي كانت تجتمع حول المائدة في الشتاء الطويل مع انقطاع الكهرباء، قلة القنوات التلفزيونية ليس مثل ما نعيشه اليوم من حالة انفجار لما يتلقاه من مفاهيم وافكار، ولذلك هو لا يشعر بالامن لانه لا يقضي اغلب وقته مع والده او والدته او مع اخوه او اخته، وانما يقضي اغلب وقته مع نفسه ومع الهاتف او مع الشاشات وما شاكل ذلك.

الخوف الاخير وهو لما يبدا هذا الشاب بادراك بعض المفاهيم ويبدأ يشعر بمصاعب الحياة ومواجهة المشكلة الاقتصادية التي تضرب بلدان العالم كلها بما فيها العراق، فهذه المشكلة ليس من السهل التعامل معها وتحريك هذه الفئة العمرية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والتأثير عليها.

المحرك الاساس هو عامل اقتصادي، والاحتجاجات التي عاصرناها في جلها هي كانت مطالبات ذات طابع اقتصادي او ذات خلفية اقتصادية.

فهذه المخاطر الثلاث هي الاشد، وهي ليست الوحيدة وانما هي المخاطر الاشد، لذلك دورنا كأرباب اسر ومراكز تفكير، انه لا بد من تذكير للمعارف والقيم والمبادئ لان هذه المبادئ ممكن ان تبني الانسان من الداخل وتجعله قوي ولا تهمه هذه الازمات.

- الكاتب علي حسين عبيد، شبكة النبأ المعلوماتية:

انا شخصيا استمعت الى النقاط والاضاءات التي نقلت عن الامام الشيرازي، كان تأثيرها قوي جدا، اولا بطريقة الطرح وطريقة التوصيل وطريقة الاقناع والتأثير، مثل هذه الطروحات انا اعتقد انه يمكن ان يكون لها تأثير كبير جدا بالشباب لو اطلعوا عليها وطبقوها من خلال كتبه ومؤلفاته.

- الاستاذ حسين شاكر العطار، اكاديمي قانوني:

لدي اربع ملاحظات اود مشاركتها معكم، اولا، الانفتاح على هذا الجيل من خلال تقبل افكارهم وهذه ضرورية جدا. ثم من بعد تقبل الافكار نبدأ بطريقة غير مباشرة بالتوجيه، فهذا الجيل عندما تتكلم معه وتتحاور تشعر انه يريد ان يتكلم ويريد ان يسمعه الاخرون، فهذا التقبل للأفكار والاستماع لهم ضروري جدا لكسب هذا الجيل.

وكل ذلك من خلال التوجيه غير المباشر، لان التوجيه المباشر عادة لن يتقبله باعتباره جيل متمرد ومشاكس، لذلك النزول لواقعهم والتعلّم من اساليبهم هو الحل الامثل للتواصل معهم.

اغلب هذا الجيل دائما ما يستخدم مصطلحات اجنبية وحداثوية، لا بد ان نتعلمها، اذا لا تتكلم نفس لغته فلن يتقبلك وستبقى الفجوة كبيرة بيننا وبينهم.

كذلك المرونة في التوجيه، في العمل عادة ما اشاهد الاباء او الاخرين كمعلم او استاذ، مرشد او خطيب منبر، عادة ما يوجهون الشباب بطريقة جافة او قاسية وعلينا ان نحث ونوجه بتغيير اسلوب ولغة الخطاب حتى نكسبهم ونؤثر فيهم بطريقة ايجابية.

هذا الجيل عملي أكثر مما هو نظري، يحب ان يبادر ويتحرك اكثر مما يتلقى، فلذلك نحتاج دس الافكار الايجابية التي لدينا من خلال الطريقة او المنطق الذي نتعلمه منهم حقيقةً.

- الدكتور خالد الاسدي، باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

بالنسبة لهذا الجيل، حقيقةً قرات مجموعة من المقالات، جلها تذم هذا الجيل على انه جيل سطحي ومتمرد. لكن هناك مجموعة من الثيمات يجب النظر اليها، واحدة منها، ان هذا الجيل هو سريع التعلّم وسريع التقبل، يعني نحتاج الى من يحيط بهذا الجيل بان يعطيه حقه من الوقت.

