ناقل النفايات: عندما تفضح الرياح إهمالنا البيئي
مصطفى ملا هذال
2026-01-31 04:19
تكفي هبة رياح خفيفة لتحويل الشوارع والأراضي الفارغة إلى مسرح تتطاير فيه الأكياس البلاستيكية وبقايا النفايات، في صورة تعكس بوضوح ضعف الإجراءات البيئية وغياب التخطيط المستدام، وهذه الظاهرة التي قد تبدو عابرة للبعض، تحمل في طياتها مؤشرات خطيرة على الإهمال البيئي وتراجع دور المؤسسات المعنية بحماية البيئة.
لا تزال المناطق الحضرية وشبه الحضرية تعاني من نقص واضح في المصدات النباتية، مثل الأحزمة الخضراء والأشجار المزروعة على أطراف المدن والطرق السريعة، إذ تعتقد الجهات المعنية في المجال البيئي أن هذه المصدات لا تؤدي دوراً وليس من الضروري توزيعها في أطراف المدن ومراكزها. بينما في الحقيقة فهي تؤدي دوراً جمالياً، فضلاً عن كونها تُعد خط الدفاع الأول في مواجهة الرياح المحملة بالغبار والنفايات، إذ تعمل على كسر سرعتها والحد من قدرتها على نقل الملوثات لمسافات بعيدة، ومع غيابها تصبح النفايات الخفيفة عرضة للتطاير، لتستقر في الأحياء السكنية، أو الأراضي الزراعية، أو حتى المجاري المائية.
وليس هذا الدليل الوحيد على ضعف الإجراءات البيئية، كما يظهر أيضاً في إدارة النفايات نفسها، فحاويات القمامة المكشوفة، وعدم انتظام عمليات الجمع، وغياب الرقابة الصارمة، كلها عوامل تُسهِم في تفاقم المشكلة، أضف إلى ذلك في كثير من الأحيان، تُترك النفايات مكشوفة في العراء، لتتحول مع أول نسمة هواء إلى مصدر تلوث بصري وصحي، يهدد سلامة السكان ويشوه المشهد العام للمدينة.
ولا يقتصر تأثير تطاير النفايات على الجانب الجمالي فقط، بل يمتد ليشمل أبعاداً صحية وبيئية أعمق، فالأكياس البلاستيكية والمخلفات الخفيفة قد تحمل معها جراثيم ومواد ضارة، وتُسهم في انسداد مصارف المياه وتلوث التربة، أو الإضرار بالحياة البرية.
في المقابل، تُظهر تجارب دول ومدن أخرى أن الاستثمار في المصدات النباتية والتشجير المنظم يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً، فالأحزمة الخضراء إلى جانب كونها وسيلة فعالة للحد من تطاير النفايات والغبار، تسهم في تحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة، وتمنح المدن طابعاً أكثر استدامة.
غير أن تطبيق هذه الحلول يتطلب رؤية طويلة الأمد، وتنسيقاً بين الجهات البلدية والبيئية، ودعماً مجتمعياً حقيقياً، لا سيما وأن معالجة هذه المشكلة لا تنفصل عن تعزيز الثقافة البيئية لدى المواطنين، وتشديد القوانين المتعلقة برمي النفايات، وتطوير آليات جمعها ومعالجتها.
تبقى النفايات المتطايرة مع الرياح شاهداً صامتاً على خلل بيئي واضح، ورسالة تحذير بأن الإهمال، مهما بدا بسيطاً، قد يتحول إلى أزمة مفتوحة، وبين ضعف الإجراءات وغياب المصدات النباتية، تقف المدن أمام اختبار حقيقي: إما أن تستمر في الدوران داخل حلقة الإهمال، أو أن تتجه نحو حلول مستدامة تحمي الإنسان والبيئة معاً.