مَكامِن التفاوت العلمي بين العقول

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-02-02 04:39

(اللّه سبحانه خلق الإنسان عاقلاً؛ ولهذا فإن الناس متساوون في هِبَة العقل، ولكن تطوير العقل وتنمية قدراته يرجع إلى اختيارهم) الإمام الشيرازي

تمتلك العقول قدرات ومزايا تكوينية في لحظة خَلْقها، وهذا يشمل جميع العقول التي وهبها الله تعالى للبشر، ولا يوجد اختلاف بين عقل وآخر في الخَلْق، لهذا السبب، فإن أي تمايز بين عقل وآخر سيكون مصدره الإنسان نفسه، فهو الذي يستطيع أن يجعل من عقله متميزا متطورا مُبادرا وعارفا أكثر من العقول الأخرى.

وقد يكون العقل خاملا ساكنا مترددا وليس عارفا، وهذه الحالة من صنع الإنسان أيضا، وليست حالة قائمة منذ نشوء العقل، فقد يكون العقل عاجزا عن التفكير السليم ويفتقر للفراسة الفكرية، لأن حامل العقل (الإنسان)، لم يطوّر عقله، ولم يستثمر قدرات عقله كما يجب، ولم يدخل في دائرة التطوير العقلي الفعالة، لذلك يبقى عقله قاصرا ولا يتساوى مع العقل ذي القدرات العلمية والفكرية والثقافية والدينية الكبيرة.

أما مسألة التساوي بين العقول البشرية في لحظة الخَلْق، فهو أمر محسوم لأننا نؤمن تماما بأن الله تعالى خلق الكون من حولنا وخلق الناس من طين، ووهبَ لهم العقل بشكل متساوٍ، ومنذ اللحظة الأولى يبدأ العقل يدرك ما حوله، لأنه يمتلك القوة الإدراكية اللازمة، أما الفوارق بين العقول فهي من صناعة البشر تبعا لتطوير القدرات العقلية لهذا الإنسان أو ذاك.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يناقش هذا الموضوع، ويميط اللثام عن طبيعة العقول وإمكاناتها في التفكير، فيقول في كتابه الثمين الموسوم بـ (القطوف الدانية/ الجزء الرابع):

(نحن نؤمن إيماناً كاملاً بأن اللّه سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وخلق عباده من طين، ولم يفرق بين البشر في منحهم العقل وقوة الإدراك).

أسباب التمايز بين العقول

ولكن رغم التساوي بين العقول عندما يخلقها الله تعالى، إلا أننا قد نجد تمايزا فيها، عندما يبادر حامل العقل إلى النهوض بقدرات عقله، وتفعيلها، ومضاعفتها، وتطويرها، ليصبح حامل هذا العقل، عالِماً أو طبيبا أو مفكرا أو مهندسا وسوى ذلك، ولكن عندما يتعرض العقل إلى الإهمال فإنه يبقى متأخرا عن حلبة التنافس العلمي أو الديني أو الفكري وغير ذلك.

إذن فإن الإنسان العالِم وغير العالِم (الجاهل)، كانا قد امتلكا عقلا متساويا في القدرات، ولكن الفارق الذي جعل من أحدهم عالِما والآخر جاهلا، هو الجهود التي بذلها أحدهم وارتقى بعقله عاليا، فيما بقي الثاني ساكنا خاملا وعاجزا عن منح عقله فرص التطور في المعرفة والعلم والإدراك الأوسع، أحدهما سعى للارتقاء بعقله فصار عالِما والثاني أهمله فصار جاهلا.

حيث يؤكد الإمام الشيرازي هذا الفارق حين يقول:

(مع ذلك نرى أن بعض الأشخاص يتميزون عن البعض الآخر في ذكائهم ومستوياتهم العلمية العالية فنرى الجاهل والعالم، فيا تُرى ما الفرق في ذلك مع أنهم متساوون من حيث العقل تكويناً؟)،

تنمية القدرات العقلية

ولذلك تدور تساؤلات كثيرة حول سبب أفضلية بعض الناس على آخرين، سواء في حصولهم على إمكانات عقلية أكبر، أو حصول العكس، مع أنه كلا الطرفين يمتلكان العقل نفسه، إن الإجابة عن هذه التساؤلات ليس صعبا ولا معقّدا، بل واضح جدا، حيث يعود السبب إلى الإنسان نفسه عندما يُغلِق أبواب التعلّم والتطوّر في وجه عقله، ويتركه يسكن في دائرة الجهل.

لذا لابد للإنسان، حتى يمتلك عقلا مائزا، أن يبادر ويسعى ويتحرك بلا توقف لتطوير عقله، ويمنحه مساحة واسعة من التعلّم والتطور، حتى يستطيع أن يتفوق على سواه من العقول، وهذا الشيء يعود بالأفضلية للإنسان الذي يبادر لتمكين عقله علميا أو أدبيا أو دينيا أو ثقافيا وفي كل الحقول والمجالات الأخرى.

حيث يقول الإمام الشيرازي:  

(من هنا يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: لماذا هذا التفاوت في المستويات بين الناس؟، والجواب بسيط وهو تنمية العقول التي جعلها اللّه تعالى علينا حجة، فالتنمية هي التي جعلت هذا الفرق بين المستويات).