عبارة قراتها بإحدى المقالات تقول بانه نحن الجيل السابق على جيل زد من مهاجري التكنولوجيا ولكن هذا الجيل هم ساكني التكنولوجيا، من الممكن ان نستفيد من هذا الجيل بان نطورهم في مجال التكنولوجيا التي هي اساس العلوم اليوم، ومن خلال التكنولوجيا نحو جميع المجالات، والاستفادة منهم من خلال بناء مؤسسات، ولكن المشكلة ان صاحب القرار لا يريد ان يعطي من نفسه لهذا الجيل.

- الباحث حامد الجبوري، مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

نحن مثلما ذكر الاستاذ في ورقته جيل زد من 1997 الى 2012، بالنسبة للتحول الاقتصادي هذا يعود الى عام 1989 باعتباره حدث تحول عالمي، خصوصا انهيار الاتحاد السوفييتي وشيوع الرأسمالية.

هذا ادى الى انسحاب الدولة من الاقتصاد وموضوع الاقتصاد اصبح من قيادات القطاع الخاص، القطاع الخاص دائما يقوم على تغيرات في الانتاج، فيتم تسريح العاملين وبحاجة الى مهارات جديدة خاصة التي تتعلق بالتكنولوجيا، فهذا التحول على المستوى الاداري، اما على المستوى الهيكلي فالقطاعات الاقتصادية ايضا حدث فيها تحول، سابقا كان الاقتصاد قائم على الزراعة، ثم تحول الاقتصاد هيكليا الى الصناعة والى الخدمات وحاليا الى التكنولوجيا.

فالتحول هذا ايضا ساهم في توليد مزيد من البطالة، لأنه دائما يتخلى عن المهارات القديمة، بينما الجيل الجديد فاقد للمهارات الحديثة فيدفع به نحو البطالة في التحول الاقتصادي هيكليا واداريا وادى الى تفاقم مسالة البطالة.

المسالة الثانية المعلوماتية ان العالم اتجه نحو المعلوماتية، وهذا قلل من اهمية المهارات القديمة، وساعد ايضا في تقليل فرص العمل، وان كان هناك فرص عمل جديدة تحتاج الى بناء مهارات جديدة.

بالنسبة للحلول، ما الضير من اعتماد اساتذة الجامعات لأساليب وسائل التواصل الاجتماعي في تقديم المحتوى العلمي بشكل سريع ومختصر، حتى يكون هناك استجابة اكثر من قبل الطلبة، وهذا يقلل من مسالة النفور للأستاذ الجامعي وقبول المحتوى الذي يقدمه.

- الباحث حيدر الاجودي، مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

اعتقد ان هذا الجيل ليس فقط جيل رقمي، بقدر ما هو جيل نشأ في بيئة معقدة نتيجة ازمات سياسية متسارعة. ازمات اقتصادية. ازمات ثقافية. انفجار للتكنولوجيا.

وسط هذه الازمات والتعقيدات نشا والذي جعله يتميز عن سابقيه من الاجيال او الاجيال التي سبقته، ادت بهذا الجيل الى ظهور كثير من الاسباب اهمها هي غياب الهوية، فتجده غارقا بالجيل الرقمي او العصر التكنولوجي الرقمي، والذي احاط بهالة جعلته يغيب عن العالم الواقعي، وعندما يظهر للعالم الواقعي يجد فجوة بين ما كان يعيشه بشاشات التكنولوجيا وبين واقعيته، فاصبح هناك غياب لهويته.

ادت به الى السبب الثاني، وجود فجوة بين الاباء والابناء، هذه الفجوة جعلت تنافر ما بين الجيلين.

من الاسباب الاخرى هو وجود التكنولوجيا والانفجار التكنولوجي ادت به الى غياب فرص العمل وتضييعه لكثير من الوقت بين تطبيقات الهواتف الذكية من تطبيق الى اخر جعلت منه يضيع في متاهات الوقت.

من الحلول التي طرحها السيد الشيرازي هو التركيز على قضية الوعي على المستوى السياسي والثقافي والاقتصادي، ويجعل الشخص ان يكون محللا لكثير من الازمات لا فقط متلقي، هذه حقيقةً هو دائما يركز عليها وايضا يركز على الحلول الاجتماعية وهو الزواج المبكر.

