النص القرآني بين القداسة وإمكانية النقد

موازنة في فكر الإمام محمد الحسيني الشيرازي وعبد الكريم سروش

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي

2026-05-02 03:44

انبثقت فكرة التجاوز على حدود المقدَّس من قبل المستشرقين الذين أخذوا على عاتقهم نقد العقل الديني المسلم، فبثُّوا سمومهم في أحشاء الجسد الإسلامي وصار ينخر به حتى بدأ يتأخر بذاته ومن قبل ذاته، فأشاروا إلى الثوابت بتوجيه اسفين النقد تحت يافطة الحياديَّة والإنصاف مستعينين بمن يميل إليهم أو لأفكارهم، فشككوا بالخالق وبالرسالة وبالرسول وبالوحي، وهنا يتمحور الخلاف حول طبيعة الوحي؛ هل هو لفظ ومعنى موحى بهما من الله مطلقاً؟، أم أن للمجال البشري والظروف التاريخية دوراً في تشكيل صياغته؟ 

 يبرز هنا تياران: الأول يرى في النص قداسة ذاتية مطلقة، والثاني يحاول "أنسنة" فهم النص وتفكيك آليات إنتاجه، والمقال يُشير إلى تفكيك سردية النقد الديني على جناحين معاصرين لكل جناح رأيه واتجاهه، على الرغم من أنّ هذين الاتجاهين ينتميان إلى المنظومة الدينية؛ إلَّا أنَّ أحدهما اتخذ الثبات والدفاع وهو الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدِّس سرّه)، والثاني اتخذ من الإنسلاخ التام عن المنظومة الدينية مدَّعيا التحرر وتشطير الصنمية الفكرية، فكانت مادَّة المقال المنهجية الفكرية للثابت والمتحول في القداسة القرآنية.

أولاً: السيد محمد الحسيني الشيرازي - الثبات والقداسة المطلقة

 يرى السيد الشيرازي أن القرآن الكريم هو كلام الله بحروفه وألفاظه ومعانيه، نزل به الروح الأمين على قلب النبي محمد (صلى الله عليه وآله) دون أي تدخل بشري في الصياغة. والقداسة عند الشيرازي ليست مجرد احترام ديني، بل هي حقيقة تكوينية تجعل النص متعالياً على الزمان والمكان، والسردية النصِّية كشفت عن مفهومها ومصاديقها بنفسها دون الاستعاذة بأحد، فأقام القرآن الكريم عموده بنفسه وانتصب للمواجهة دون تدخل أحد للدفاع عنه.

مصدر القداسة: 

 تنبع من "التوقيفية"؛ أي أن كل فاصلة وآية هي باختيار إلهي محض ولم يتدخل الإنسان بوضع حرف على حرف أو حركة في القرآن الكريم؛ وهذا مما جعله جاريا مجرى الشمس والقمر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الموقف من التأويل:

يرفض السيد الشيرازي أي تأويل يخرج النص عن ظاهره إلا بقرينة شرعية قطعية، معتبراً أن محاولة إخضاع النص للمناهج البشرية الحديثة هو نوع من "تفسير بالرأي" المنهي عنه، فأقام الحجج والبراهين من القرآن للقرآن أو من العترة للقرآن الكريم لأنَّهم العِدل الموصى به، فأصدر كتابه الشهير تفسير (تقريب القرآن للأذهان).

ثانياً: عبد الكريم سروش - الوحي كـ "تجربة نبوية"

 يقدم سروش رؤية مغايرة تماماً ضمن نظريته الشهيرة "بسط وتجربة نبوية". هو لا ينفي القداسة بمعناها الروحي، لكنه يفرق بين "الوحي الإلهي الصرف" وبين "القالب اللغوي" الذي صُب فيه. فمن توجهاته:

بشرية اللفظ: 

 يرى سروش أن النبي (صلى الله عليه وآله) ليس مجرد "ناقل" بل هو "محور" في عملية الوحي، حيث تأثر النص باللغة العربية السائدة، وبثقافة العصر، بل وبحالة النبي النفسية، فهو يرى أن النص القرآني نزل على النبي الأكرم بطريقة الإلهام المعنوي؛ والنبي بدوره صاغ المعاني في قالب اللغة العربية.

