مفهوم المجاز وأثره في توجيه الدلالة عند الإمام الشيرازي
د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي
2026-01-14 07:49
توطئة
عُرفت العربَ بالتوسع في لغتها، وتفننها في أساليبها، فتنوعت هذه الأساليب عندهم وتعددت جمالياتها، وجاءوا من أشكالها ما يُبهر المتلقي من غير بجدتها، ودعا ذلك غيرهم إلى الاقتناع بأنهم جديرون بالبيان وقمينون بدراية اللسان وكذلك بالبداهة وبالاقتدار والارتجال، وبيان مدى تمكنهم في إصابة المعنى وقصد الحجة بسبل متعددة، من دون تكلُّفٍ ولا إجهاد ولا معاناة أو إجالة فكر ولا استعانة بغير حصيلتهم اللغوية؛ وهذا الأمر مشهور لدى العلماء ممن بحثوا في البلاغة وبعجوا غبار البحث العلمي، وأجمعوا عليه، فهذه القدرة على التفنن في الكلام قد جُبلوا وطبعوا عليها، فكان سبباً في التوسع والبسط في الألفاظ، مما أطلقوا عليه بعد ذلك مصطلح المجاز عينه الذي ثبته وحدده البلاغيون.
ويُعدُّ المجاز أوسع الأدوات في التعبير الشعري؛ لأنَّ الشعر عبارةٌ عن أخيلة وتشبيهات وصور مستعارة وإيحاءات وإشارات ورموز تُشير إلى الحقيقة الشاخصة عبر الأشكال المحسوسة وهذه هي اللغة الشاعرة(1)، فالشعر يتعكَّز على هذا المفهوم الذي احتوى على هذه الأصناف، من غيرها لا يُعدُّ شعراً، ولا بدَّ من بيان حدِّ المجاز في اللغة والاصطلاح للوصول إلى فكرة المجاز عند المرجع الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي.
فالمجاز في اللغة: مصدر ميمي أصله من جَوَزَ، وقُلِبت الواو ألفاً لأنَّها مفتوحة ومفتوح ما قبلها لمجانسة الفتحة مع الألف، فهو من جازَ يجوزَ جوازاً ومصدره الميمي؛ مجاز، فـ "الجيم والواو والزاء أصلان، أحدهما: قطع الشيء... والأصل الآخر: جزتُ الموضع سِرْتُ فيه، وأجزته، خلّفته وقطعْتهُ... وأجزته: نفَّذته"(2)، وهنا لا يوجد تلميح إلى تحويل جهة المعنى من جهة إلى أخرى، مما يُثير استفهاماً على المعنى الاصطلاحي كما سيرد.
أمَّا المجاز في الاصطلاح: استند التعريف المجازي في الدراسات والبحوث البلاغية؛ إلى ما جاء به أرسطو في قوله: "المجاز عبارةٌ عن نقل اسم شيءٍ لشيءٍ. وهذا النقل إمّا من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس، أو من النوع إلى النوع؛ لمناسبةٍ أو مشابهة"(3)، أمَّا في التراث العربي؛ فكان التلميح الأوَّل عند سيبويه ت(180هـ)، حيثُ أسماه "الاتساع في الكلام"(4)، ولم يُسمِّه مجازاً.
وأوّل من استعمل المجاز في معناها البلاغي هو أبو عثمان الجاحظ ت(255هـ) الذي عُرف بعد ذلك في اصطلاح البلاغيين، فقد جاء في كلامه: "وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف، وإذا قالوا: أكله الأسود، فإنّما يعنون النهش واللَّدغ والعض فقط، وقد قال الله عز وجل (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً)… فهذا كله مختلف وهو كله مجاز"(5)، وهذه الإشارة لم تكن واضحة بارزة للبحث، أو أُفردَ لها موضوعاً خاصَّاً وإنَّما بثَّها في ثنايا كتبه.
وأوَّل مَن ألف بالمجاز بمفهومه الاصطلاحي الذي يُشير إلى الفن البلاغي المنتمي إلى علم البيان؛ هو الشريف الرضي ت(406هـ) في كتابيه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) و(المجازات النبوية)، فقد بحث فيهما المجاز بمفهومه البياني البلاغي؛ من ذلك على سبيل المثال في بيان قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )(البقرة/10)، قال الشريف الرضي: "والمرض في الأجسام حقيقة وفي القلوب استعارة، لأنَّه فساد في القلوب كما أنَّه فساد في الحقيقة، وإن اختلفت جهة الفساد في الموضعين."(6)، يبدو أنّ وصول المفهوم الاصطلاحي إلى زمن الشريف الرضي وصل متكاملاً، لذا كان البحث فيه ناضجاً.