- الباحث حسين علي حسين، مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

الحروب سبب هذه الازمات التي نعيشها ومن ثم القلق الرقمي وتشتت الهوية والمقارنات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نحن نملك التواصل لكن في نفس الوقت هناك شعور بالاغتراب والانفصال عن الاجيال السابقة، وهذه التحديات ناتجة عن الانترنت وما يحتويه وغياب التوازن في استخدامه وضعف الوعي النقدي.

طريقة المعالجة هو بناء الانسان الواعي القادر على التمييز بين الوسيلة والغاية وتعزيز القيم الاجتماعية والاخلاقية والحرية المسؤولة.

- الكاتب باسم الزيدي، مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

في نظرة سريعة من الجيل الصامت الى جيل الفا الاخطر والذي ينبغي ايضا تسليط الضوء عليه، نجد انه هناك انحدار او اتجاه نحو الفردانية والعزلة، وطبعا جيل الفا الذي هو بعد جيل زد ايضا يستحق الدراسة باعتبار ان تخوفنا من الانترنيت والهواتف الذكية لا يقل خطورة عن تخوفنا من اندماج الجيل القادم مع الذكاء الاصطناعي الذي قد يكون بالمستقبل هو مرجعيته.

نأتي على المخاطر الوجودية لهذا الجيل تحديدا، نقاط عديدة اخطرها ان هذا التأثير التكنولوجي جعلها نسبية باعتبار ان هناك تعدد المرجعيات، الجيل زد لا يملك مرجعية واحدة او قيادة، وهذا التعدد بالمرجعيات جعل كل شيء نسبي حتى الحقيقة المطلقة.

فلذلك هذا الجيل ضرب في عقائده، في قيمه، في عاداته، في تقاليده، هذه مسالة وجودية خطيرة.

المسالة الثانية ايضا التي يعاني منها هذا الجيل ان الفردانية خلقت له عالم افتراضي، استبدل العلاقات الاجتماعية مثلا بالاعجابات استبدل التواصل مع الاخرين بمسج او كذا ومال نحو الانعزالية او الفردانية، هذه ايضا مشكلة جدا خطيرة جعلته منسلخ عن الواقع الذي يعيشه.

المسالة الثالثة الخطيرة هي قلة التفكير او القراءة واستبدل هذا بالخوارزميات التي اصبحت عملية استلاب للعقل او التفكير، الخوارزميات هي من تفكر بدلا عنه، هي من تعطيه حلول، هي من تقيم الواقع، هي تقرر مثلا من يصادق او يكره او يتابع او كذا وغيرها طبعا من الامور الاخرى.

لو اتينا على السؤال الثاني ونظرنا في رؤية الامام الشيرازي، في كتاب الشباب مثلا طرح مسالتين مهمة اعتبرها هي قواعد للبناء عليها، المسالة الاولى ان الشباب هم ركن اساسي يمكن الاعتماد او التعويل عليه، او الانطلاق من عنده لتغيير اي واقع، هذا يعني عنده من المسلمات.

المسالة الثانية التي طرحها ايضا وقد تخالف الكثيرين، لا يمكن مجابهة تطور العصر بالانعزال، هذا ليس حل، هو اطلق عليها مصطلح ترشيد التطور وطرح كثير من الافكار التي سبقت عصر الفضائيات، طرح التأليف، الكتب، الاقمار الصناعية وغيرها من الامور العصرية، فاعتبر ان ترشيد هذه الامور هو منطلق لتغيير اي واقع، وطرح ايضا نظريات كثيرة يمكن الاعتماد عليها في مجابهة هذه الامور الوجودية.

مثلا في مقابل الفردانية طرح مسألة المؤسسية مثلا في مقابل الانعزال، طرح التعددية والشورى في مقابل العنف الذي ذكره الاستاذ مثلا ان هذا الجيل يميل للعنف.

طرح نظرية اللاعنف وغيرها الكثير يمكن ان نعول عليها والانطلاق من عندها.

- الاستاذ عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

هذا الجيل يملك من المعلومات ومن الشخصيات ومن القدرة على التطوير اشياء هائلة جدا، والان اشاهد الشباب ابنائنا واطفالنا يستلهمون المعلومات ويطورونها بالتكنولوجيا بالمواقع وغيرها، نحن لا نستطيع ان نستخدمها، حاولنا قدر الامكان ان نركز على بالجانب العبادي ولم نعطي للأطفال والشباب صورة ان رب العالمين هو كتلة من الرحمة اذا شاع التشبيه وهو محب للانسان، بل جعلناهم خائفين منا ومن تأنيبنا لهم.

