صفات وملَكات الحاكم

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-01-26 04:45

(إن الجزاء العاجل قد يأتي لمن يظلم الناس من ظالم آخر) الإمام الشيرازي

قد يجهل الحاكم أو الإنسان الظالم ذلك الأثر الكبير الذي سيصنعه في نفس الإنسان المظلوم، وربما يتجاهل ذلك، فيقول لنفسه أو يحاول أن يقنعها بأنه لم يفعل إلا ما يستحقه الإنسان الذي وقع عليه الظلم، فقضية تقدير الظلم يمكن لأي ظالم أن يتلاعب بها ويبرّرها، وقد يقتنع شخصيا بأنه ليس ظالما، على الرغم من أن جميع الأعراف والأخلاقيات والقوانين تؤكد بأن ما قام ويقوم به هو ظلم يصل إلى درجة أنه ظلم لا يُغتفَر.

وهنا يبرز سؤال يتم توجيهه لجميع الحكام والأشخاص أو الجهات التي تحاول تبرير ظلمها، هل يحق للخصم أن يأخذ دور القاضي والمتّهم في نفس الوقت، وهل يجوز للظالم نفسه أن يحكم على أفعاله وأعماله وأقواله ويقيّمها من حيث كونها ظالمة أم لا؟

بالطبع لا يمكن لمن يبادر بفعل الظلم أن يكون مقيّما لفعله هذا، بل غيره من الناس والأحكام والضوابط هي التي تحدد ذلك وتقوم به، وإذا سألنا هل يعرف الظالم بظلمه؟، فسوف يأتي الجواب، قلّة هم أولئك الظالمون الذي لا يعرفون بظلمهم، والباقون هم يتجاهلون ما يبدر منهم من أفعال وقرارات ظالمة، وغالبا ما يسعى الظالم لتجاهل ما يقوم به من حالات ظلم يوقعها بالآخرين.

وفي نفس الوقت قد يتغاضى الظالم عمّا يقوم به من ظلم، مع أن ما يُلحقه بالمظلوم كثير وكبير ومؤثّر عليه، من بين ذلك ما يتعلق بالانتقاص من قيمة الإنسان وكرامته.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي، يقول في كتابه القيِّم الموسوم بـ (آثار الظلم في الدنيا والآخرة):

(للظالم أثر واضح على المظلوم في جوانب عديدة، أقلها إنه استهان بقيمة وكرامة المظلوم، سواء بغصب حقه، أو بأكل ماله، أو الاعتداء عليه).

ولا يتوقف أثر الظلم على هدر قيمة الإنسان وكرامته، ولا التجاوز على حقوقه وسرقة أمواله، بل يتجاهل القوانين الإلهية التي نظّمت الحقوق وحفظتها، وحمت الحريات، ومنع الاستهانة بقيمة الإنسان، فمن يرتكب فعلا أو قرارا ظالما ضد الناس، سوف تنعكس عليهم التأثيرات القاسية للظلم، ويصيبهم هذا بالإحباط والانكسار.

منع الاستهانة بقيمة الإنسان

هذا الإحباط يمتد إلى بنية المجتمع كله، والبيئة النفسية التي يعيش فيها، فيتحول من مجتمع منضبط ملتزم بالأحكام والقوانين والأعراف الجيدة، إلى مجتمع مصدوم خامل ويائس، وهذا ليس في مصلحة أحد، حيث تنشأ منظومة ظلم وظالمين يتجاهلون أو يجهلون ما تفرزه أفعالهم وقراراتهم الظالمة، كما يجري مثلا في بعض المعالجات والقرارات الضريبية أو تلك التي تتعلق بأرزاق الناس، حيث يسعى المسؤولون بمعالجة أخطائهم عبر ظلم الناس. 