تاريخية النص: 

 يرى أن القرآن يحتوي على جوانب "عرضية" (مرتبطة بزمن نزوله) وجوانب "ذاتية" (جوهر الدين)، مما يفتح الباب لإعادة قراءة النص قراءة نقدية تتناسب مع مقتضيات العصر؛ وبهذا يضع المبضع بيد الناقد ليجرِ عملية النقد أنَّى شاء، فالناص عنه تاريخي والتاريخ قابل للنقد.

إشكالية الوحي بين "المرآتية" و"الفاعلية"

1. رؤية السيد محمد الحسيني الشيرازي: "القرآن مرآة الغيب المطلقة"

 ينطلق السيد الشيرازي من مبنى "التوقيفية التامة". بالنسبة له، اللغة العربية في القرآن ليست وعاءً اختاره النبي (صلى الله عليه وآله)، بل هي اختيار إلهي أزلي، هيَّأ له ظروف النزول لوقت مجيئه، فاللغة العربية عند السيد الشيرازي تهيأت عبر عصور متعاقبة بتسديد من الله عزَّوجل حتى استطاعت استيعاب المعنى القرآني، فتم نزوله بهذه اللغة دون غيرها.

فلسفة اللغة: 

 يرى الشيرازي أن العلاقة بين اللفظ والمعنى في القرآن هي علاقة "جعل إلهي" ولم يرَ أنَّ العلاقة اعتباطية -كما ذهب إلى ذلك فرديناد دي سوسير- فهو يرى أن العلاقة قصدية متكاملة. بالإضافة إلى أنَّ القداسة هنا ليست صفة عارضة، بل هي صفة ذاتية. فالحرف القرآني عنده له "ملكوت"، ولذلك رتّب الفقهاء (وهو منهم) أحكاماً شرعية غليظة على مسّ كتابة القرآن دون طهارة، لأن المادة (الحبر والورق) اكتسبت قداسة من قداسة المصدر.

الأنطولوجيا (الوجود): 

 القرآن عند الشيرازي هو "تنزّل" للوجود الإلهي في عالم اللفظ. لذا، فإن محاولة "تفكيك" النص أو ادعاء تأثره ببيئة قريش يُعد -عند الشيرازي- هتكاً لقداسة المصدر ونسبة الجهل أو العجز إلى الله (تعالى عن ذلك)، لأنه يقتضي أن الله لم يستطع إيصال رسالته إلا عبر أدوات بشرية قاصرة، وهذا ما جعل السيد الشيرازي يرفضها رفضاً قاطعاً.

2. رؤية عبد الكريم سروش في القرآن الكريم 

 ينطلق سروش من فلسفة العرفان الصوفي؛ لكنه يذهب بها نحو آفاق حداثية، حيث يعد أن الوحي هو "نتاج تجربة باطنية" وذلك عبر:

بشرية الوحي: سروش لا يقول: إن القرآن "تأليف" بشري بالمعنى العادي او المعنى المعتاد المباشر، بل يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) في حالة الوحي يتحد مع "العقل الفعَّال"، فتفيض المعاني على قلبه، ثم يقوم النبي بصبها في قوالب لغوية (عربية، قرشية، تاريخية). هنا تصبح "القداسة" للمحيط (المعنى الإلهي) وليست للهيكل (اللفظ العربي) فمن الممكن أن نوجه شفرات النقد إلى اللفظ القرآني -بحسب رؤيته-.

الوحي الظني والوحي القطعي: يرى سروش أن "الجوهر" قدسي قطعي، أما "العرضيات" (مثل الأحكام الجنائية، أو الأمثلة المتعلقة بالإبل والخيام)، فهي "عرضيات تاريخية" اكتسبت قداستها فقط لأنها كانت وسيلة التواصل في القرن السابع. لذا، يدعو سروش إلى "نزع القداسة" عن العرضيات لإحياء الدين في العصر الحديث ليواكب عصرنة العقل المتطور.

3. المواجهة المنهجية: "تعدديّة القراءة" ضد "وحدة الحقيقة"

تتجلى أعمق نقطة خلاف في "شرعية الفهم" بين السيد الشيرازي وسروش في المنهجية القرائيّة للنصوص الدينية.