الشيء الثاني المهم حولناهم الى كتلة عاطلة بالعراق، شعب يأكل وينام وهنا الدور الحكومي بائس جدا في هذا الموضوع، ربيناهم على تعطيل الاعمال والدراسة والخمول والعطل هي ارهاب من نوع اخر.

الجانب الاقتصادي بالتأكيد يتاثر بهذه السياسة لكن التأثير الاعظم على السلوك الاجتماعي، عندما نعلم الناس على تعطيل كل شيء ونربيهم على الكسل والخمول ومن ثم نريد منهم الانجاز والعمل، هذا له تأثيرات مستقبلية خطيرة بكل تأكيد.

في عملي وكما تعرفون، الموظف الدائمي القديم والكبير في السن يعمل ويتعب في مقابل الشباب ما نسميهم العقود الجديدة، غالبيتهم يبحثون عن العطل والاستراحات والاجازات ونحن نفقد الكوادر القديمة بالتقاعد وتقدم السن وبدا عملنا يتأثر بالانجاز الضعيف بسبب هذه التربية لعقدين من الزمن تقريبا.

يجب ان نعلم ابناءنا انه لا يمكنه الحصول على كل شيء، لان كل شيء في الحياة مقابل ثمن وعندما تحصل على شيء ما يجب ان تعلم كيف تم الحصول عليه وما هو الجهد والمال الذي صرف مقابله. بسبب ثقافة الاتكالية، تحولنا الى مجتمع كسول، مجتمع خامل.

هنا لم اتكلم على الجانب الفكري ولم ادخل بالجانب العقائدي وقد يحوي على نماذج مشابهة، اتحدث فقط عن الجانب الاقتصادي والنشاط اليومي.

حتى الممارسات اليومية لو حللناها سنكتشف ان نمط العيش خاطئ ولا يشبه الحياة قبل عقدين من الزمن واكثر على اقل تقدير، مثلا شخص يصحو من النوم الساعة 5 صباحا، يؤدي الفرائض ويذهب لعمله ثم يعود الى المنزل للاستراحة والصلاة ومن ثم يكمل هواياته او التزاماته العائلية عصرا، او يدرس او يقرا كتاب مثلا في المساء، كم لدينا من هذا النموذج في المجتمع حاليا؟، الان وبلا مبالغة ثلاث ارباع مجتمعنا وخاصة ايام العطل التي يتسابق على اعلانها الحكومات الاتحادية او المحلية يصحو من النوم بعد صلاة الظهر، يعني تبخرت صلاة الفجر واعمال الصباح، هذا نظام حياة بائس حول الانسان الى كتلة من الجمود والخمول، حتى النظام الغذائي اختل عنده واثر على كل المنظومة الاقتصادية والانسانية.

انا لدي عمل متابعة سنوي اثناء الزيارة الاربعينية على سبيل المثال، هناك من يعمل بتفاني واخلاص ضمن الواجب وخارج الواجب وقد يبقى بعض الضباط والموظفين ثلاث ايام بلا نوم وعمل متواصل وهذا الشعور والتفاني عند الحاجة لم يأت من فراغ بل نتيجة تربية قاسية والتزام كبير عاشه هذا الشخص طوال حياته على عكس ما نربي عليه الاجيال الناشئة حاليا وهذا تأثيراته ستكون واضحة للعيان قريبا جدا جدا.

- الاستاذ حسن كاظم السباعي، كاتب وباحث:

الازمات والمشكلات الوجودية لجيل زد لا تختلف عن غيرها من الازمات بالنسبة للأجيال السابقة، مع فارق ما اصطبغ به عصرهم من تطور في الاليات والتقنيات، فحال التكنولوجيا كغيرها؛ سلاح ذو حدين يمكن لها ان تكون سلبية او ايجابية، فكما قد تؤدي الى العزلة عن الاخرين والادمان على الاجهزة الجامدة البعيدة عن الروح، يمكنها ايضا ان تكون نافذة للاطلاع والتعلّم واستغلال الوقت؛ حيث يمكن لأبناء زد مثلا؛ ان يتعلموا في اي وقت وعلى كل حال دون ازعاج الاخرين، وان يحوّلوا مثلا الكتاب المطبوع الى كتاب صوتي ثم يستخدموا سماعة البلوتوث فيكونوا في مطالعة دائمة في كل وقت وظرف، فهذه الفرصة لم تكن متاحة للأجيال السابقة ان يحددوا ما يريدون الاطلاع عليه بأنفسهم بسهولة بالغة، مثلا: اذا اراد شخص من الجيل السابق مطالعة كتاب، كان عليه ان يلغي كل اعماله، وان يخصص ساعات من وقته ليبحث عن كتاب ما، وربما عليه ان يقطع مسافات بعيدة ليحصل على ما يريده، ناهيك عما كان يكلفه من تكاليف قد تجبره ان يضحي بسائر احتياجاته الضرورية، في حين ان كل شيء معد لهذا الجيل بحركة اصبع لتكون ايضا مصدرا ماليا اذا استغله للتجارة عبر صناعة المحتوى وفتح المواقع التجارية والتداول وغيرها.. ناهيك عن الذكاء الاصطناعي وما يفعل من افاعيل ومعاجز في جميع مجالات الحياة..

وفيما يرتبط برؤية المجدد السيد محمد المهدي الحسيني الشيرازي؛ نلاحظ شهادة مواقفه ومؤلفاته على عمق ادراكه لمتطلبات العصر واجياله المختلفة، فمخاطبته كل فئة بما يناسب متطلباتها دون ان يهمل جيل على حساب جيل اخر، جامعا بين الاصالة والحداثة باسلوب حكيم.

مثلا: حينما بدا الامام الشيرازي مسيرته العلمية والعملية، كان قد بداها بمسؤولية المدرسة الفقهية والمرجعية الملقاة على الفقهاء والمراجع ثم تولى زمام متطلبات الجيل الجديد لأنه كان مدركا لمستجدات العصر وافكاره المستوردة، فعلم ان الاسلوب التقليدي في التوجيه بات لا يكفي، ولا بد من مواجهة الافكار الدخيلة او الحديثة ومناقشتها بمختلف مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد وما شابهها.. وهذا ما يميز الامام الشيرازي عن غيره من المصلحين، فغيره كان يقدم على الرد على الشبهات دون الانشغال باي مهمة اخرى، الا ان الامام الشيرازي واجه مختلف التيارات ورد على شبهاتها واثاراتها وتشكيكاتها، وفي نفس الوقت واصل ايضا مسيرته العلمية والفقهية بفكره الفذ وبتميز وابداع، وبعبارة اخرى؛ في نفس الوقت الذي كان السيد منشغلا بالفقه وبنى منهجية جديدة وفريدة من الابداع والتطور الفقهي، مارس ايضا مهامه تجاه الجيل الجديد الذي انشغل بتطورات واحداث الساحة آنذاك، حيث كان الجيل الجديد متأثرا بالأفكار اليسارية التي كانوا يرونها متقدمة وتحررية، او بفكر "الاسلام السياسي" بالمفهوم المتداول؛ حيث كان الشباب يرون حاجة ماسّة لمواجهة التحديات، فقام الامام الشيرازي بالتصدي لتلك الافكار من خلال الآيات والروايات، وقد يتوهم البعض انه كان يؤيد (الاسلام) السياسي او ينظِّر للحركة (الاسلامية)، لكنه واقعا كان يرد، وليس ضمن، ولم يتفق مع افكارهم يوما ما، -وما ان استيقنوا ان الامام المجدد بعيد عنهم فكريا حتى فتحوا باب مرجعيتهم الضرارية مستغلين المكانة التي كانوا يتمتعون بها.. وفي خضم تلك الانشغالات فهو لم يتوقف عن مسيرته الفقهية حتى اخر لحظة من لحظات عمره المبارك.

اما من حيث منهجه واسلوبه: كان يقسم درسه بين المادة التدريسية وبين الفكر والسياسة والنصيحة ومستجدات العصر، وكذلك من خلال استخدام اللغة والمفردات المعاصرة؛ حيث في نفس الوقت الذي كتب عن فقه الطهارة مثلا، كتب عن فقه البيئة والنظافة لتكون أقرب للغة العصر.

