التعليم في زمن الأزمات والحروب.. اطفال على حافة الإقصاء المدرسي

شبكة النبأ

2026-07-01 09:11

في عالم تتكاثر فيه الحروب، وتطول فيه الأزمات الإنسانية، وتتسع فيه تداعيات الكوارث المناخية والاقتصادية، لم يعد التعليم مجرد ملف تنموي مؤجل، بل أصبح أحد أكثر مؤشرات الانهيار الإنساني قسوة. فحين تُغلق المدارس، أو تُدمّر، أو تصبح بعيدة وغير آمنة، وحين تعجز الأسر عن دفع كلفة التعليم، أو يضطر الأطفال إلى العمل، يتحول التعليم من حق أساسي إلى امتياز هش، لا يصل إليه إلا من نجا من طبقات متعددة من الفقر والعنف والنزوح والإعاقة.

يكشف تقرير «كسر الحواجز: فهم الإقصاء التعليمي في الأزمات – التقديرات العالمية، تحديث 2026»، الصادر عن صندوق «التعليم لا يمكن أن ينتظر» Education Cannot Wait، عن صورة شديدة القتامة لحالة التعليم في الأزمات. فالتقرير لا يكتفي بقياس عدد الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة، بل يحاول فهم من هم هؤلاء الأطفال، وأين يعيشون، ولماذا يُستبعدون من التعليم، وكيف تتحول أزمات التعلم في السنوات الأولى إلى إقصاء مدرسي كامل في مرحلة المراهقة.

وتظهر الأرقام أن الأزمة التعليمية العالمية في البيئات الهشة ليست في تراجع، بل تتعمق. فهناك نحو 258 مليون طفل ومراهق في سن الدراسة تأثر تعليمهم بالأزمات في 87 دولة، بينهم 93 مليون طفل خارج المدرسة كليًا، بينما لا يزال 165 مليونًا آخرون داخل النظام التعليمي، لكنهم يتعلمون في ظروف متقطعة وهشة، تهدد استمرارهم في المدرسة وتضعف قدرتهم على التقدم واكتساب المهارات الأساسية.

هذه الأرقام لا تعبر عن «أزمة تعليمية» فحسب، بل عن أزمة مستقبل. فالطفل الذي يخرج من المدرسة في سياق الحرب أو النزوح أو الفقر لا يخسر عامًا دراسيًا عابرًا، بل قد يخسر مسارًا كاملًا من الحماية والنمو والفرص. وكلما طال الانقطاع، أو تراكم الضعف في القراءة والحساب، ازدادت احتمالات الرسوب والتسرب والعمل المبكر والزواج القسري والتهميش الاجتماعي.

أزمة تعليمية عالمية تتعمق

تقدّر الدراسة أن عدد الأطفال والمراهقين الذين تأثر تعليمهم بالأزمات بلغ 258 مليونًا، بزيادة 21 مليون طفل خلال ثمانية عشر شهرًا فقط مقارنة بالتحديث العالمي السابق. وهذا الرقم يوضح أن التعليم في الأزمات لا يتحسن مع الزمن، بل يتعرض لضغط متزايد مع امتداد الصراعات، وتعدد الكوارث، وتراجع التمويل الإنساني، وتفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

ولا يعني كون الطفل «متأثرًا بالأزمة» أنه خارج المدرسة بالضرورة. فالتقرير يميز بين فئتين: أطفال خرجوا من التعليم كليًا، وأطفال ما زالوا مسجلين في المدارس، لكن تعليمهم يتعرض للتعطيل والتآكل. الفئة الأولى تضم 93 مليون طفل، أي ما يعادل معدل خروج من المدرسة يبلغ 36% بين الأطفال المتأثرين بالأزمات. أما الفئة الثانية، وهي الأكبر عددًا، فتضم 165 مليون طفل ما زالوا في المدارس، لكنهم يواجهون بيئات تعليمية غير مستقرة، وصفوفًا مكتظة، ومعلمين غائبين أو مرهقين، وبنى تحتية متضررة، وتعلمًا ضعيفًا لا يضمن اكتساب المهارات الأساسية.

وهذه النقطة مهمة لأنها تكسر التصور التقليدي الذي يحصر أزمة التعليم في عدد الأطفال خارج المدرسة فقط. فهناك ملايين الأطفال داخل الصفوف، لكنهم لا يتعلمون بما يكفي، ولا يتقدمون كما ينبغي، وقد يصبحون خارج المدرسة لاحقًا إذا تراكمت الفجوات التعليمية. بمعنى آخر، الأزمة ليست في الوصول إلى المدرسة فقط، بل في الاستمرار والتقدم والتعلم.

