الرؤية التنموية الشاملة وتحجيم العوائق السلطوية
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-02-16 05:20
(يجب أن يتوفر لكل مواطن في جميع البلدان الإسلامية كل الحريات المسموح بها شرعا)
الإمام الشيرازي
تحظى قضية التنمية بمكانة استثنائية في تعاليم الإسلام، حيث تحثّ الناس على الجدّية في الابتكار، والمواظبة على العمل والاكتشاف والأداء المستدام، وصولا إلى تحقيق قفزات تنموية شاملة، من شأنها نقل المجتمعات والدول إلى مراتب أعلى، سواء في طبيعة العيش الكريم، أو على صعيد الارتقاء بمستوى الثقافة والتفكير ومن ثم الانتقال إلى مرحلة العمل والتنفيذ.
فالإنسان حر وغير مقيّد إلا بما يتناقض مع مفهوم الحرية نفسها، لذلك فهو يمتلك كامل الحرية في الممارسات السياسية والآراء التي تهدف إلى التقويم والتصحيح، حيث يعدّ مثل هذا العمل متاحا لجميع الناس، حتى في المجالات الأخرى الاقتصادية مثل تأسيس مشاريع صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، وفي المجال السياسي يمكن أيضا تأسيس الأحزاب والمؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها، فلا شيء يمكن أن يحد من هذه الحريات المتاحة.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في إحدى محاضراته القيّمة الموسومة بـ (الحريات المتاحة في المنظور الإسلامي):
(تتيح الحرية في الإسلام أن تكون لكل شخص الحرية الكاملة في ممارسة النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، فيحق له مثلاً أن يشكّل الأحزاب ويؤسس المؤسسات الإعلامية كالإذاعة والتلفزيون، ويقوم بنشر الصحف والمجلات، وله أن يمارس النشاط السياسي والإعلامي الذي يوصله إلى الهدف المنشود).
وكما يعرف المعنيون بقضايا التنمية فإن أو الشروط لتحقيق المشاريع التنموية الشاملة، أن يتوافر عنصر المساواة بين الجميع، وأن لا يُتاح لهذا الشخص أو ذاك فرصا له دون غيره من الناس، بمعنى الحرية في الإسلام تساوي بين الجميع في الفرص، ولا يتم تفضيل شخص على آخر، إلا فيما يتعلق بالقدرات العلمية وطبيعة التخصص.
المساواة بين الحاكم والمواطن
لذلك فإن هذا الحق مكفول لكل فرد، وهو يتميز بالمساواة حتى مع شخص الحاكم الأعلى، فلا يمنح الإسلام أفضلية للحاكم أو معاونيه أو ذويهم، بأن يحصلوا على تسهيلات وامتيازات لا تتوفر للمواطن العادي، فقد يكون هناك فرد خارج السلطة ولديه قدرات علمية تتيح له أن يباشر في مشروع تنموي يعود بالفائدة على المجتمع والدولة، فلا يجوز وضع الحواجز في طريقه، ورفعها عن المسؤول الكبير مثل الحاكم أو غيره من ذوي المناصب السلطوية العالية.
حيث يقول الإمام الشيرازي في هذا الجانب:
(تُلزم الحرية في الإسلام أن يكون لكل إنسان الحقوق المساوية لحقوق الآخرين وذلك على ما هو مقرّر في القانون الإسلامي القائل: بأن لكل إنسان إذا أسلم أن يتساوى حقه مع سائر المسلمين بل ويتساوى حقه حتى مع الحاكم الإسلامي الأعلى، وأن لا تكون اللغة واللون ومحل ولادة الإنسان سبباً لتمييزه عن الآخرين).
وفي نفس الوقت هناك دعوة مباشرة ومفتوحة لجميع الناس، أن يعملوا بجدية عالية من أجل التخلص من المشاكل والعراقيل التي تعيق تقدمهم إلى أمام في المجالات التنموية المختلفة، ومن غير المقبول تقديم التبريرات الواهية التي لا تُسمن ولا تغني من جوع، فالفرد الذي يمتلك مقومات الابتكار والعمل الجاد والإصرار على المضيّ قُدُما، لا يحتاج إلى التبرير.
لهذا من المهم أن يعمل الإنسان من أجل تحقيق مشاريعه المشروعة والمسموح بها، فالسعادة التي يهدف إليها كل إنسان، قد تتم مصادرتها من قبل السلطويين (حكام الاستبداد والطغيان)، لكن هذا اشيء لا ينبغي أن يكون سببا لاختلاق التبريرات من أجل التهرب من مهمة التصدي للمسؤولية، والاستمرار في معالجة المعوّقات الرسمية أو سواها.
الإمام الشيرازي يقول:
(الأمر الثالث الذي يجب على كل مسلم العمل به من أجل التخلص من المشاكل التي تحيط به والوصول إلى السعادة التي صودرت منه في الحياة، هو العمل من أجل تحقيق الحريات المنشودة والمشروعة).