 فعند السيد الشيرازي يطفو (المنهج الأصولي)، فعنده الحقيقة القرآنية واحدة، والوصول إليها يتم عبر "أدوات الفهم العربي" و"الروايات الصحيحة". النص مقدس لأنه "حاكم" على العقل البشري. والعقل وظيفته الاستنباط وليس "الحاكمية" على النص فيبقى النص حاكما على العقل، وما العقل إلَّا أداة لاستنباط الأحكام يستعين به الجامع للشرائع.

 أمَّا عند سروش تطغى (الهرمينوطيقا) وهي النظرية التأويلية للنصوص الدينية: لا يوجد فهم مقدس. كل فهم للقرآن هو "فهم بشري" نسبي ومتغير. القداسة للنص الأصلي الذي اصطلح عليه بـ(الوحي الخام) أما "القرآن الذي بين أيدينا" فقد دخل في صيرورة التاريخ والتفسير، وبالتالي لا يجوز إضفاء صفة الإطلاق على تفسير معين.

موازنة الأفكار بين السيد الشيرازي وسروش (الجوهر الفلسفي والعرض المادي)

 السيد الشيرازي يخشى أن "أنسنة" النص ستؤدي في النهاية إلى "تذويب" الدين وفقدان مرجعيته. 

 بينما يرى سروش أن "تقديس الحرف" سيؤدي إلى "تحجير" الدين وجعله غير قابل للحياة في العصور الحديثة. هي معركة بين "حفظ النص" و "حفظ الجوهر" والعرض اللفظي عنه قابل للتأويل. ومن هذه الأفكار نجد ما يأتي:

1- ينطلق السيد الشيرازي من قاعدة "القرآن هو الميزان" وهو الأصل في كل شيء وهو الذي تُقاس به العلوم.

2- ينطلق سروش من قاعدة أن "المعرفة البشرية" هي الميزان الذي نَفهم بها القرآن الكريم. 

 وهذا الصراع يعكس عمق الفجوة بين المدرسة التقليدية التي تحافظ على "هيبة النص" والمدرسة الحداثية التي تسعى لفك "ارتباط النص بالماضي" على الرغم من أنّ الاثنين يصدران من المنظومة الدينية إلَّا أنّ السيد الشيرازي التزم بالمبادئ، في حين انسلخ سروش منها.

الغوص في الأصول: الصراع على "ماهية" الكلمة

المنظور الوجودي عند السيد محمد الشيرازي: "تجلي الذات في الحروف"

 ينطلق السيد الشيرازي من رؤية تنتمي إلى مدرسة "أصالة النص" المرتبطة بعلم الكلام الإمامي المتشدد في تنزيه المصدر؛ ويتجلى ذلك في:

1- نظرية المرآتية الصرفة: يرى السيد الشيرازي أن النبي (صلى الله عليه وآله) في لحظة الوحي يبلغ ذروة "الفناء" في الإرادة الإلهية. والنص هنا ليس "تمثيلاً" للحقيقة، بل هو الحقيقة ذاتها متجسدة في صوت ولغة. 

 والقداسة عند السيد الشيرازي تمتد لتشمل "النظم القرآني"؛ أي أن ترتيب الكلمات هو إعجاز رياضي ووجودي لا يملك البشر (بما فيهم النبي) حق التصرف في ذرة منه وهو نابع من فهمه لقول الله عزَّ وجل: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ {44} لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ {45} ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ {46} فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ }{الحاقة/47}.

2- ثبات العالم الموازي: يعتقد السيد الشيرازي أن للقرآن وجوداً في "اللوح المحفوظ" قبل نزوله، وما هذا النص العربي إلا نسخة دقيقة طبق الأصل من ذلك الوجود الغيبي. لذا، فإن أي محاولة للقول بأن "الثقافة العربية" أثرت في النص، هي عند الشيرازي محاولة لقلب الهرم؛ فالمحيط العربي هو الذي تشكل وفقاً للقرآن، وليس العكس.