الأزمات لا تضرب الجميع بالتساوي

رغم ضخامة الرقم العالمي، يوضح التقرير أن الإقصاء التعليمي لا يتوزع بالتساوي في العالم، بل يتركز في عدد محدود من البلدان والسياقات شديدة الهشاشة. فقرابة 60% من الأطفال المتأثرين بالأزمات يعيشون في تسع دول تعاني أزمات ممتدة، هي: أفغانستان، بنغلاديش، جمهورية الكونغو الديمقراطية، إثيوبيا، ميانمار، نيجيريا، باكستان، السودان، واليمن. كذلك يتركز 67% من الأطفال المتأثرين بالأزمات والخارجين من المدرسة في عشر دول فقط.

وتكشف هذه النتيجة أن أزمة التعليم في الأزمات لها خريطة واضحة. فهي ليست مشكلة متناثرة يصعب تحديدها، بل أزمة مركزة جغرافيًا وسياسيًا وإنسانيًا. وهذا يعني أن توجيه التمويل والبرامج إلى الدول والسياقات الأكثر تضررًا يمكن أن يحدث أثرًا كبيرًا، إذا اعتمد على بيانات دقيقة وفهم حقيقي للفئات الأكثر هشاشة.

وتشير الدراسة إلى أن 20 دولة مصنفة ضمن أعلى مستويات شدة الأزمة تضم وحدها 182 مليون طفل متأثر بالأزمات، منهم 74 مليونًا خارج المدرسة. وهذا يمثل قرابة 80% من مجموع الأطفال الخارجين من المدرسة ضمن البيئات المتأثرة بالأزمات التي شملتها الدراسة. ويعني ذلك أن الاستجابة التعليمية يجب ألا توزع الموارد بالتساوي الشكلي، بل وفقًا لشدة الأزمة، وعدد الأطفال المتضررين، وحجم الإقصاء، وطبيعة الحواجز التي تمنع التعليم.

وتتصدر أفريقيا جنوب الصحراء المشهد من حيث حجم الحاجة. فالمنطقة تضم وحدها 128 مليون طفل متأثر بالأزمات في 38 دولة، أي نحو نصف العدد العالمي. كما تضم 38 مليون طفل خارج المدرسة في سياقات الأزمة الأشد، أي 51% من الإجمالي العالمي في هذه الفئة. وهذا يجعل أزمة التعليم في أفريقيا جنوب الصحراء إحدى أكثر الأزمات إلحاحًا على مستوى العالم.

الحرب والنزوح والكوارث.. ثلاث طرق نحو الإقصاء

يقسم التقرير دوافع الأزمة التعليمية إلى ثلاثة مسارات رئيسية: الصراع والعنف، والكوارث الطبيعية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ووفقًا للتقديرات، هناك 135 مليون طفل متأثرون أساسًا بالصراع والعنف، و29 مليونًا متأثرون بالكوارث الطبيعية، و94 مليونًا يواجهون أزمات اقتصادية واجتماعية واسعة.

الصراع والعنف يمثلان العامل الأكبر والأكثر تدميرًا. فالحرب لا تغلق المدارس فقط، بل تهدم البنية التحتية، وتدفع المعلمين إلى النزوح، وتخلق بيئة خوف تمنع الأسر من إرسال أطفالها إلى المدرسة. وقد تكفي حادثة عنف قريبة من المدرسة أو الطريق إليها لتغيير قرار العائلة بالكامل. كما أن العنف يترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال، مثل القلق والصدمات وضعف التركيز، بما يجعل التعلم نفسه أكثر صعوبة حتى عندما تبقى المدارس مفتوحة.

أما الكوارث الطبيعية، مثل الفيضانات والجفاف والأعاصير والزلازل، فتؤثر في التعليم بطرق متعددة. قد تدمر المدارس، أو تستخدم المباني التعليمية كملاجئ، أو تدفع الأسر إلى النزوح، أو تقلل دخل الأسرة إلى درجة تجعل التعليم عبئًا ماليًا. وفي بعض المجتمعات الزراعية، يؤدي الجفاف أو فقدان سبل العيش إلى انسحاب الأطفال من المدرسة للمساعدة في العمل أو لجمع الموارد.

أما الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فتعمل غالبًا بصمت. لا توجد دائمًا مدرسة مدمرة أو جبهة قتال، لكن الأسر تعجز تدريجيًا عن دفع الرسوم أو شراء الكتب أو تأمين المواصلات. ومع اشتداد الضغوط، يصبح التعليم أول ما يتراجع في ترتيب الأولويات، لا لأن الأسرة لا تؤمن بقيمته، بل لأنها تواجه معادلة قاسية بين الطعام والدواء والعمل والمدرسة.

