أثر الفساد الإداري والمالي على شرعية النظام السياسي
د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
2026-07-22 02:46
تكتسب شرعية أي نظام حاكم من إرادة الشعب حين يكون مجيء أشخاص النظام وتشكيل مؤسساته مطابقًا للقواعد القانونية التي وافق عليها الشعب والمسطرة في الوثيقة الدستورية أو القوانين الأساسية، وبخلافه يكون شخص القابض على السلطة أو المؤسسة التي تمارس السلطة غير شرعية. فالنائب الذي يفوز بالنيابة باتباع طرق ملتوية وبعيدة عن المنافسة الديمقراطية الحرة يُعد نائبًا فعليًا وليس شرعيًا؛ فهو بحسب الظاهر ينوب عن دائرته أو محافظته، إلا أنه بالحقيقة لا يملك التخويل اللازم بذلك.
وما تقدم مصداق لما ورد في الدستور العراقي للعام 2005، المادة الخامسة، التي تنص على أن: "السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية". ونجزم أن كل ما يصدر عنه من أعمال أو قرارات هي باطلة بطلانًا مطلقًا لا تلحقه إجازة؛ فما بني على الباطل مصيره البطلان المطلق، لعدم شرعية الطريقة أو الإجراءات التي بموجبها تسنم المنصب أو التكليف.
وكذا الأمر بالنسبة للوزير الفاسد أو الموظف الذي يصل إلى منصبه من بوابة تطل على الفساد، حيث يكون بعيدًا كل البعد عن شرعية العمل التنفيذي. وللأسف، في بلدنا العراق نسمع ونرى بأم العين الكثير ممن وصل إلى موقع السلطة واتخاذ القرار والتأثير بصفقة ملؤها الفساد والتربح على حساب المنفعة العامة، ما سبب تراجعًا في المصلحة العامة وضررًا لا يندمل في الشأن العام.
فالنظام السياسي في العراق يترنح منذ سنوات خلت بسبب آفة الفساد التي استشرت وحولت ممارسة السلطة في القطاعات الاقتصادية والسياسية والإدارية اللازمة لتدبير شؤون البلاد إلى سلطة فعلية وليست شرعية، لبعدها كل البعد عن الإرادة الحقيقية أو المصالح الفعلية للشعب العراقي.
ولعل النظام السياسي يشتمل كأصل عام على الآليات اللازمة والإجراءات الكفيلة بإدارة الشأن العام وتمكين المواطنين من ممارسة الحقوق والحريات التي ضمنتها لهم القواعد القانونية الوطنية والدولية، أضف للزومها لأجل تمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم وتسوية خلافاتهم بوساطة المؤسسات الرسمية.
ومن نافلة القول إن الفساد يسلب شرعية النظام السياسي الحاكم في أي دولة؛ لكونه يقوم بالدرجة الأساس على تغليب المصالح الشخصية والأهواء الذاتية على المصالح العامة، وتنصرف القرارات والتشريعات لخدمة الطبقة الفاسدة المتحكمة بالسلطة العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، بل يملك الفاسدون القدرة على تعطيل حكم القانون إزاءهم. وعند هذه اللحظة الفارقة، يفقد المواطن البسيط ثقته بالطبقة الحاكمة، بل إن الكارثة تحل حين يفقد ثقته بالقانون، لكونه ملائمًا لمقاييس الفاسدين ووُضع لإرضائهم. وعندها يُخشى من أن تشيع الجريمة المنظمة القائمة على التفنن في الاستيلاء على المال العام وتسخيره لخدمة فئة من السياسيين وأعوانهم ومريديهم من المقربين، وفي النهاية نغادر الحكم الرشيد إلى الحكم الاستبدادي القائم على تحكم النخبة الفاسدة بالمشهد السياسي والاقتصادي.
ولو أردنا أن نعطي دليلًا على ما تقدم، نلاحظ الانتخابات التي جرت في العراق في سنوات خلت تنفيذًا لما أشار إليه الدستور العراقي في المادة (20) منه، التي تنص على أن: "للمواطنين رجالًا ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح". بيد أن التجربة الديمقراطية الفتية في العراق كانت ولا زالت الأغلبية من الشعب العراقي إما يعزفون أو يشاركون فيها على استحياء. ولو سألت أيًا منهم عن السبب يخبرك وبكل بساطة أنه لا يثق بالسياسيين المشاركين في العملية الديمقراطية، ويعتقد أنهم قادرون على إعادة إنتاج هيمنتهم السياسية بشكل أو بآخر. لذا يعم شعور بالإحباط، وما تقدم ساهم في زيادة الصراعات والخلافات بين الأحزاب والكتل السياسية على مناطق النفوذ في المؤسسات العامة، الأمر الذي أسهم في تغذية الفساد بكل صوره وتطبيقاته.