وقد اتضحت ملامح المجاز أكثر ودخل موضوع الدرس مستقلاً بنفسه؛ على يد عبد القاهر الجرجاني ت(472هـ) إذ قال فيه: المجاز "هو كنز من كنوز البلاغة، ومادّة الشّاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع، والإحسان والاتّساع في طرق البيان.. وأنّه يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلاّ على الشّاعر المفلق والكاتب البليغ"(7)، وعرَّفه على أنَّه: "كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول"(8)، إلّا أن كلمة (لملاحظة) تعني ارتباط بين بين الكلمة المستعملة والمعنى الموضوع.
القائلون بالمجاز
اتفق أغلب الدارسين على وجود المجاز بمفهومه العام، إلّا أنَّ بعضهم قبِله في جميع الموارد من النصوص التي قيلت بالعربية، وبعضهم قبله في مورد ونفاه في مورد آخر، وهذا سيتضح بالآتي:
1ـ وجود المجاز في القرآن والسُّنَّة والعربية مطلقاً: فكرة المجاز في القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة مقبولة في بادئ الأمر ولم يكن قبولها "أمراً سهلا عند المسلمين جميعاً، فهم مجمعون ـ على اختلاف مللهم ونحلهم ـ على وقوع الحقيقة فيه ـ [القرآن]ـ، ولا يفترق في ذلك بعض أصحاب المذاهب عن بعض. والحقيقة عندهم هي كل لفظ بقى على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير. وأكثر القرآن من الحقائق. أمَّا المجاز ـ المقابل للحقيقة ـ فالجمهور على أنَّه واقع في القرآن"(9)، ويُعدّ الرعيل الأوّل من المشتغلين في البلاغة؛ أبرز القائلين به، كالخليل بن أحمد الفراهيدي ت(175هـ) ومحمد بن ادرس الشافعي ت(204هـ ) والفرّاء ت(209هـ) وأبي عُبيدة ت(210هـ) والجاحظ ت(255هـ) والشريف الرضي ت(406هـ) والجرجاني ت(471هـ) والزمخشري ت(538هـ) والرازي ت(606هـ) وغيرهم من القدماء، وقد تبعهم أغلب المحدثين الذين ألفوا في البلاغة(10).
2ـ وجود المجاز في اللغة دون القرآن والسُّنَّة: قال في هذا اللون مجموعة ممن أشاروا للمجاز في بحوثهم ومؤلفاتهم؛ أبرز هؤلاء:
أ ـ من المذهب الظاهري: داود الظاهري ت(270هـ) وابنه أبو بكر الظاهري ت(297هـ).
ب ـ من المذهب المالكي: منذر بن سعيد البلوطي ت(355هـ) ومحمد بن خويز منداد ت(400هـ).
ج ـ من المذهب الحنبلي: أبو الحسن الجزري البغدادي ت(380هـ) وأبو عبد الله الحسين بن حامد ت(403هـ)(11).
3ـ نفي المجاز مطلقاً: يُعدّ هذا المفهوم أساس مد بساط الصراع بين العلماء الذين بحثوا في البلاغة حتى وصل الأمر إلى توهين آراء بعضهم، ومنهم مَن أدخل الأمر في العقيدة والتشريع لينفذ من خلالها إلى التكفير.
أبرز مَن قال بنفي المجاز مطلقاً؛ احمد بن تيمية الحرَّاني ت(728هـ) في كتابه الايمان حيث أنكر على من تعرض لبيان حقيقة الايمان بالقول: "إنّ الأعمال الصالحة لا تدخل في حقيقة الإيمان إنما تدخل فيه على المجاز"(12)، وكان يؤكد أن المجاز لم يكن لفظياً بل حقيقياً معنوياً(13)، وتابعه تلميذه ابن القيم الجوزية ت(751هـ) وكثيرين ممن عقبوه على منواله(14).