الفقر أول حاجز.. والأسر لم تفقد الإيمان بالتعليم

من أهم النتائج التي يقدمها التقرير أنه يفند فكرة شائعة تقول إن الأسر في الأزمات تفقد اهتمامها بالتعليم. فالبيانات المستندة إلى تقييمات متعددة القطاعات تظهر أن معظم الأسر المتأثرة بالأزمات تواصل إعطاء التعليم أولوية وتحاول إبقاء أطفالها في المدرسة إلى أن تستنفد مواردها المالية.

بعبارة أوضح: المشكلة ليست في ضعف الطلب على التعليم، بل في الحواجز الاقتصادية والهيكلية والسياسية التي تمنع الوصول إليه. فعندما يترك الأطفال المدرسة، تشير البيانات إلى أن الحواجز المالية تمثل 39% من أسباب الانسحاب، بينما تمثل إغلاقات المدارس المرتبطة بالصراع 38%. وبذلك يشكل هذان العاملان معًا قرابة 80% من حالات ترك المدرسة.

هذه النتيجة ذات أهمية سياسية وإنسانية. فهي تعني أن الحل لا يكون فقط عبر حملات توعية تحث الأسر على إرسال أطفالها إلى المدارس، لأن كثيرًا من الأسر تريد ذلك أصلًا. الحل يبدأ من خفض كلفة التعليم، وإزالة الرسوم، وتوفير الدعم النقدي أو العيني، وتأمين الكتب والزي المدرسي والنقل، وضمان استمرار المدارس في العمل ضمن بيئات آمنة.

كما أن اختلاف الحواجز من بلد إلى آخر ومن فئة إلى أخرى يعني أن التدخلات الموحدة لا تكفي. فالأسرة التي لا تستطيع دفع التكاليف تحتاج إلى دعم مالي، والأسرة التي فقدت أقرب مدرسة بسبب الحرب تحتاج إلى إعادة فتح أو إنشاء مراكز تعليم بديلة، والفتاة التي تُمنع من التعليم بسبب قانون أو عرف اجتماعي تحتاج إلى حماية قانونية ومجتمعية، والطفل اللاجئ يحتاج إلى اعتراف بالشهادات واللغة والحق في التسجيل.

النزوح القسري يخلق حرمانًا طويل الأمد

يؤكد التقرير أن النزوح القسري من أكثر العوامل إضعافًا لمسار التعليم. فالطفل النازح لا يفقد المدرسة فقط، بل يفقد الاستقرار، والوثائق، والأصدقاء، واللغة أحيانًا، وقد ينتقل إلى نظام تعليمي جديد لا يعترف بما درسه سابقًا. لذلك لا يظهر أثر النزوح في السنة الأولى وحدها، بل يتراكم عبر الزمن على شكل تأخر دراسي، ورسوب، وتقدم بطيء، وانخفاض في معدلات الانتقال بين المراحل.

وتُظهر التقديرات أن معدل الخروج من المدرسة يرتفع من 36% بين جميع الأطفال المتأثرين بالأزمات إلى 52% بين الأطفال النازحين داخليًا، ويصل إلى 74% بين الأطفال اللاجئين في السياقات الأشد. هذه الفجوة هائلة، وتكشف أن الطفل اللاجئ في بيئة أزمة لا يواجه حاجزًا واحدًا، بل حزمة من الحواجز: الفقر، اللغة، غياب الوثائق، التمييز، ضعف القدرة الاستيعابية للمدارس، صعوبة الوصول، وأحيانًا القيود القانونية.

لكن التقرير يلفت أيضًا إلى نقطة دقيقة: ليس كل طفل لاجئ في العالم مشمولًا بهذه التقديرات. فهناك لاجئون في دول غنية يتمتع معظمهم بالحق في التعليم وبنسب التحاق مرتفعة، ولذلك لا يعدهم التقرير ضمن الأطفال الذين تتعرض فرص تعليمهم للخطر بسبب بيئة الأزمة. هذه المنهجية تجعل التركيز على اللاجئين والنازحين الذين يعيشون في بيئات هشة فعلًا، حيث تكون أنظمة التعليم غير قادرة على الاستيعاب والحماية والاستمرارية.

