زهد الحاكم: كيف يصنع سلطة عادلة؟
مصطفى ملا هذال
2026-04-11 04:41
قد تتعرض الى الضرب او الاعتداء من قبل أحد الحمايات في موكب لمسؤول ما، لمجرد إنك تأخرت في الوقوف او التنحي جانبا، واجراء تفريغ الشارع للمسؤول لكثرة اعداد سيارات الموكب، فأين الزهد الذي يجب ان يتحلى به الحاكم في البلاد الإسلامية؟، وهنا نعني بالزهد هو الوقوف على مسافة بعيدة من مغريات السلطة.
ربما يشكل مفهوم الزهد بالنسبة للطبقة السياسية الحاكمة عبئا ثقيلا، ذلك انها لا تقترب من هذا المفهوم في تصرفاتها على المستويين المعيشي والوظيفي، فعلى المستوى المعيشي، نجد معظم المسؤولين الكبار يسكنون في أرقى المناطق سواء في العاصمة بغداد او غيرها من المدن العراقية، كذلك يستقلون أفخم العجلات التي يركنونها في القصور الفخمة.
ناهيك عن الرحلات الشهرية او الفصلية والسنوية الى مختلف بقاع العالم، بحثا عن الراحة والخروج عن الضغوط النفسية التي يسببها البقاء في القصور الفارهة!
كل هذه الأجواء المعيشية وربما أكثر دون علم الجمهور بما يحدث او يتراكم من ارصدة مادية في البنوك الدولية، الى جانب فتح المصالح التجارية في الأسواق العالمية، نظرا لاستقرار هذه الأسواق مقارنة في السوق الداخلية، حيث أدت هذه العمليات التجارية الى تحويل هذه الطبقة الى رجال اعمال وليس ساسة فحسب.
اما على المستوى الوظيفي، فالحديث هنا يطول نتيجة كثرة المظاهر التي تشي بالابتعاد الكبير عن معنى الزهد في كل شيء، بينما وعلى مر التاريخ شكل الزهد معيارا مهما للحكم الرشيد، إذ ارتبطت صورة الحاكم العادل دوما بالبساطة والتواضع، والقدرة على مقاومة الإغراءات التي تفسد النفوس وتُبعد صاحبها عن هموم الناس.
فالحاكم الذي يزهد في مظاهر الترف ويبتعد عن تضخيم ذاته، يقترب أكثر من الفطرة الإنسانية التي جُبل عليها الإنسان، تلك الفطرة التي تقوم على العدل والرحمة والإحساس بالآخر.
وحين يختار الحاكم أن يعيش ببساطة، فإنه يبعث برسالة قوية إلى شعبه مفادها أن السلطة ليست وسيلة للتعالي، هي في جوهرها أداة لخدمة الناس، يتم ترجمة ذلك عبر السلوك اليومي، وبطريقة العيش التي تشعر المواطن بان المسؤول قريب منه، يشاركه الاحساس الحقيقي بمعاناته، وهنا تتجلى أهمية الزهد كوسيلة لبناء الثقة، تلك الثقة التي تُعد أساس أي نظام سياسي مستقر.
رغم هذه الانعكاسات الإيجابية من الزهد الذي يتمتع فيه بعض المسؤولين، لكن هنالك ثمة من يعتبر الزهد أداة من أدوات تقليل الهيبة، بينما الحقيقية هي ان الزهد يمنح رجل الدولة او الحاكم للبلد قوة معنوية مضاعفة، فالقائد الذي لا تغريه الامتيازات، ولا ينشغل بجمع الثروات، يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات عادلة، لأنه لا يخضع لضغوط المصالح الشخصية، وهذا النوع من القادة يكتسب احترام الناس لا خوفهم، ويُبنى حوله ولاء حقيقي لا مصطنع.
ومن زاوية اجتماعية يسهم زهد الحاكم في تقليص الفوارق النفسية بينه وبين المواطنين، فعندما يرى الناس أن من يحكمهم يعيش حياة قريبة من حياتهم، يشعرون بأنه واحد منهم، وأنه يفهم تفاصيل معاناتهم اليومية، هذا الشعور بدوره يخلق حالة من الانتماء المشترك، ويُعزز روح التضامن داخل المجتمع، بدلا من مشاعر الغضب أو الاغتراب التي قد تنشأ نتيجة التفاوت الكبير في مستويات العيش.
أما على المستوى السياسي فإن الزهد يشكل حجر الزاوية في بناء الحاكم العادل، فالحاكم الذي لا يسعى وراء المكاسب الشخصية، يكون أكثر استعدادا للانشغال الحقيقي بقضايا الرعية، والعمل على حل مشكلاتهم، ذلك إنه لا يرى في المنصب فرصة للربح، وبذلك يتحول الحكم من سلطة إلى رسالة ومن امتياز إلى واجب.
وللزهد آثارا خارجية ليس داخلية فحسب، فالدول التي يقودها حكام متواضعون، يُنظر إليها باحترام أكبر، لأنها تعكس قيما إنسانية نبيلة، وتُقدم نموذجا مختلفا في عالم تغلب عليه النزعة المادية، وهذا بدوره يعزز من مكانة الدولة على الساحة الدولية.
يمكن القول إن الزهد هو البوصلة التي تُعيد الحاكم إلى فطرته الإنسانية، وتمنعه من الانحراف بفعل السلطة، وبهذا الزهد يستطيع أن يضع حجر الأساس لحكم عادل، لا تغريه المغريات ولا تغريه الأضواء، منشغلا بما هو أهم، خدمة الناس وردم الفجوة بينهم وبناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء لا رعايا.