المنظور الفينومينولوجي (الظاهراتي) عند سروش: "الوحي كفعل تأليفي"

 سروش يطبق أدوات "الهرمينوطيقا الحديثة" (شلايرماخر وهيدجر) على الظاهرة القرآنية، مقدماً ما يمكن تسميته بـ "تأليه التجربة البشرية" ومن ذلك نجده يطلق المفاهيم الآتية:

1-النبي كـخالق للصورة: يطرح سروش فكرة ثورية؛ وهي أن الوحي "صامت" في أصله الإلهي، والنبي هو من يجعله "ناطقاً". يشبه سروش النبي بالشاعر الملهم (مع فارق الدرجة)، حيث يتلقى المعنى كـ "شرارة" ثم يقوم خياله النبوي بصياغة هذه الشرارة في لغة وصور مستمدة من مخزونه الثقافي.

2- تبعية النص للمحدودية: بما أن النبي بشر، وبما أن اللغة محدودة، فإن النص بالضرورة "محدود" و"ناقص" مقارنة بالمطلق الإلهي. القداسة هنا تتحول من (قداسة النص) إلى (قداسة التجربة). فيرى سروش أن تقديس الحرف هو نوع من الوثنية اللغوية، أو الصنمية الفكرية التي تحجب وجه الله خلف الكلمات.

الاستنتاجات

 هنا نصل إلى جوهر العمق؛ وهو الصراع على "سلطة المعنى" فنستنتج مما تقدَّم:

أ. شمولية النص عند السيد الشيرازي: يرى السيد الشيرازي أن القرآن يحتوي على "تبيان كل شيء". فالقداسة تقتضي أن النص يسبق العلم ويحتويه. لذا، فإن المنهج المتبع هو (الاستنطاق)؛ أي نحن نذهب للنص لنتعلم منه كيف نفكر. أي قراءة تحاول "أنسنة" النص هي في نظره هزيمة روحية أمام الماديات الغربية.

ب. تاريخية الوحي (سروش): يرى سروش أن القرآن "استجابة" لأسئلة عصر معين. فإذا سأل أعرابي النبي عن "الأهلة"، جاء الجواب بلغة تفهمها تلك البيئة. هذه "الاستجابات" ليست حقائق مطلقة لكل زمان، بل هي "عرضيات تاريخية". العمق هنا يكمن في قوله: "إن الوحي تابع للنبي، وليس النبي تابعاً للوحي".

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

........................................

روافد المقال 

- التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، محمدهادي معرفة (لمقارنة المناهج).

- الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلة، محمد عابد الجابري.

- سروش، عبد الكريم، التجربة النبوية: بسط التجربة النبوية، دار الجديد، بيروت، ص 56-60.

- الشيرازي، محمد الحسيني، الإعجاز والقرآن، مطبعة سيد الشهداء، ص 102-115 (حيث يناقش أن النظم القرآني هو جزء من التكوين الكوني).

- الشيرازي، محمد الحسيني، كتاب القرآن، سلسلة من فقه الإسلام، ص 70-85.

- سروش، عبد الكريم، البسط والقبض في الشريعة، ترجمة: أحمد القبانجي، منشورات الجمل، ص 112.

- سروش، عبد الكريم، السياسة والتدين، ترجمة: أحمد القبانجي، ص 210 (مناقشة تاريخية الأحكام).

- سروش، عبد الكريم، الصراطات المستقيمة (بحث في التعددية الدينية والمعرفية)، ص 45.

- الشيرازي، محمد الحسيني، الوصول إلى كفاية الأصول، ج1 (مبحث الوضع)، حيث يؤصل لعلاقة اللفظ بالمعنى.

- الشيرازي، محمد الحسيني، تقريب القرآن إلى الأذهان، دار العلوم، بيروت، ج1، ص 15-20.

- الشيرازي، محمد الحسيني، من فقه الزهراء (عليها السلام): التفسير والفقاهة، منشورات الشيرازي، كربلاء، ص 44.

ذات صلة

منهج اليسر: طريقك الأذكى للنجاحالتفاوض التوزيعي والتكامليصوم الصمت في زمن التفاهةصراع الهوية وهوية الصراعصدمة الطاقة.. هشاشة الوقود الأحفوري يختبر حدود التحول الأخضر