ولما كان الفساد آفة ليست بالجديدة، إلا أنها تحمل مخاطر جمة، كونه وبلا شك يكشف عن خلل في إدارة الدولة، وفي تكوين وتنظيم وعمل النظام السياسي السائد؛ فالمؤسسات التي تنشأ وتمول من الخزينة العامة الغاية منها تنظيم العلاقة بين الشعب والدولة، وتكون أداة أساسية في تحقيق الغاية الرئيسية من نشوء الدولة، ألا وهي تحقيق الكرامة الإنسانية لأفراد الشعب. لكن الفساد قادر على تحويل الدولة ومؤسساتها وإمكانياتها إلى مقاطعات يسرح ويمرح بها الفاسدون فحسب، وتتحول استراتيجية مكافحة الفساد إلى مجرد شعارات جوفاء محلها البرامج الحكومية والسياسية والحزبية ولا تتعدى حاجز الكلام النظري، بل تتحول الهيئات السياسية اللازمة لترسيخ العمل الديمقراطي، مثل المؤسسات السياسية والكتل والتحالفات والأحزاب السياسية، من داعم حريص للمصلحة العامة إلى معرقل للتنمية الديمقراطية.
فتصاب المؤسسات بالجمود الإداري وسوء التدبير في الشأن العام والتخبط والانتقائية في المشاريع والخدمات التي تقدمها. وهنا حق لنا التساؤل عن الهوية الوطنية العراقية لهؤلاء ممن عاث في الأرض فسادًا وأساء إلى العلاقة القانونية بين المؤسسات العامة، لا سيما العلاقة بين المؤسسة التشريعية والتنفيذية، والعلاقة بين المؤسسة القضائية والتنفيذية، وكذلك العلاقة بين المؤسسات الرقابية والتنفيذية.
كما أن الفساد أسهم في حرف الأداء المهني للمؤسسات العامة في العراق عن الغاية الأساسية التي أوجدت من أجلها. فالبرلمان العراقي مثلًا، وبسبب فساد بعض أعضائه ممن دخل بابه بصفة نائب أو رئيس كتلة أو موظف، أصيب بالانحراف المؤسسي العميق، فتعطل دوره التشريعي والرقابي، أو أصيب هذا الدور بالانحراف العميق، الأمر الذي جعله غير قادر على النهوض بالوظائف الأساسية الموكلة إليه. ومن معالم هذا الانحراف المؤسسي:
1- عدم تأسيس مجلس الاتحاد حتى الآن؛ لأن المصالح الضيقة للسياسيين تتنافر مع وجود مؤسسة أخرى تتشارك التشريع والرقابة مع مجلس النواب، على الرغم من أهمية تشكيل المجلس في التأسيس لنظام حكم ديمقراطي متكامل.
2- التأخير الهائل في تشريع القوانين الأساسية المكملة للوثيقة الدستورية والمنظمة للهيئات الاتحادية أو دون الاتحادية، وكذلك المؤسسات التي تدير الموارد الطبيعية بشكل شفاف وعادل، ومنها قانون النفط والغاز على سبيل المثال.
3- التقاعس عن الدور الرقابي في مساءلة الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية، رغم الملفات الكثيرة والكبيرة التي شابتها شائبة الفساد، بل تحول بعض نواب البرلمان إلى شركاء في إدارة الفساد عبر الابتزاز والتربح على حساب الوطن والمال العام، وما بدا للرأي العام قبل أيام، أو وُجد في منازل بعض النواب من أموال ومعادن نفيسة، إلا دليل دامغ على ما نقول.
4- التدخل الهدام في عمل مؤسسات رقابية أساسية، ومنها هيئة النزاهة الاتحادية، للحد من فاعلية دورها في محاصرة الفساد والفاسدين عبر تبني كبار الموظفين ممن تشير أصابع الاتهام إليهم بوصفهم فاسدين لاستحواذهم على المال العام وتحكمهم به لمصلحة جهة سياسية معينة.