يقول الإمام الشيرازي:

(إن الظالم استهان أيضاً بالأوامر والأحكام الإلهية التي تؤكد على عدم القيام بالظلم، ومما لا شك فيه أن الشخص الذي يرتكب ظلماً، سيترك أثراً سيئاً على الشخص المظلوم، والقضاء العادل الذي يحصل في يوم القيامة يُحاسب الظالم على جميع هذه التأثيرات، ولذا فان الظالم سيلاقي جزاءه حتماً، إما آجلاً أو عاجلاً).

إذن لا يتوقع الظالمون ولا يظنون بأن الأفعال والأمور الظالمة التي تصدر منهم، سوف تمر دون عقاب، لأن كل فعل له ما يقابله من محاسبة ومقاضاة سواء كانت عاجلة في الدنيا، أو مؤجَلة إلى يوم الحساب، حيث لا يفلت أحد من العقاب الإلهي مطلقا، وقد يتعرض الظالم الذي ظلم الناس إلى عقوبة من ظالم آخر تساوي أو تفوق ظلمهُ للآخرين.

لذلك يجب أن لا يظن الظالم أو يحاول إقناع نفسه، بأن ظلمه سوف يتلاشى مع الزمن، أو يحاول إقناع نفسه بأنه يغتم الفرصة المتاحة له لا أكثر، ولكن هل ارتكاب الحرام فرصة يجب اغتنامها، وهل أكل أموال الرعية فرصة يجب اغتنامها، وهل التعامل بمكيالين من قبل المسؤول مع الناس مقبول، وليس فيه ظلم؟

ألا يتعلم الظالمون من عدالة الإمام علي عليه السلام، وعدم تفضيله حتى نفسه وأهله على الآخرين في قضية الحقوق، لذا يجب أن يستدرك الظالمون ما يقومون به من أفعال وأعمال وقرارات، لأن الله تعالى سوف يلّط عليهم من يظلمهم ويستهين بهم.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(إن الجزاء العاجل قد يأتي لمن يظلم الناس من ظالم آخر، يسلطه الله عليه، بسبب ظلمه الناس، حيث قال عزوجل: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون). 

كما يجب أن نعرف بأن الظلم لا يبقى في دائرة الضرر الفردي، فكل فعل أو قرار ظالم سوف يخرج من هذه الدائرة ويتمدد أفقيا وعموديا ويتغلغل في البنية الاجتماعية والأخلاقية والسلوكي، حيث يتحول الظلم الفردي إلى ظلم جماعي، يطال الجميع، ويحث ذلك الاختلال القيَمي المخيف في المجتمع كله، لذلك سوف تكثر فيه حالات الاختلال والاضطرابات.

ويسود المجتمع عدم الاستقرار، بسبب تمدد الأفعال والقرارات الظالمة، فتُحدث آثارا مدمّرة في البنية الاجتماعية، وتتعثر النفسية الجمعية، حيث ينتشر شعور الإحباط، والسخط والنقمة بين الناس، لأن الحاكم الذي يظلم شعبه، سوف يتسبب بحالات نقمة خطيرة، ومن ثم انفجار هائل لحالات الاضطراب وعدم الاستقرار بسبب الشعور بالغبن وغياب العدالة وعدم محاسبة الذين يستحقون العقاب كي تُحمى حقوق الناس وتُصان.

الإمام الشيرازي يقول حول هذه النقطة:

(إن المجتمع الذي تكثر فيه حالات الظلم، لابد وأن تكثر فيه الاضطرابات المختلفة، وحالة عدم الاستقرار، وتترتب عليه آثار وخيمة جداً في نفوس أبناء المجتمع، خصوصاً إذا كان الحاكم نفسه ظالماً لشعبه، مستبداً برأيه، لا يهمه سوى مصالحه الشخصية، وبقائه في الحكم مدة أطول. وهذا شيء لا ينكر وقد صرح به علماء الاجتماع أيضاً).