مما تقدَّم تكشَّفت لنا خلافات القوم في مفهوم المجاز، وشبهة المنكرين للمجاز كانت تنظر إلى "أنَّ المجاز غير الحقيقة، فهو كذب، والقرآن منزَّه عن الكذب، كما أنَّ المتكلم لا ينصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلّا إذا ضاقت به الحقيقة أو عجز عن التعبير بها فيستعير، وذلك محال على الله القادر المنزَّه عن العجز" (15)، بالإضافة إلى ذلك؛ أن الأمر الذي يستدعي استعمال المجاز إمّا لإغماض أمر ما أو تحايل على الحقيقة، وكذلك: عدم حصول اللذة في استعمال الحقيقة، إذ إنَّ استعمال اللفظ على حقيقته لسياق العبارة الحقيقية يقتل المتعة واللذة في القراءة أو السماع.
كل ما ذُكِرَ؛ سببه التعريف الذي وضعوه للمجاز وهو ((اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة دالة على عدم إرادة المعنى الأصلي))(16)، وهذا التعريف هو المعتمد في بيان مفهوم المجاز، وهو الذي أربك الدرس البحثي في البلاغة.
نقد تعريف المجاز
جاء في التعريف (اللفظ المستعمل) ولم يقل: (موضوع)؛ لأنَّ الوضع لا يكون إلّا للحقيقة، وحينما قال: (استعمال) فهو يريد التصرف فيه. وكلمة (اللفظ) هنا حددت بأنّ المجاز يكون ملفوظاً ولم يكن مكتوباً، واللفظ يشمل المهمل والمستعمل مثل: ديز و زيد.
وكذلك عبارة: (في غير ما وضع له)؛ هذه العبارة تدلّ على أنَّ المجاز بعيد عن الحقيقة، لأنَّ اللفظ إذا وضع لغير موضعه؛ ابتعد معناه.
وأضاف (لعلاقة مع قرينة) هذه الفقرة تقصد: إنَّ العلاقة التي تكون بين ألفاظ المجاز والمعنى الحقيقي فهي ــ وإن دلَّت عليه ــ بعثت في النفس المعنى الحقيقي المراد. والقرينة هنا: إمَّا أن تكون تشبيهية أو مطلقة.
وقوله: (القرينة دالة على عدم إرادة المعنى الأصلي) فيها نظر من جهة المجاز بجميعه؛ حيث أنَّ هذه القطعة تؤكد أنّ لا علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، ومن هذا يكون تعريف المجاز يُفنِّد معنى المجاز لأنَّه يأتي ـ حسب ألفاظه ـ بألفاظ بعيدة أو تعطي معنى غير المعنى الحقيقي؛ وبهذا يتبادر إلى الذهن معنى آخر للمجاز.
لذلك نجد أنّ سيبويه ت(179هـ) أسماه (الاتساع) وهو لفظ يدل على قصدية من قبل سيبويه، "فالمجاز على التعريف هو ليس الإتيان بلفظ بدل لفظ (الأول الداخل على الجملة هو المجازي والمتروك هو الحقيقي )، وإنَّما هو العدول عن معنى اللفظ الحقيقي إلى معنى آخر مجازي. فلو كان التعريف هو تبدل ألفاظ مع بعضها لكان يصح، إذ نتصور أن المتكلم يريد في الأصل (المجلس الحقير) فعدل إلى لفظ (السامي)، ولكنَّه لم يُغير معنى السامي، بل أبقاه على معناه. وهذا هو منشأ التحقير من حيث هو مخالف للواقع. فالاستعمال له حقيقتان: داخلية في التركيب وخارجية في الانطباق على الموضوع الخارجي"(17)، فالمجاز ـ بحسب التعريف السائد ـ هو الاستعمال الموازي للوضع الحقيقي، وبه سيكون المستقبِل أو القارئ يفهم حقيقة أُخرى لا تنتمي للمراد بوجه، ولذا لم يُشر المجاز إلى الحقيقة بشيء.
في حين أنَّ العبارات التي تحمل ألفاظاً مجازيَّة تدلّ على الحقيقة فلا يعدل القارئ -بقرائتها أو سماعها- إلى غير الحقيقة؛ وهذا لا يؤديه التعريف المجازي.
