الكهرباء: وعد 2013 لم يصل إلى 2026
أوس ستار الغانمي
2026-05-16 03:20
صيف 2026 يفتح أبوابه على حرارة لاهبة تلتصق بالجدران قبل الأجساد، وعلى أصوات المراوح التي تدور كأنها تستجدي رحمة لا تأتي، وعلى جداول يومية يعاد ترتيبها وفق مزاج الكهرباء لا وفق خطط الناس. المدينة تبدو وكأنها تمارس حياة نصفية نصف يوم للضوء ونصفه الآخر لانتظار عودة التيار، وبين النصفين تتسرب الأعصاب والوقت والإنجازات الصغيرة.
داخل هذا المشهد المتكرر، يظهر سؤال قديم يتجدد كل موسم أين ذهبت الوعود التي ولدت في نشرات الأخبار قبل أكثر من عقد؟ في عام 2013 انتشر تصريح رسمي حمل نبرة يقين عالية الكهرباء تتجه نحو مرحلة استقرار، وصيف ذلك العام سيحمل عنوان “الوداع للمولدات الأهلية”. العبارة يومها بدت كأنها إعلان نهاية مرحلة كاملة من حياة العراقيين، وكأن صوت المولدة في الأزقة سيصبح قريبًا مجرد ذكرى أرشيفية.
اليوم، بعد سنوات طويلة، ما زال صوت المولدات حاضرًا كأنه جزء من الهوية الحضرية، لا كأداة مؤقتة. الأسلاك ما زالت تتشابك فوق الأسطح، والوقود ما زال يحسب بالدقائق، والاشتراك الشهري ما زال بندًا ثابتًا في ميزانية العائلة، كأنه ضريبة على البقاء في صيف العراق.
المشهد لا يحتاج إلى مبالغة كي يفرض حضوره. يكفي أن تمر في حي شعبي عند منتصف النهار حتى ترى الأطفال يجلسون قرب أبواب البيوت المفتوحة، يبحثون عن أي نسمة هواء، بينما تسمع من بعيد أصوات المولدات وهي ترفع إيقاعها مع ارتفاع الطلب. في المقاهي الصغيرة، تتحول الكهرباء إلى موضوع حديث يومي، ينافس السياسة وأسعار السوق، ويحتل المرتبة الأولى في قائمة الشكاوى الجماعية.
المفارقة أن الحديث عن الكهرباء في العراق لا يتعامل معها كخدمة فنية فقط، إنما كاختبار مستمر لقدرة الناس على التكيف. المواطن هنا لا يسأل متى تتحسن الخدمة، إنما كيف سيعيد تنظيم يومه إذا انقطعت لمدة أربع ساعات إضافية. هذه القدرة على التعايش مع الانقطاع صارت مهارة اجتماعية مكتسبة، تورث بين الأجيال كما تورث العادات.
في الخلفية، تتراكم أسئلة أكبر من تفاصيل الانقطاع اليومية. لماذا تتحول كل خطة إصلاح إلى وعد مؤجل؟ لماذا تبقى البنية التحتية للكهرباء في حالة شد مستمر بين الحاجة المتزايدة والواقع المتعب؟ ولماذا يتحول الصيف كل عام إلى اختبار جديد لحدود الصبر؟
الإجابة لا تأتي في جملة واحدة، ولا في خطاب رسمي واحد، إنما تتوزع بين ملفات إنتاج ونقل وتوزيع، وبين مشاريع توقفت عند منتصف الطريق، وبين أحمال سكانية تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة الشبكة على الاستيعاب. ومع ذلك، يبقى الجانب الأكثر حضورًا هو شعور الناس بأن الزمن الكهربائي يتحرك بسرعة مختلفة عن الزمن الرسمي.
في الأسواق، تقاس قيمة المكيفات ليس بقدرتها التقنية فقط، إنما بقدرتها على العمل تحت ضغط الانقطاع. وفي البيوت، تتحول البطاريات والمنظومات البديلة إلى جزء من الديكور اليومي. حتى الأطفال أصبحوا يميزون بين صوت المولدة الجيدة والسيئة، وبين ساعة التشغيل وساعة التوقف، وكأنهم يتعلمون مبكرًا أبجدية الطاقة.
ما بين 2013 و2026 تمتد سنوات طويلة من الخطط والتصريحات والوعود، إلا أن الشارع ما زال يتعامل مع الكهرباء كضيف غير منتظم. هذا التكرار السنوي أعاد تشكيل علاقة المجتمع مع الدولة بطريقة صامتة، علاقة تقاس فيها الثقة بعدد ساعات التجهيز، لا بعدد البيانات الصحفية.
ورغم كل ذلك، تبقى المفارقة الأشد وضوحًا أن هذا الملف لا يغيب عن الواجهة الإعلامية والسياسية، ومع ذلك لا يغادر موقعه المزمن في قائمة الأزمات. وكأن الكهرباء تتحول في كل صيف إلى مرآة تكشف شكل الإدارة العامة، وتعيد طرح السؤال بطريقة أكثر حرارة كيف يمكن لدولة غنية بالموارد أن تعيش هذا النقص المتكرر في واحدة من أبسط الخدمات اليومية؟
في المقابل، لا يتعامل الناس مع الواقع كقضية نظرية. الحياة اليومية تفرض حلولها الخاصة مواعيد نوم تتغير، أعمال تتأجل، اجتماعات ترتب وفق جدول التجهيز، وأحلام صغيرة تؤجل إلى إشعار آخر. ومع كل ذلك يستمر الإيقاع، وكأن المجتمع كله دخل في تدريب طويل على التعايش مع الاستثناء.
هكذا يظهر صيف 2026 ليس كحدث منفصل، إنما كامتداد طويل لسلسلة مواسم متشابهة، تختلف في الحرارة وتتشابه في السؤال. وبين وعد 2013 وصيف اليوم، تبقى الكهرباء عنوانًا كبيرًا لامتحان لم تغلق أوراقه بعد، وملفًا يكتب تفاصيله الناس كل يوم من حياتهم قبل أن تكتبه البيانات الرسمية.