الكتابة وبناء العقل الموسوعي
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-03-23 02:33
(العقلية الموسوعة الثقافية والمعلوماتية سوف تحصِّن الكاتب من مرض التقليد)
الإمام الشيرازي
إذا خطط أيّ إنسان كي يكون كاتبا، هناك مقومات وخطوات مهمة وأساسية يجب عليه أن يمتلكها، وفي المقدمة منها التزوّد بالمعلومات الموسوعية، فضلا عن تحصيل الخزين المعلوماتي في المجال الذي ينوي الخوض في الكتابة عنه، وهذه الخطوة من أهم المقومات التي تضمن للإنسان أن يكون كاتبا في هذا المجال أو ذاك.
فالثقافة العالية، وامتلاك الخزين الثقافي المعلوماتي الكبير، هو الحجر الأساس لكل كاتب يريد أن يبرع في مجالات التأليف والكتابة، ومن دون هذه الثقافة وهذا الخزين المعلوماتي لن يتمكن الإنسان من أن يكون كاتبا بارعا، ولهذا نلاحظ ذلك التباين الكبير بين الكتاب، فمنهم يفوز بهوية كتابية خاصة به، ويجمع له جمهورا من القراء والمتابعين، وينتشر اسمه وقلمه بين المهتمين، في حين يبقى آخرون يراوحون في أماكنهم أو يتقدمون ببطء شديد.
لذا فإن امتلاك الأرشيف المعلوماتي المتنوع والكبير يعد من أهم المقومات التي يجب أن تتوفر للكاتب حتى يكون متميزا ومختلفا ومتمكنا من أدواته الكتابية التي تصنع له جمهورا متابع له بشكل جيد ومنتظم، مما يجعله مغايرا لأقرانه من الكتاب المجايلين له.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يتساءل في كتابه القيّم الموسوم بـ (القطوف الدانية) ويجيب قائلا:
(كيفَ نَبْدأ؟ وماذا نكتب؟ من المفروض والضروري لكلّ إنسان يريد أن يصبح كاتباً أن يحصن نفسه، ويزودها بخزين ثقافي واسع، يكون بمثابة الركن الوثيق، والحجر الأساس الذي يتكئ ويعتمد عليه في كتاباته المختلفة وحريّ به أن يمتلك أرشيفاً كبيراً من المعلومات، التي تخص الباب الذي يكتب فيه، حتى تكون لدية إحاطة بالموضوع الذي يريد الكتابة عنه).
وهناك معادلة معروفة وواقعية في مجال الكتابة، تقول: كلما كان الكاتب موسوعيا في عقليته وشموليا في معلوماته، سوف تكون كتاباته مثمرة ومجدية في نفس الوقت، والعكس صحيح طبعا، لأن قلة المعلومات تجعل من الكتابة سطحية وخالية من التأثير في القراء، وتخسر شرط الاقناع الذي يجلب القراء ويجعل منهم متفاعلين مع ما يكتبه الكاتب.
البنك الذاتي للمعلومات والأفكار
فالكاتب الذي يمتلك بنكا كبيرا من المعلومات والأفكار المتنوعة، سوف يكون في كتاباته في مأمن من مرض التقليد الكتابي، بمعنى لا يحتاج أن يسرق من الكتاب الآخرين ولا يتطفّل على أفكارهم، لأنه ممتلئ بالمعلومات والأفكار والإحصاءات والشواهد والمعادلات التي يحتاجها لكي يكون موضوع المكتوب مكتنزا بالمعلومات المتميزة، وفي هذه الحالة ومع مرور الزمن والاستمرارية الكتابية يكون ذا قلم وفكر متميز عن غيره من الكتاب.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(بالنتيجة سوف تكون كتاباته ذات شمولية تستوعب كل ما يتعلق بالموضوع، وتكون مثمرة منتجة. إذ أنّ الموسوعة الثقافية والمعلوماتية سوف تحصن الكاتب من مرض التقليد، أو سرقة النصوص من الآخرين؛ لأن عادة الإنسان إذا كان مقتدراً في مجال مّا، فإنه لا يعمد إلى الزيف والتزوير في ذلك المجال).
وعلى العكس من ذلك، أي عندما يفتقد الإنسان للقدرة على الكتابة، بسبب قلة موارده الموسوعية وشواهده العلمية، فإنه سوف يكون كاتبا سطحيا، وبلا أدنى تأثير في القرّاء، ولن يكون له جمهور، وفي هذه الحالة يضطرّ إلى اللجوء لحالة مسيئة للكتّاب، ألا وهي سرقة نصوصهم والاعتياش على أفكارهم، مما يجعله فقيرا فكريا، وقلمه ليس له بريق جاذب.