من الممكن أن يكون تعريف المجاز: هو طريق من عدَّة طرق تُؤدي إلى المعنى الحقيقي على سبيل الاتساع. وهذا التعريف سيحل المشكلة بين المثبتين والمنكرين؛ إذ هو لا اثبات فيه ولا نفي، وإذا ما عدنا إلى تعريفنا للبلاغة؛ فسيكون المجاز هو أحد الطرق التي يستعملها الباث للافصاح عن الحكمة المستغلة في الكلام أو يُبيِّن من خلاله عن العلم المشكل، بطرق متعددة.
وهذا ينسجم انسجاماً تامّاً مع قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): (أُمِرْنَا أنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ على قدرِ عُقُولِهِم)(18)، حيث يدل على استعمال الأنبياء والأولياء والعلماء للمجاز بمفهومه الجديد، وبه يتم الكشف عن الحكمة المستغلقة في الكلام بعدَّة طرق لإفهام المتلقي.
المجاز في فكر الإمام الشيرازي
بعد هذه المقدِّمة وحل مشكلة المجاز نُشير إلى مفهوم المجاز عند السيد الشيرازي وكيفية استعماله في كتبه.
يُشير السيد الشيرازي إلى المعنى اللغوي للمجاز وهو يوافق اللغويين في التعريف اللغوي، وبعد ذلك يعرِّج إلى المفهوم الخاص للمجاز عنده، فهو يرى أنَّ المجاز "أُنقل عن معناه الأصلي، واستُعمل فی معنی مناسب له، کاستعمال (الأسد) في (الرجل لشجاع). والمجاز من الوسائل البیانية الذي یكثر فی کلام الناس، البلیغ منهم وغیرهم، ولیس من الكذب في شيء کما توهّم."(19)، وهنا يُخالف ما جاء عند أهل الاصطلاح البلاغي كما أشرنا سابقا، فهو -رحمه الله- كان قد وضع يده على أمر المجاز وعلته؛ لذا جاء بتعريفٍ للمجاز ينسجم مع النصوص القرآنية والنصوص اللغوية والأدبية.
الإمام الشيرازي يرى أنّ المجاز يُستعمل في كثيرٍ من الأحيان باستخدام متعلقات الألفاظ المحمولة على المجازية، مثل استعمال القرينة -التي يُستقبح إيراد المجاز من دونها- أو إضافة علَّة وإرادة المعلول، وغلبة الاستعمال في المعنى الحقيقي؛ وهذا لا يُعتدَّ به، إذ جاء بعدم معرفة الباث بالمعاني الحقيقية والمجازية، ولم يجعله دليلاً على أنَّ اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له -كما جعله السيد المرتضى (قدس سره)(20)، وأصل استعمال المجاز عند السيد الشيرازي هو مجموعة من العلائم:
1- التبادر: والمقصود بالتبادر هو استدعاء حضور المعنى الذي يحمله اللفظ داخل السياق بوساطة الحصيلة اللغوية التي يمتلكها المتلقي لسياق المجاز اللفظي، فالإمام الشيرازي جعل التبادر من الأسباب الرئيسة التي تدعو إلى حضور المجاز في الذهن، وهذا يدفع الإلتزام بالدور بسبب الإشكال، "والإشكال بالدور، لأنَّ التبادر موقوف على العلم بالوضع، والعلم بالوضع موقوف على التبادر، غير وارد، حيث إنَّ التبادر موقوف على العلم الإجمالي، والعلم التفصيلي موقوف على التبادر"(21)، لأنَّ التبادر عِند العالِمِ دليل على الحقيقة عند المُتعلِّم. فالتبادر عند الإمام الشيرازي سبب من أسباب وجود المجاز السياقي.
2- صحَّة الحمل على الحقيقة: اللفظ إذا ما أطلق منفرداً دون قرينة دالة على إيراد المعنى الموكول للَّفظ؛ يكون اللفظ محمولاً على الحقيقة الأصلية في أصل الوضع اللغوي، وهذا ما جعل السيد الشيرازي يرفض تعريف المجاز الخاص بالسكاكي والقزويني، لأنَّ تعريفهما يشترط بوجود القرينة الصارفة للمعنى الأصلي، هذا سيُعطينا حقيقة أخرى، فقد تنبَّه الإمام الشيرازي (قدس سره) فأشار إلى القرينة الدالَّة لا الصارفة، كما رفض ادعاء ابن تيمية من أنّ استعمال المجاز من الكذب.