5- تسخير المرافق العامة، لا سيما المتصلة بخدمة الجمهور، وحرف غاياتها من توفير الحماية الاجتماعية للأفراد الأشد فقرًا وحاجة إلى منصة للترويج الحزبي والانتخابي والحصول على أصوات انتخابية، والأمثلة على ذلك من الكثرة فلا داعي إلى الغوص في تفصيلاتها.
إذن، الفساد من شأنه تقويض موارد الدولة وتحويلها عن غايتها في خدمة الجمهور إلى خدمة جيوب الفاسدين، حيث أصبح الاستيلاء أو تسهيل ذلك للآخرين ديدن البعض من المسؤولين. فالأمانات الضريبية بدل أن تشكل رافدًا للخزينة العامة، استولى عليها حفنة من الفاسدين وحولوها إلى منافع ذاتية.
لما تقدم، يمكننا القول إن الفساد يؤدي إلى انعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي، وما توجه الدولة إلى الاقتراض لسد الفجوة الظاهرية بين النفقات والإيرادات إلا نتيجة حتمية لهذه المشكلة. فالحقيقة أن العراق لا يعاني من شح الإيرادات، بل من سوء إدارتها وتوجيه الكم الأكبر منها لجيوب الفاسدين بشكل مباشر أو غير مباشر. وبعملهم الشنيع هذا يضطرون الدولة إلى الخضوع لشروط المؤسسات المالية المقرضة التي قد تهدد السيادة الوطنية وترتهن القرار العراقي.
بل إن نهمهم بالمال العام جعل الشركات الكبرى حول العالم تتجنب الاستثمار في السوق العراقي لتجربتها السابقة مع بعض المؤسسات التي يهيمن عليها الفاسدون ومطالبتها بحصص شخصية بعيدة عن الشفافية والمهنية والبنود الموضوعية. وإن تفنن بعض الفاسدين في الإساءة لهذه الشركات جعلها تتردد كثيرًا قبل الإقدام على التعاقد مع المؤسسات العراقية. فحين نستحضر العقود مع الشركات الوهمية التي أرهقت الموازنة العامة بنفقات غير حقيقية، نلتمس العذر للشركات الكبرى حين تبتعد عن التعاقد.
كما أن الفساد يؤثر على نظام الحكم حين يفقد المسؤول بوصلة القرار الوطني الرشيد، ويجعل قرارات المسؤول مبنية على أسس المصالح الفئوية لا الوطنية، ومن يدفع فاتورة ذلك هو الوطن والشعب العراقي. فقد سبق للنظام البائد أن اتخذ قرارات فاسدة لا زلنا نعيش تبعاتها الثقيلة، من تعويضات دُفعت، وسمعة دولية سيئة اكتُسبت، إلى تشرذم مكانة العراق على المستوى العربي والإقليمي والدولي.
وأخيرًا، نشير إلى أننا، وبسبب منظومة الفساد المهيمنة على بعض مقاليد القرار الوطني في الحكومات السابقة، الاتحادية منها أو المحلية، ورثنا واقعًا وظيفيًا مزريًا، فما بات الموظف يفكر في سد احتياجات حياته اليومية، بل يسعى إلى التربح من خلال الاتجار بسلطة وظيفته. وقد أدى لذلك الفساد بالدرجة الأولى، الذي عبث بالوظيفة العامة فحولها من تكليف وطني إلى مجرد ملجأ للحصول على الامتيازات. ومن مظاهر ما تقدم:
1- التضخم الهائل في عدد الموظفين بما يفوق بعشرات الأضعاف الحاجة الحقيقية لعمل المرافق العامة، فخلق بيئة من البطالة الظاهرة، وليست المستترة كما توصف، فتتسرب بينهم أمراض وظيفية خطيرة بسبب أوقات الفراغ والعمل الظاهري الذي ينشطون للقيام به يوميًا، فيكون السبيل إلى تسلم المناصب القيادية هو التقرب إلى الأحزاب الفاسدة القابضة على سدة القرار في المؤسسة.
2- تراجع إنتاجية الموظف بسبب إهمال المؤهلات في تحديد الواجبات الوظيفية، وتفشي ظاهرة سوء التنظيم الإداري بسبب التكرار أو التعارض في الاختصاصات والاتكالية التي ينجم عنها سوء الخدمات العامة.
3- رغبة من السياسيين الفاسدين في مزيد من الهيمنة لاجترار المال العام، فهم يعمدون إلى تبني نظام تركيز السلطة والمزيد من المركزية في الأعمال التي تتطلب التخطيط واتخاذ القرار التنفيذي، ما يترك الموظفين في المحافظات لا يقومون بشيء يذكر.