أو أنه يكون مضطرا لتقليد الكتّاب الآخرين كونه لا يمتلك اللغة التي تجعله ذا أسلوب خاص به، فيضطر إلى تقليد الأساليب الأخرى التي تعود لكتاب آخرين، وإذا كان الكاتب معذورا في قضية التقليد عندما يكون مبتدئا، فإنه لن يكون معذورا عندما تمضي سنوات على دخوله ساحة الكتابة، حيث يكون التقليد عيبا يلازم من يفتقر للموسوعية والعلمية ولأدوات الكتابة.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(أمّا الإنسان غير المقتدر على الكتابة، فإنه دائماً يركن إلى سرقة النصوص من الغير أو تقليدهم. وهناك نقطة مهمة، يحسن الإشارة إليها، هي: أن ضخامة المعلومات، وسعة الاطلاع، تكون ضرورية ومهمة، في كل موضوع يريد الكاتب الكتابة عنه، ولكن في المواضيع والأفكار المهمة تزداد هذه الأهمية أضعافاً مضاعفة).
ولنأتِ بمثال من الواقع حول قضية الكتابة، فإذا أراد أي كاتب أن يكتب في هذا المجال أو ذاك، فإنه يجب أن يمتلك المعلومات الواسعة والكافية للكتابة عنه بنجاح، أو إذا كان خاليا من المعلومات اللازمة فإنه سوف يملأ موضوعه كلمات بليدة لا معنى لها، تُثقل جسد الكتاب، أو المقال أو المحاضرة، وتسبب مللا واضحا عند القرّاء، وهذا ينعكس مباشرة على جودة الكتابة، حيث تبدو سطحية وخالية من أي تأثير في القارئ.
صورة الاكتمال المعلوماتي
لهذا فإن شرط الحصول على المعلومات الوافية، يأتي في مقدمة مقومات الكتابة الناجحة، وأي خلل في هذا المجال، وأي نقص في المعلومات الموسوعية، سوف يسلب الكاتب القدرة على ملء مقاله أو دراسته أو كتابه من أهم مقومات الكتابة الناجحة.
وكلما كان الموضوع الذي ينوي الكاتب الكتابة عنه واضحا لديه، ويمتلك عنه المعلومات الجيدة والوافية، سوف يخرج المقال أو الدراسة في صورة الاكتمال المعلوماتي المطلوب، والذي سوف يؤثر بقوة في القرّاء، ولهذا فإن أهمية المعلومات بالنسبة للكاتب الموسوعي تأتي في مقدمة المقومات الواجب توفرها له حتى يكون متمكنا من تناول أي موضوع حساس ومهم ومتفرّد.
لذلك يقول الإمام الشيرازي:
(مثلاً إذا أراد الكاتب أن يكتب عن موضوع غلاء الأسعار أو ما شاكل ذلك، فإنه بلا شك يحتاج إلى سعة اطلاع في هذا المجال. وسعة الاطلاع تتضمن المعلومات التي يجب أن يحملها الكاتب، وتتضاعف وتكون ضرورة ملحة إذا أراد الكاتب أن يكتب حول موضوع حساس، ومهم جداً).
وهكذا لابد لأي كاتب يريد التميز عن أقرانه، أن يضع في حساباته قضية المطالعة، وملء بنك المعلومات بكل ما يلزم، وعلى هذا الكاتب أن يُبحر عميقا فيما يتعلق بالمعلومات التي تتعلق بما يريد أن يكتب عنه، حتى في مجال الكتابة الإبداعية كالقصة أو السرد بشكل عام، هناك مؤلفون قضوا سنوات يبحثون عن المعلومات التي تساعدهم على كتابة قصة أو رواية أو مسرحية ناجحة، وهذا يشمل جميع أنواع الحقول الكتابية.
فلا تصح الكتابة والتأليف في مجال ما، إلا إذا اغترف الكاتب معلومات كافية ومثمرة تمنح موضوعه أو دراسته تأشيرة دخول إلى عقل القارئ، فيتفاعل معها وينعكس هذا على سمعة الكاتب والتمسك به، لاسيما إذا كان رافضا للتقليد أو التطفل على نصوص الآخرين وأفكارهم بشكل مباشر وحرفي وفجّ.
حيث يؤكد الإمام الشيرازي موجها كلامه للكتّاب:
(فلتكن البداية بكثرة المطالعة للمؤلفات والمصادر والنشرات، والمناهج التي تعلّم كيفية الكتابة وأساليبها وطرقها، والاعتماد على النفس، وشحذ الهمم، والتوكل على اللّه تعالى وطلب العناية والتسديد منه تعالى).
وأخيرا لابد لأي كاتب، أن يكون ذا عقلية موسوعية، تمتلئ بالمعلومات اللازمة التي تدعم قدراته الأخرى، مثل اللغة والأسلوب الكتابي، والموهبة الكتابية، وهوية الكاتب التي حصل عليها كنتيجة لمثابرته وتفرّده وتميزه عن الكتّاب الآخرين، وكذلك على كل كاتب أن يبني هذه العقلية ويسعفها بالمطالعات الجادة المنتظمة العميقة، حتى تكون سببا جوهريا في تطوره وتميزه عن أقرانه من الكتّاب والمؤلّفين.