3- الاطِّراد: الاطراد في المجاز يعني شيوع استعمال اللفظ في المعنى المجازي دون تخصيص لمقام أو صورة معينة، بحيث يصح إطلاقه على كل المصاديق التي يتصف بها الملاك، وهو علامة عند بعض البلاغيين على الحقيقة، في حين عدم استعماله علامة المجاز، على الرغم من أن الصحيح أن المجاز يمكن أن يكون مطرداً أيضاً، حيث يصح استعمال "الأسد" في كل الشجعان على سبيل المجاز، وقد أشار الإمام الشيرازي إلى أن الاطراد هو أن يصح استعمال اللفظ في المعنى المجازي في جميع الحالات التي يتوفر فيها الملاك أو الصفة المشتركة، حتى مع غياب القرينة المباشرة، طالما توفرت الخصوصية المصححة للاستعمال.
مثال: استعمال "الأسد" في الرجل الشجاع. هذا الاستعمال مطرد، لأنه يصح أن يقال: "هذا أسد شجاع، وذلك أسد شجاع"، ويظل مجازاً لأنه انتقل من المعنى الحقيقي للحيوان المفترس، فهو أحد علامات وجود المجاز وصحَّة استعماله، والاطراد عنده علامة الحقيقة.
فوائد المجاز المرسل عند الإمام الشيرازي
يذكر الإمام الشيرازي مجموعة من الفوائد التي يُعطيها استعمال المجاز المرسل فللمجاز المرسل على أنواعه فوائد منها:
1- الإیجاز: فإنّ قوله: (بنی الأمیر المدینة) أوجز من ذکر البنائین والمهندسین ونحوهما، ونحوه غیره، والعرب بطبيعتها توجز في الكلام للوصول إلى المعنى التعبيري.
2- سعة اللفظ: فإنه لو لم یجز إلا (جرى ماء النهر) کان لکلّ معنی ترکیباً واحداً، وهکذا بقیّة التراکیب، وهذا ما أشار إليه سيبويه على أنَّه جرى على الاتساع وتعدد السياقات.
3- إیراد المعنی فی صورة دقیقة مقربة للذهن: من العبارات ما تحمل في طياتها أو في ألفاظها الغموض، فاستعمال المجاز لتوضيح الفكرة أو بيان الحكمة المستغلقة من جانب؛ أو إيضاح العلم المشكل.
الاستنتاجات
بعد الخوض في غمار موضوع يُعدُّ من أعقد الموضوعات البلاغية والأصولية التي كانت ولا زالت محل دفع وجذب؛ تمخض عن الورقة البحثية النتائج الآتية:
1- أشارت الورقة إلى المشكلة التي بسببها افترق العلماء على فرق ومذاهب؛ حيث وجدت ان المشكلة تكمن في مفهوم التعريف، وسعت في حلَّها.
2- كان للسيد الشيرازي مفهوماً خاصَّاً في استعمال المجاز؛ إذ اختلف مه من سبقه برفع كلمة (مع قرينة صارفة) وجعل القرينة دالّة على المعنى الحقيقي.
3- وضع الإمام الشيرازي علائم لاستعمال المجاز كالتبادر والحمل على الحقيقة والاستطراد أو الاطراد، مما أعطت هذه العلائم الفسحة الاوسع في استعمال المصاديق المختلفة، وهذا ما يُسمَّى بـــ(تعدد السياقات للحقيقة الواحدة).
4- أشار الإمام الشيرازي إلى توهُمِ الذين قالوا: أنّ المجاز مدعاة للكذب، دون أن يُصرِّح بأسمائهم، وهذا عمل الناقد الحصيف الذي ينظر إلى ما قيل وليس إلى مَن قال.
5- وضع الامام الشيرازي فوائدا للمجاز وهذه من مختصّاته في بيان متعلقات المجاز.
والحمد لله رب العالمين.
* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026
http://shrsc.com
..................................
الهوامش
[1) يُنظر: اللغة الشاعرة: 26.
[2) معجم مقاييس اللغة: 1/494، يُنظر: أساس البلاغة: 1/71، لسان العرب، مادة (جوز)، المعجم القرآني: 1/871.
[3) فن الشعر: 58 ـ 90.
[4) ينظر: الكتاب: 1 / 211.
[5) الحيوان: 5/27-28.
[6) تلخيص البيان في مجازات القرآن: 113.
