صناعة غذاء الغد تحتاج قانونًا يواكبها

فاطمة الزهراء محمد فليح

2026-09-07 05:52

حين أتابع ما يحدث في الصناعات الغذائية اليوم، أجد أن الحديث عن تطوير المصانع لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن تطوير القوانين التي تنظم عملها. فالصناعة تتغير، والتكنولوجيا تتقدم، والمستهلك أصبح أكثر وعيًا، بينما لا تزال بعض الأسئلة القانونية تبحث عن إجابات تواكب هذا التحول.

ومن هنا بدأت أتساءل: هل تستطيع التشريعات أن تواكب السرعة التي يتحرك بها قطاع الصناعات الغذائية؟

قد يبدو السؤال متخصصًا، لكنه في الحقيقة يمس تفاصيل قريبة من حياة كل فرد. فالمنتج الذي نراه على رف السوق يقف خلفه مصنع، وخط إنتاج، ومختبر، وسلسلة نقل وخزن وتسويق، ومنظومة رقابية وتشريعية كاملة. وأي خلل في هذه المنظومة لا ينعكس على المنتج وحده، بل على ثقة المستهلك بالسوق وعلى قدرة الصناعة المحلية على المنافسة.

من وجهة نظري كباحثة عراقية أتابع تطور الصناعات الغذائية والابتكار المرتبط بها، فإن القضية لم تعد مرتبطة بمدى وجود القوانين فقط، وإنما بمدى قدرتها على قراءة المستقبل الصناعي قبل أن يتحول إلى مشكلة قانونية.

فالمصانع لم تعد تعمل بالطريقة التي كانت عليها سابقًا. الأتمتة تتوسع، والتقنيات الرقمية تدخل خطوط الإنتاج، والمختبرات تتطور، والتجارة الإلكترونية فتحت طريقًا جديدًا أمام المنتجات للوصول إلى المستهلك. حتى المشروع الصغير أصبح قادرًا على بناء علامة تجارية والوصول إلى جمهور واسع دون امتلاك الإمكانات التي كانت تحتاجها الشركات سابقًا.

هذه التحولات جميلة من الناحية الاقتصادية، لكنها تضع القانون أمام اختبار حقيقي.

ماذا يحدث عندما يُسوّق منتج غذائي عبر منصة رقمية؟

من يتحمل مسؤولية المعلومات التي تصل إلى المستهلك؟

كيف تتم الرقابة على المنتجات التي تنتقل من المصنع إلى المستهلك عبر التجارة الإلكترونية؟

وهل الإجراءات الحالية قادرة على التعامل مع الابتكارات الجديدة بالسرعة المطلوبة؟

هذه الأسئلة لا تعني أن التشريعات عاجزة، لكنها تعني أن الصناعة نفسها أصبحت بحاجة إلى تشريعات تتطور معها.

فالرقابة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون مجرد انتظار لحدوث الخطأ. والمختبرات ليست مجرد مرحلة فنية في طريق المنتج إلى السوق، بل جزء من منظومة الثقة. والجهات الرقابية لا تحتاج فقط إلى صلاحيات، وإنما تحتاج إلى أدوات حديثة تستطيع من خلالها التعامل مع صناعة تتغير باستمرار.

وفي المقابل، لا يمكن أن نطلب من الصناعة أن تبتكر ثم نضع أمامها إجراءات تجعل الابتكار رحلة شاقة.

المشاريع الغذائية الناشئة، على سبيل المثال، تحتاج إلى بيئة قانونية واضحة. صاحب المشروع الذي يبدأ بفكرة جديدة يريد أن يعرف منذ البداية: ما المتطلبات؟ ما حقوقه؟ ما مسؤوليته؟ وكيف يمكن أن ينتقل بمنتجه من الفكرة إلى السوق بطريقة قانونية وآمنة؟

وهنا يظهر الفرق بين القانون الذي ينظم الابتكار والقانون الذي يعيق الابتكار.

نحن لا نحتاج إلى تخفيف الرقابة على حساب المستهلك، ولا إلى إعفاء المشاريع من مسؤولياتها، وإنما نحتاج إلى جعل الطريق واضحًا أمام من يريد أن يعمل بصورة صحيحة.

