في ذكرى ميلاد الإمام علي: أفكارٌ حيّة مزروعة في الوجدان البشري

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-01-05 04:40

(كان أمير المؤمنين عليه السلام أعلم الناس وأفقههم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله)

الإمام الشيرازي

يعيش المسلمون هذه الأيام مناسبة مباركة، ألا وهي ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، هذه الشخصية التي سُجِّلت سيرتها وأفكارها وأعملها بماء الذهب، حتى عدَّه الأعداء قبل الأصدقاء كتلة من الأفكار النادرة التي فتحت الآفاق العظيمة أمام الإنسان أينما كان، فتلك الأفكار التي انبثقت من نهج البلاغة، ومن الأحاديث والخطب العميقة، قدمت للمسلمين وللبشرية خرائط عمل، ما أن تمسكوا بها واعتمدوها فسوف يصلون إلى أعلى مراحل التقدم.

لقد اجتمعت في شخصية الإمام علي عليه السلام ميزات كثيرة ومهمة، ومنها ما هو لا يجتمع في شخصية واحدة، فقد وجدنا الأعلمية بأعلى درجاتها عند الإمام، وهو سابق لعصره في هذا المجال، كما أن إنسانيته تفوقت على من كان في زمانه من الحكام، ليس هذا فحسب، فقد اعتمد عليه السلام طرائق اقتصادية وسياسية قدّمت الكثير للمسلمين ولغيرهم.

ويكفي أن نذكر خاصية العدل التي ساوى من خلالها كمنهج عمل بين جميع الناس، ليس في مجال الكفاءة، وإنما في مجال المساواة الإنسانية، فليس هنالك فرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين شخصين تبعا للديانة أو العرق الذي ينتميان له، الكل سواسية في حماية الحكومة لهم، ولا أحد له أفضلية على آخر من حيث ما تقدمه حكومة الإمام علي لمواطنيها، حيث كانت الفرص متاحة للجميع ولا فرق في ذلك بين الناس.

الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، أكد في كتابه الموسوم (المعصومون الأربعة عشر) قائلا:

(لقد بشَّر النبي صلى الله عليه وآله بأعلميتة الإمام علي وتفوقه في هذا المجال على الآخرين الأمة حيث قال: (أعلمكم علي)، وقوله: علي أعلمكم علماً وأقدمكم سلماً. وقوله صلى الله عليه وآله: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب).

وليس هناك من يضاهي الإمام علي في علميته باستثناء أستاذه ومعلمه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهذا ما عُرف عنه وأُقِّرَ له، فقد كان الأعلم بعد ابن عمه رسول الله الذي قال في حقه: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وهذا يعني أن كل من يريد أو يخطط للتوغل في مدينة العلم ليس أمامه إلا الدخول عبر بابها.

أسباب الخلود الإنساني

وقد لا نختلف على قضية خلود الإنسان وأسباب هذا الخلود الذي له أسباب قد لا نعرف جميعها، ولكن الفكر الإيجابي الإنساني النموذجي هو أحد الأبواب التي تمكنه من الدخول إلى عالم الخلود، فالأفكار الحيّة الخلاقة التي تنطلق من العقول التنويرية الكبرى، قدمت للبشرية جميع السبل التي تجعل من الفكر خادما للإنسان ومطوِّرا لقدراته العقلية والفكرية والتنفيذية وهذه الميزة العظمى شكلت الركن الأهم من مزايا الإمام علي عليه السلام.

لهذا قال فيه جبران خليل جبران هذه الكلمات التي يستحقها:

(لم يمت علي، فإن كل فكرة عظيمة زرعها في عقول الناس لا تزال حية).

وهكذا فإن شخصية أمير المؤمنين عليه السلام شخصية استثنائية، كان على المسلمين أن يستثمروها لتطوير حياتهم وواقعهم، وكان بإمكانهم أن يتنافسوا مع الأمم الأخرى علميا وفكريا وسياسيا، لو أنهم قرأوا وتنوّروا وعملوا بما قدمه لهم الإمام علي عليه السلام من أفكار أقل ما توصَف به (الأفكار الحية)، وهي بالفعل كذلك، لأنها حصيلة عقلية استثنائية جاد بها الله تعالى على المسلمين والأمم الأخرى التي استفادت من أفكارها التنويرية الخالدة.

ولهذا نحن لا نجافي الحقيقة إذا وصفنا شخصية الإمام أمير المؤمنين بأنها اشتملت على صفات لم تجتمع في شخص غيره، وهذا ما ثبت عبر الأسانيد والشواهد وما كتبته أقلام المؤرخين عن أصالة هذه الشخصية العبقرية الفذة، وما قدمته للبشرية جمعاء من أفكار إيجابية في جميع المجالات التي ينشط فيها الناس ويتبارون فيها مع بعضهم وصولا إلى الهدف المنشود المتمثل بالكمال الفكري والعملي للإنسان.