من هنا وبناء على هذا الاساس ومن خلال تلك القرائن؛ يتضح لو أدرك العهد الحالي الذي يعيشه جيل زد لكان يمارس نفس النهج، خاصة وان للوضع القائم فرصة اكثر لنشر الفكر الصحيح، وعليه يمكن ان يحذى حذوه من خلال العودة الى تجاربه الغنية.

ومن المناسب في الختام ان اروي من ذاكرتي شرف اللقاء الذي حصل وانا في بداية مراهقتي حيث كنت بصحبة والدي حينما تشرفنا بزيارة الامام الراحل في بيته بقم المقدسة، وكان اهتمامه بالصغار كاهتماله بالكبار، فخصص سماحته حديثه الكريم لي مخاطبا: "عليك وعلى كل شاب في عمرك - وكان عمري حينها ١٣ سنة- ان يؤسس مكتبة خاصة وحسينية خاصة"، وانا حينها لم اكن ادرك قيمة تلك الكلمة، ولكنها اثرت عليّ فيما بعد، وهدتني حقا وواقعا، وصارت لي منهج حياة، وهذا نموذج بسيط واحد ذكرته عن شخصية الامام الشيرازي وبُعد الرؤية والنظر لديه، وكانه يرى الجيل الرقمي الحالي ويلمح انه في نفس الوقت الذي عليك ان تثقف نفسك مجتمعك من خلال تكوين مكتبة خاصة، ان لا تنعزل ولا تنقطع عن الاخرين من خلال حسينية للتواصل الحي مع المجتمع، ولهذا الجيل الفرصة الكبرى لتحقيق هذه الوصية.

استنتاجات وتوصيات

1- الاستنتاج: لم يعد جيل زد يتشكل معرفيًا وثقافيًا من خلال المرجعيات التقليدية وحدها، كالأسرة والمدرسة والمنبر والمؤسسات الاجتماعية، بل أصبح الفضاء الرقمي ومواقع التواصل وصناع المحتوى والخوارزميات من أهم مصادر تشكيل وعيه وقيمه وسلوكه.

التوصية: ضرورة تطوير خطاب ثقافي وتربوي وديني رقمي قادر على الوصول إلى هذا الجيل بلغته وأدواته، من خلال محتوى قصير، عميق، جذاب، وموثوق، لا يكتفي بالموعظة التقليدية، بل ينافس المحتوى الرقمي المؤثر في بيئته نفسها.

2- الاستنتاج: يعاني جيل زد من تراجع الارتباط بالسرديات الكبرى التي شكلت وعي الأجيال السابقة، مثل سرديات الوطن والقومية والتاريخ السياسي والصراعات الكبرى، مما جعله ينظر إلى القضايا العامة من زاوية مختلفة وأكثر براغماتية.

التوصية: إعادة تقديم القضايا الكبرى بلغة واقعية قريبة من اهتماماته اليومية، وربط مفاهيم الدين والوطن والعدالة والحرية والكرامة بمشكلاته المباشرة، مثل العمل، المستقبل، الأمن، الهوية، والعدالة الاجتماعية.

3- الاستنتاج: أصبح جيل زد منتجًا للمحتوى لا مجرد متلقٍّ له، إذ يصنع لغته ورموزه الخاصة عبر الميمز، والمقاطع القصيرة، والتعبير البصري السريع، مما غيّر طبيعة الثقافة من ثقافة نخبوية عمودية إلى ثقافة أفقية تشاركية.

التوصية: دعم مبادرات شبابية لصناعة محتوى ثقافي وأخلاقي واجتماعي هادف، وتشجيع الشباب على تحويل أدواتهم الرقمية إلى منصات للتأثير الإيجابي، بدل تركها للترفيه السطحي أو الاستلاب الخوارزمي.

4- الاستنتاج: تظهر احتجاجات جيل زد حول العالم أن هذا الجيل، رغم اتهامه بالعزوف السياسي، يمتلك قابلية عالية للاحتجاج والمساءلة عندما يشعر بالظلم، والفساد، وانعدام الفرص، وغياب العدالة الاقتصادية.

التوصية: فتح قنوات مؤسسية آمنة وفاعلة لمشاركة الشباب في صناعة القرار، وإشراكهم في المجالس الاستشارية، والبرامج المحلية، ومبادرات الرقابة المجتمعية، حتى لا يتحول الإحباط إلى انفجار احتجاجي غير منضبط.