شرط التفوق في الدراية السياسية

وتوجد تجارب كثيرة في الظلم، وثّقتها سجلات التاريخ ونقلتها عبر الأجيال، ولابد لمن يهمه هذا الأمر أن يقرأها جيدا ويسبر أغوارها حتى لا يتعرض لنفس العاقبة السيئة التي سقط فيها الحكام الظالمون، حيث أكد الإسلام والأحكام والسنن والقوانين على صفات وشروط معروفة يجب أن تتوفر في شخص الرئيس أو الحاكم أو حتى المسؤول لكي يصلح لهذه المهمة الكبيرة والخطيرة كونها تخص حقوق الناس بلا استثناء.

كل هذه الشروط وُضعت في شخصية الحاكم لكيلا يذهب بالشعب أو الأمة نحو المجهول، كما لاحظنا في تجارب عديدة قدمها لنا التاريخ القريب أو الحالي أيضا، لأن الحاكم هو من يقود الأمة أو الشعب طبقا لقراراته وسياساته لذا عليه أن يحذر كل الحذر من إيقاع الظلم بالآخرين، والسير في المسالك الخاطئة كي يحمي نفسه وسلطته وينسى حقوق الأمة.

كما يقول الإمام الشيرازي:

(التاريخ ينقل لنا شواهد كثيرة بهذا الخصوص؛ ومن هنا ترى أن الإسلام أكد على صيانة المجتمع بدءاً من قيادته إلى عموم الرعية، فجعل هناك شروطاً وصفات لابدّ من توفرها في الحاكم والرئيس، بحيث لا تنحرف القيادة عن طريق الحق، ولا تنتهي بالأمة إلى أسوأ مصير).

لهذا كان ولا يزال هناك تأكيد واضح ومركّز على طبيعة شخصية الحاكم، وأهمية اكتمالها وامتثالها للشروط التي تحمي الحاكم من اتخاذ القرارات الظالمة، لكي تتجاوز الأمة محنة الظلم الناتجة عن عدم توفّر شروط إدارة المسؤولية بشخصية الحاكم، ومن هذه الصفات والشروط والملَكات هي العدالة، الإيمان، والمعرفة الدقيقة في شؤون السياسة.

حتى لا يتحول الحاكم من العدل إلى الظلم، ومن المساواة إلى نقيضها، ومن مراعاة مصالح الدولة والأمة، إلى الظلم الذي كان ولا يزال عنوانا عريضا لحكام ومسؤولين ظلموا شعوبهم ومضوا بهم إلى الهاوية، كما يذكر التاريخ البعيد والمنظور والقريب وحتى الواقع الحالي، الذي يضجّ بحكام لا يعرفون من السياسة وإدارة السلطة سوى الجهل والظلم.

من هنا يقول الإمام الشيرازي:

(لقد فطن الإسلام إلى ذلك الأمر الخطير، فاشترط شروطاً مهمة في الحاكم، ومنها: الإيمان، العدالة، التفوق في الدراية السياسية).

لذلك هناك معادلة طردية لابد أن يفهمها الجميع، وخصوصا الحكام والمسؤولون والنخب المتميزة في المجتمع، وهي كلما ازداد الظلم في المجتمع تصاعدت الاضطرابات واستفحلت حالة الاختلال وتقلّصت حالة الاستقرار في المجتمع، والعكس صحيح تماما، وهنا تكمن خطورة الظلم، وخطورة الظالمين، وهنا لابد من السعي الجماعي إلى العمل المنظّم والجاد في تقليص أعداد الظالمين ومحاصرة الظلم من أي نوع كان، حتى تسود حالة العدل والاستقرار والتطور والسير إلى أمام بشكل مضطرد. 

ذات صلة

الجليد المشتعل.. ملحمة التنافس الجيوسياسي على غرينلاند وأعالي القطب الشماليالامام السجاد(ع) وتعدد الأدوار الإصلاحيةالإصلاح في المنظومة السياسية للعراقاضطرابات إيران ومخاطرها على العراقالفلسفة والأدب