وفي رأيي، فإن حماية المستهلك وحماية المنتج المحلي ليستا قضيتين متعارضتين.

عندما نحمي المستهلك من الغش والتضليل والمنتجات غير المطابقة، فإننا في الوقت نفسه نحمي المنتج الذي يعمل بصورة صحيحة. وعندما نحمي العلامة التجارية من التقليد، فإننا لا نحمي اسمًا تجاريًا فقط، بل نحمي سنوات من العمل والاستثمار وبناء الثقة.

وهذا مهم للصناعات الغذائية العراقية التي تحتاج إلى الانتقال من مجرد المنافسة داخل السوق المحلي إلى التفكير في قدرتها على بناء علامات قادرة على الحضور والمنافسة. لكن لا يمكن تحقيق ذلك إذا بقيت المنافسة غير عادلة.

فالمنتج الذي يستثمر في مصنعه ويطور علامته ويلتزم بالمتطلبات لا ينبغي أن يجد نفسه في مواجهة منتجات تقلد اسمه أو تستفيد من ثغرات السوق. وهنا يصبح القانون جزءًا من السياسة الاقتصادية، وليس مجرد وسيلة للعقوبة. لقد أصبحت أؤمن أن الحديث عن مستقبل الصناعات الغذائية يجب أن يتجاوز حدود المصنع نفسه.

نحن نتحدث عن اقتصاد، وفرص عمل، واستثمار، ومشاريع شبابية، وعلامات تجارية عراقية، ومستهلك، وسوق، وتشريعات. وكل حل ينظر إلى جانب واحد من هذه الصورة سيبقى ناقصًا.

والسؤال الذي أراه أكثر أهمية اليوم هو: هل نكتب التشريعات بعد أن تتغير الصناعة، أم نبدأ بتطويرها ونحن نقرأ الاتجاه الذي تسير إليه الصناعة؟

ربما لا يستطيع القانون أن يتنبأ بكل ابتكار سيظهر غدًا، وهذا أمر طبيعي. لكنه يستطيع أن يكون مرنًا بما يكفي ليستوعب الابتكار عندما يظهر، وأن يضع قواعد واضحة تحمي الإنسان والسوق دون أن تغلق أبواب التطور.

ومن هنا، فإن تطوير التشريعات المرتبطة بالصناعات الغذائية في العراق ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه ملفًا قانونيًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من بناء بيئة صناعية واقتصادية أكثر قدرة على المنافسة.

نحن نحتاج إلى مصنع يتطور، ومختبر يواكب، ورقابة تستخدم أدوات العصر، ومستهلك يعرف حقوقه، وقانون يفهم كل هذه الأطراف.

فالصناعة التي تدخل المستقبل بتكنولوجيا الأمس لن تستطيع المنافسة، والقانون الذي يحاول تنظيم المستقبل بعقلية الأمس لن يستطيع حمايته.

وأعتقد أن مسؤوليتنا كباحثين عراقيين لا تقتصر على دراسة ما يحدث داخل تخصصاتنا، بل تمتد إلى طرح الأسئلة التي قد تحتاجها مجتمعاتنا قبل أن تتحول إلى أزمات.

ومن هذا السؤال تحديدًا أكتب: إذا كانت الصناعات الغذائية العراقية تستعد للمستقبل، فهل تستعد تشريعاتنا للمستقبل نفسه؟ قد تكون الإجابة بداية نقاش أوسع، ليس عن القانون وحده، وإنما عن الصناعة التي نريد أن نبنيها في العراق.

ذات صلة

لماذا تتأرجح النفس بين المادية والإسلامامتلاك النفس قبل امتلاك القرار.. رؤية الإمام علي في مواجهة الاندفاععندما لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بالتحليل: نحو عصر القرار المالي الذاتيالمحامية نورس علي الفتلاوي: قضايا الأحوال الشخصية تكشف هشاشة العلاقات وتبدّل الأسرة العراقيةأفول الآلهة الأميركية