وهو قول أو رأي ليس بغريب، ولا بكثير على شخصية استثنائية كشخص الإمام علي عليه السلام، الذي أعطى الأحقية للرأي الآخر وحماه وشدد على حماية الرأي، وطالب من ولاته ووجّههم إلى التعامل اللين مع الشعب (ولا تكن عليهم سبعا ضاريا/ كتاب العهد إلى مالك الأشتر)، كذلك ركز على زوال الفوارق بين بني البشر تبعا لطبيعة الانتماءات المختلفة.

فالإنسان عند الإمام علي لا يمكن تفضيله على الآخرين تبعا لانتمائه الديني أو العرقي أو الجغرافي أو الطبقي، لا أحد أفضل من أحد بمعيار (التقوى) وهو معيار إلهي ورد في النص القرآني المبارك، حيث لا يزكي الأنفس إلا الله تعالى:

يقول الإمام الشيرازي: (جُمعت في شخصية أمير المؤمنين عليه السلام صفات لم تُجمع في أحد قبله ولا بعده).

أفكار من الطراز الحيّ

ويوجد لدينا ثوابت قاطعة تؤيد وتؤكّد علمية الإمام علي عليه السلام، وهي تتمثل في تلك المقدرة العلمية التي تشتمل على أفكار من الطراز الحيّ الذي يبقى بين الناس بشكل مستدام، ينظّم حياتهم عبر أفكارهم المستلهَمة العلمية الفكرية الحيّة للإمام علي عليه السلام، وهذا ما تدل عليه الخُطَب المتفرّدة للإمام، من حيث المحتوى الفكري الإنساني، والمضمون الذي يذهب بالإنسان نحو الإيجابية العلمية العملية التي تنهض بها نحو عالم متكامل.

ولو أننا جئنا إلى كتاب (نهج البلاغة) الذي يمثل أثرى وأعظم ما خلّفه الإمام علي عليه السلام للمسلمين وللبشرية كلها، فإننا سوف نجده يضم بين دفّته أفكارا كبرى، لم يكن للإنسان أن يصل إليها لو لا أن أطلقتها الخبرة والتجربة والعقلية الفكرية لأمير المؤمنين، وقد جاءت هذه المنظومة الفكرية لكي تفتح العقول على مضامير إنسانية اجتماعية سياسية اقتصادية ترسم للإنسان كيفية القدرة على تشكيل شخصية علمية عملية متفرّدة، وأمة ناهضة. 

لذلك قال الإمام الشيرازي:

(ما جاء في خُطَبِ الإمام علي عليه السلام ورواياته ورسائله الشريفة، دالة على مدى علمه الذي لم يرد مثله أصلاً من بقية المسلمين، ولا أحد من الصحابة، وهذا (نهج البلاغة) خير دليل على ما نقول).

ولعل هذا وسواه من مزايا يعود إلى تلك الثروة الكبيرة في الزهد التي تعود ملكيتها للإمام علي عليه السلام، والتي صنعتها العقلية الفكرية الإيجابية للإمام، فعلى الرغم من كل الامتيازات والمغريات التي وضعت نفسها بين يديّ أمير المؤمنين وتذلّلت له كثيرا، لكن ثروة الزهد وقوّها شكلت حاجزا عظيما بينه وبينها؟

لذا رفض المغريات، واستهان بمزايا السلطة، وأبعد نفسه عن خديعة الدنيا، وصان شخصيته العظيمة من أساليب الاستدراج التي مارستها الملذّات أمامه لكنها لم تجتذبه، بل ضمَّن أفكاره الحية وعلمه ومؤلّفاته تلك المعاني الخالدة التي تحمي البشر من الانزلاق للسلطة أو المال أو النفوذ أو الأنانية أو النرجسية التي تقتل إبداع الإنسان وتشل أفكاره المتميزة.

حيث يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:  

لقد (قضى أمير المؤمنين عليه السلام حياته كلها في الزهد والعزوف عن ملذّات الدنيا والانشغال بالآخرة حتى صار زهده مضرباً للأمثال، ولا يكاد أحد أيّاً كان أن ينكر زهد الإمام علي عليه السلام سواء أيام حكومته أم قبلها).

نخلصُ بالنتيجة إلى أن ذكرى ولادة الإمام علي عليه السلام، يجب أن تعيدنا إلى الفكر الذي طرحه الإمام علي عليه السلام، وتجعلنا ننهل منه فردا فردا، لكي نعود إلى منطقة التنافس الإيجابي بيننا وبين الأمم الأخرى، فليس معقولا ولا مقبولا أن تبقى الأمة التي تنتمي إلى هذه الشخصية الخالدة في علميَّتها وأفكارها، خارج دائرة أو منطقة التنافس الإيجابي بين الأمم. 

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. مستقبل حرية التعبير بين تغول السلطات والنصوص الدستوريةاحترام الوقت أم حرق المراحل؟رأس المال الاجتماعي: الإطار النظري والمعنى السياسي للتنميةالتوحش الإمبراطوري وانهيار القيم العالمية وصورة العالم المتحضرالحياد في زمن الفتنة