[7) دلائل الإعجاز: 193.
[8) أسرار البلاغة: 287.
[9) تلخيص البيان في مجازات القرآن: 55.
[10) يُنظر: كتاب العين، مادة (العين والشين):1/7، الرسالة: 51، 52. المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع ـ عرض وتحليل ونقد: 2/624.
[11) يُنظر: حكم وقوع المجاز في اللغة والقرآن: 1211، المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع: 1/623.
[12) الإيمان: 73،
[13) المصدر نفسه: 95.
[14) يُنظر: حكم وقوع المجاز في اللغة والقرآن: 1212.
[15) تلخيص البيان في مجازات القرآن، (مقدِّمة المحقق): 55.
[16) جواهر البلاغة: 177، يُنظر: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: 7/127.
[17) الحل القصدي للغة في مواجعة الاعتباطية: 74ـ75.
[18) البصائر والذخائر: 7/287.
[19) البلاغة، المعاني والبيان والبديع: السيد محمد الحسيني الشيرازي: 54.
[20) يُنظر: الأصول، السيد محمد الحسيني الشيرازي:1/63.
[21) البلاغة، المعاني والبيان والبديع: السيد محمد الحسيني الشيرازي: 54.
...........................................
روافد الورقة البحثية
· القرآن الكريم
· أساس البلاغة، جار الله الزمخشري ت(538هـ)، قرأه وعلق عليه: د. محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، ط1، 2009م.
· الأصول، السيد محمد الحسيني الشيرازي، دار العلوم، بيروت، لبنان، ط5، 2000م.
· الإيمان، أحمد بن تيمية الحرَّاني ت(728هـ)، خرَّج أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط5، 1996م.
· البصائر والذخائر، علي بن محمد بن العباس المعروف بأبي حيان التوحيدي ت(400هـ)، تحقيق: د.وداد القاضي، دار صادر – بيروت، ط1، 1408 هـ - 1988 م.
· البلاغة، المعاني والبيان والبديع، السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، مرکز القائمیة بأصفهان للتحریات الکمبیوتریة، أصفهان، إيران، د.ط، د.ت.
· تلخيص البيان في مجازات القرآن، محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى المعروف بـ(الشريف الرضي) ت(406هـ)، تحقيق: محمد عبد الغني حسن، دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط2، 1986م.
· حكم وقوع المجاز في اللغة والقرآن، علي بن ذريان الجعفري العنزي، مجلة حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية في القاهرة، العدد (33)، 2016م.
· الحل القصدي للغة في مواجعة الاعتباطية، عالم سبيط النيلي، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان، ط1، 2007م.
الحيوان، الجاحظ أبو عثمان عمر بن بحر، ت( 255ﻫ )، تحقيق: عبد السّلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1416ﻫ-1996م.
· خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر بن عمر البغدادي ت(1093هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط4، 1418 هـ - 1997 م.
· دلائل الإعجاز،عبد القاهر الجرجاني، ت(471هـ)،تحقيق: محمد التنجي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1995م.
· الرسالة، محمد بن ادريس الشافعي ت(204هـ)، تحقيق: أحمد شاكر، دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط1، 1995م.
· فن الشعر، ارسطو طاليس مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، د.ت.
كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي ت (175هـ )، تحقيق د. مهدي المخزومي و د. إبراهيم السامرائي، دار الرشيد للنشر، بغداد، العراق، د.ط، 1981م.
· الكتاب، كتاب سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ت( 180هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1399هـ ــ 1979م.
· لسان العرب، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم المعروف بابن منظور ت(711هـ)، حققه وعلّق عليه، ووضع حواشيه: عامر احمد حيدر، راجعه: عبد المنعم خليل إبراهيم، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط1، 1424هـ-2003م.
· اللغة الشاعرة، عباس محمود العقاد، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، د.ط، د.ت.
· المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع ـ عرض وتحليل ونقد، عبد العظيم إبراهيم المطعني، مكتبة وهبة للطباعة والنشر، مصر، ط2، 2014م.
المعجم القرآني (دراسة معجمية لألفاظ القرآن الكريم)، د. حيدر علي نعمة، د. أحمد علي نعمة، مطبعة السيماء، بغداد، د. ط، 2013 م.
· معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس ت(395هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ - 1979 م.