لذلك نلاحظ الفوارق الكبيرة بين الناس، في قضية التمايز العقلي، وهذا ينعكس على شخصياتهم، وقدراتهم، كما ينعكس على طبيعة حياتهم أيضا، وعندما نسأل الآن لماذا يصبح أحدهم طبيبا متميزا أو مهندسا بارعا أو مفكّرا مؤثرا أو عالِما مسموعا ومقروءا، وكما هو واضح إن من يعتني بعقلهِ، سوف يعتني به عقله ويجعل من مكانته وحياته وسمعته أحسن من الآخرين، لأنه سعى لكي يكون عقله متميزا.

الموازنة بين الانضباط والارتقاء العقلي

على خلاف ذلك، يوجد أناس يعانون من الجهل والركود وقلّة الفاعلية في المجتمع، كما أن حياتهم بائسة لا روح فيها، وهناك من ذوي العقول الناكصة يتساءلون لماذا نعيش في قعر الحياة، وربما يجهلون أو يتجاهلون أسباب الوضع البائس الذي يعيشونه، ولكن عليهم أن يبحثوا بدقة عن الأسباب والكوامن التي أدّت بهم إلى هذا الحال أو المستوى المتدني من العيش في ظل مستوى معرفي وعلمي فقير.

من هنا فإن الموازنة بين الارتقاء العقلي والانضباط الفكري والثقافي من جهة، والالتزام بالأحكام والأعراف والسنن الإلهية من جهة ثانية، أمر بالغ الأهمية، هذه النقطة الحساسة يجب أن نتبّه لها عندما نطور عقولنا، فهذا التطوير والتمكين يجب أن يتم في دائرة المقبول والمسموح به، وإلا قد يتحول العقل بصاحبه نحو الشطط والانحراف.

بالطبع هناك قضية مهمة يجب التنبّه لها، وهي تتعلق بالخطوات والتدابير التي يتخذها الإنسان لكي يطوِّر عقله ويجعله لمّاحا ومبادرا وفاعلا ومبدعا ومبتكرا وساعيا للأفضل، هذه الخطوات التي يسعى الإنسان فيها لتطوير عقله يجب أن لا تنسى الأحكام والسنن والقوانين وحتى القيم التي ينبغي أن يتحرك في ضوئها العقل، حيث يجب الالتزام بكل ذلك، لأن العقل عندما يُترَك حبله على الغارب، قد يقود صاحبه نحو المحرمات التي يصنعها الجهل.  

حيث يؤكد الإمام الشيرازي على ان: (بعض الناس ينمون مواهبهم فيصبحون علماء وقادة بينما البعض الآخر مع امتلاكهم العقل لا ينمون تلك العقول فيبقون طوال حياتهم ملازمين للجهل والخرافة).

مطلوب من البشر أن يهتم بعقله، ولكنه يجب أن يعرف بأن الله تعالى زوّده بكل المؤهلات (الخَلْقية) التي تمنحه العيش السليم، وقد مكّن الناس من هذا الأمر، وجعلهم قادرين على استثمار عقولهم، ولكن هذا الشيء يعود لهم، فهناك من لا يريد أن يسعى في هذا الطريق لأنه يتطلب جهدا وسعيا وإرادة صُلبة.

لذلك فإن الناس جميعا، قادرون على التمييز بين الخير والشر، بما في ذلك الحق والباطل، وكل ما ينضوي تحت هذه العناوين، وفي نفس الوقت، ترك الله تعالى الخيار للإنسان، يمكنه أن يختار الخير بإرادته، ويمكنه الذهاب وراء النقيض، وهكذا نكتشف بأن العقل له الكلمة الفصل في تحقيق سعادة الإنسان أو هدْرها.

يقول الإمام الشيرازي:

(إن اللّه تعالى خلق الإنسان وزوّده بجميع المؤهلات للراحة ومكّنه منها، وأهمها العقل حيث ان هذا العقل له القدرة والاستطاعة على تمييز الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والنقص من الكمال. وترك له الخيار في سلوك الطريق الذي يشاء منهما. وبالتالي للعقل دور كبير في سعادة الإنسان أو شقائه).

وهكذا نلاحظ بأن مكامن التفاوت العلمي بين العقول تعود للبشر أنفسهم، حيث يمكنهم أن يدرّبوا ويطوّروا ويعتنوا بعقولهم بما يكفل لهم مآلات سعيدة تسرّهم، وعلى العكس من ذلك يمكنهم أيضا أن يسيروا في الاتجاه المعاكس فيهملوا عقولهم ولا يطورونها، وهم بذلك يجازفون بحياة أفضل، ومكانة أجمل، وسمعة أفضل، مع ضمان سعادة دار البقاء. 

ذات صلة

الهجمات السيبرانية لمكافحة الارهاب.. بين الفعالية والمخاطر الأخلاقيةمحمد شياع السوداني في أيامه الأخيرة.. قيادة بلا بوصلة!علي الأكبر(ع): مدرسة الأخلاق وإعادة تعريف الفتوةفي معنى الحرية والتحررضعف الدولار كان دائماً جزءاً من خطة ترامب