لذلك هنالك تأكيد كبير على الحرية التي يُشمَل بها جميع المواطنين، وليس هناك أي استثناء في هذا الأمر، لأن السنن والتعاليم الإسلامية تتيح حرية التخطيط والتأسيس والمبادرة بالعمل والإنتاج أيّا كان نوعه، باستثناء ما هو خارج المشروعية المحدّدة في الضوابط والأحكام والأعراف والقوانين السارية والمتعارَف عليها.
لذلك فإن أي فرد يُسمح له بالحركة والتفكير والقيام بالأنشطة كافة، وهي كثيرة جدا ومتاحة للجميع، ولكن هنالك تحديد لعدم الخوض في ما هو غير مسموح به كالأمور التي حُرِّمت شرعا أو قانونا أو عُرفا، فالحرية الإسلامية لا تمنع أي فرد في أن يُبدِع ويُنتِج ويتطور ويستمر في التقدم والإنتاج الأوسع والأكثر جودة خدمة للذات وللمجتمع.
كما يشير الإمام الشيرازي قائلا:
(إن المقصود بالحريات الإسلامية هو أن يتوفر لكل مواطن في جميع البلاد الإسلامية كل الحريات المسموح بها شرعا، باستثناء ما هو محرّم وهو محدود وقليل جداً وبذلك يتمكن الفرد أن يمارس جميع النشاطات اليومية وأعماله الفردية والاجتماعية بكل سهولة دون أن تعيقه مسألة أخذ إجازة، أو موافقة، أو دفع ضريبة وما شابه ذلك).
نقل الحريات من الشعارات إلى العمل
لذا فإن أي فرد هو حرّ في الإسلام، ولا توجد حواجز أو مقيّدات تحد من تفكيره وتخطيطه وعمله وإنتاجه، إلا إذا كان ينخرط في (الحرام)، وهذا الأخير لأنه يدخل في قضية إلحاق الضرر بالآخرين، لذلك تمت عرقلته وتحديده ومن ثم منعه، أما حرية الإنسان في الزراعة والصناعة والمشاريع التنموية المختلفة فلا مانع أمامها بالمطلق إذا احتمت بمشروعيتها.
حتى المشاريع الفكرية والثقافية والترويجية، لها كامل الأحقية ضمن الحرية في الإسلام، لكنها يجب أن تحذر مما قد يكون خارج المشروعية التي تتسبب بالأذى للأفراد ولعموم المجتمع، لذلك يجد الناس مديات مفتوحة، غير محددة، في تشييد وإدامة المشاريع الفكرية التنموية من دون معرقلات باستثناء ما يتجاوز القواعد والضوابط المسموح بها.
من هنا يقول الإمام الشيرازي:
(لهذا فإن الناس يتمكنوا من مرافقة حقوقهم الأولية في الحياة، وممارسة حرياتهم مثل: حرية التجارة، الزراعة، الصناعة، السفر والإقامة، العمران والبناء، العمل والاكتساب، حرية تأسيس المعامل والوحدات الصناعية الكبيرة والصغيرة، وحرية النشاطات الثقافية).
نستشف مما تقدم، أن الرؤية الإسلامية لحرية الإنسان، تمنع بشكل قاطع أي تدخّل رسمي من (الحكومات أو المسؤولين)، تسعى لحجب الحريات المختلفة عن الناس، إلا ما يقع في دائرة التجاوز أو غير المسموح، وهذا يعني ضمان حرية الناس حتى من الحكومات وحكامها، أما إذا انتهجت الحكومات والحكام أية خطوات تعرقل حريات الناس أو تضرب عليها طوقا من التقييدات المختلفة، فإنها تقع فيما يخالف المنظور الإسلامي للحريات.
حتى في مجال إلزام الناس بخطوات إدارية معرقِلة لهم، فإن الحرية في الإسلام ترفض تقييد الناس بخطوات تعجيزية أو الهدف منها وضع الحواجز أمام ممارسة المواطن لحريته في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية وسواها.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(الخلاصة إن الإسلام لا يسمح لأي دولة أو فرد أو منظمة أو مؤسسة أو دائرة من الدوائر الحكومية أن تحول بين الناس وبين الحصول على الحريات المشروعة لهم في الإسلام، كما لا يحق لها أن تشترط على الناس أن يستجيزوها في عمل أو بناء، ولا أن تفرض عليهم دفع ضرائب ورسوم مالية ولو كانت يسيرة).
نستخلص من ذلك أن الرؤية الإسلامية في مجال الحريات، تشجّع الجميع سواء كانوا من أصحاب القرار، أو كانوا من المواطنين، تهدف إلى فتح آفاق العمل الإنتاج الحر، بغض النظر عن طبيعة ذلك العمل، سواء كان (سياسيا، اقتصاديا، ثقافية، إعلاميا) أو غيره، فالمهم هنا أن تكون هناك رؤية إيجابية تنموية خارج المعرقلات السلطوية، هدفها نقل الحريات من شعارات وكلمات إلى حيز التطبيق الفاعل والشامل والإيجابي.