5- الاستنتاج: يشكل الفساد والبطالة وانعدام الأمن الاقتصادي عوامل مركزية في توليد غضب الشباب وشعورهم بالاغتراب، خصوصًا في المجتمعات التي تحكمها نخب سياسية مسنّة لا تعبّر عن طموحاتهم.

التوصية: تبنّي خطة اقتصادية وطنية لتمكين الشباب، تقوم على التدريب المهني، وريادة الأعمال، والقروض الحسنة، وتطوير المهارات الرقمية، وربط التعليم بسوق العمل، بما ينسجم مع رؤية الإمام الشيرازي في تشغيل الشباب وتفعيل طاقاتهم.

6- الاستنتاج: أكدت أفكار الإمام الشيرازي أن الشباب هم ركيزة التغيير والنهوض، وأن إهمالهم يؤدي إلى تأخر الأمم، بينما العناية بهم فكريًا وروحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا تصنع نهضة المجتمع.

التوصية: تحويل الاهتمام بالشباب إلى مشروع مؤسسي دائم، عبر إنشاء مراكز شبابية، ومكتبات، ومنتديات حوار، ومؤسسات تدريب، وبرامج تزويج وتشغيل، بحيث لا تبقى رعاية الشباب مجرد خطاب وعظي أو موسمي.

7- الاستنتاج: يمثل الفراغ الفكري والعاطفي والاجتماعي أحد أخطر مداخل الانحراف لدى الشباب، إذ يدفعهم إلى الارتماء في بدائل رقمية أو سلوكية قد تكون سطحية أو مضللة أو مدمرة.

التوصية: تعزيز دور الأسرة في المصاحبة اليومية للأبناء، وملء الفراغ العاطفي والتربوي عبر الحوار، والقصص الهادفة، والأنشطة المشتركة، والاهتمام الحقيقي بعالم الشباب، لا الاقتصار على تلبية حاجاتهم المادية فقط.

8- الاستنتاج: أبرزت المداخلات أن المشكلة ليست في التكنولوجيا بذاتها، بل في غياب التوجيه والترشيد والبديل؛ فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تعلم وإبداع، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة عزلة وتفاهة واستلاب.

التوصية: اعتماد مبدأ “ترشيد التكنولوجيا” لا محاربتها، من خلال تعليم مهارات التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وإدارة الوقت الرقمي، وتحويل الهاتف والمنصات إلى أدوات تعلم وإنتاج ومعرفة.

9- الاستنتاج: يعاني جيل زد من فجوة متزايدة مع الأجيال السابقة بسبب اختلاف اللغة، والأولويات، ومصادر المعرفة، وأساليب التعبير، مما يجعل الخطاب المباشر أو القاسي أقل قدرة على التأثير فيه.

التوصية: تدريب الآباء، والمعلمين، والخطباء، والمربين على أساليب تواصل مرنة مع الشباب، تقوم على الإصغاء، وتقبل الأسئلة، وفهم المصطلحات الرقمية، والتوجيه غير المباشر، بدل التوبيخ أو الوصاية أو الإدانة الجاهزة.

10- الاستنتاج: تكشف رؤية الإمام الشيرازي أن بناء الشباب لا يتحقق بالوعظ وحده، بل بمنظومة متكاملة تجمع بين العقيدة، والعلم، والعمل، والزواج، والترفيه المشروع، والمؤسسات، واللاعنف، والأمل، وتحويل الطاقات إلى فعل اجتماعي نافع.

التوصية: صياغة برنامج شبابي شامل مستلهم من أفكار الإمام الشيرازي، يقوم على خمسة محاور: التحصين الفكري، التمكين الاقتصادي، التربية الأسرية، المشاركة الاجتماعية، والإبداع الرقمي؛ ليكون الشباب قوة بناء لا ضحية فراغ أو تهميش أو استلاب.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

ذات صلة

الوعي السياسي أم الوعي الديني؟التعصب وعلم النفس الاجتماعيماذا يريد الزيدي من ملاحقة المقربين من السوداني؟المباهلة: لحظة قرآنية لم تغادر الوجدانالقوى الرئيسية التي تشكل الأسواق والجغرافية السياسية