ويشير التقرير إلى أن نحو واحد من كل ستة أطفال متأثرين بالأزمات هو طفل مهجّر قسرًا، بينما لا تزال الأغلبية غير نازحة لكنها تعيش داخل مجتمعات متضررة. وهذا مهم لأن السياسات الإنسانية تميل أحيانًا إلى التركيز على المخيمات واللاجئين، بينما تعاني أغلبية الأطفال المتأثرين بالأزمات من داخل مجتمعاتهم الأصلية نفسها، حيث قد تكون المدرسة موجودة شكليًا لكنها عاجزة عن التعليم الفعلي.

الإعاقة محور مستقل للإقصاء

لا يتعامل التقرير مع الإعاقة باعتبارها عاملًا تابعًا للنزوح أو الفقر، بل بوصفها محورًا مستقلًا من محاور الإقصاء التعليمي. فبين الأطفال المتأثرين بالأزمات وغير المهجرين قسرًا، يبلغ معدل الخروج من المدرسة 31% بين الأطفال غير ذوي الإعاقة، مقابل 43% بين الأطفال ذوي الإعاقة، أي بفجوة تبلغ 12 نقطة مئوية.

وتزداد أهمية هذه الفجوة لأن الأزمات نفسها قد ترفع معدلات الإعاقة، سواء بسبب الإصابات الجسدية أو الصدمات النفسية أو ضعف الخدمات الصحية والتأهيلية. كما أن الأطفال ذوي الإعاقة يواجهون عوائق إضافية في البيئات المستقرة، فكيف إذا كانت المدارس مدمرة أو بعيدة، والمواصلات غير آمنة، والصفوف مكتظة، والمعلمون غير مدربين، والمرافق غير مهيأة؟

هذا يعني أن التعليم في الأزمات لا يمكن أن يكون عادلًا إذا لم يكن شاملًا للأطفال ذوي الإعاقة. فمجرد إعادة فتح المدارس لا يكفي، ما لم تُوفر ممرات ومقاعد ومرافق مناسبة، ودعم نفسي، ومعلمون قادرون على التعامل مع الاحتياجات المختلفة، وبيانات تساعد على تحديد الأطفال الذين لا يصلون أصلًا إلى النظام التعليمي.

حين تتحول أزمة التعلم إلى أزمة وصول

واحدة من أهم رسائل التقرير أن التعليم لا ينهار فقط عندما يخرج الطفل من المدرسة، بل قد يبدأ الانهيار وهو ما يزال داخل الصف. فضعف القراءة والحساب في السنوات الأولى يتراكم عامًا بعد عام، حتى يصبح الطفل غير قادر على متابعة المنهج، ثم يفقد الدافع، ثم يتأخر، ثم يكرر الصف، ثم يترك المدرسة في المراحل الأعلى.

يسمي التقرير ذلك تحول أزمة التعلم في الصفوف المبكرة إلى أزمة وصول في مرحلة المراهقة. فالطفل الذي لا يكتسب المهارات الأساسية في الوقت المناسب يصبح أكثر عرضة للتسرب في المرحلة الثانوية. وتظهر الأدلة أن معدلات الخروج من المدرسة في المرحلة الثانوية بين الأسر المتأثرة بالأزمات أعلى من المتوسطات الوطنية في البلدان نفسها بفارق يتراوح بين 20 و35 نقطة مئوية.

وهذا يعني أن الاستجابة الإنسانية للتعليم لا يجب أن تكتفي بفتح المدارس أو تسجيل الأطفال، بل يجب أن تسأل: ماذا يتعلم الأطفال؟ هل يقرأون؟ هل يفهمون؟ هل يستطيعون الحساب؟ هل ينتقلون إلى الصفوف التالية في الوقت المناسب؟ هل توجد برامج تعويضية لمن فقدوا سنوات من التعلم؟

ففي سياقات كثيرة، قد يبدو الطفل «ملتحقًا بالمدرسة» في الإحصاءات، لكنه فعليًا لا يحقق الحد الأدنى من التعلم. وإذا لم تُعالج هذه الفجوات مبكرًا، فإن المدرسة تتحول إلى مكان حضور شكلي لا يمنح الطفل القدرة على بناء مستقبل حقيقي.

الصراع يترك فجوات تعلم أعمق من الكوارث

يقدم التقرير أدلة جديدة على أن التعلم يتقدم ببطء أكبر في البيئات المتأثرة بالصراع والعنف مقارنة بالسياقات التي تتأثر أساسًا بالكوارث الطبيعية أو الصدمات الاقتصادية. فالأطفال في مناطق الحرب لا يتعرضون لانقطاع دراسي فقط، بل يعيشون بيئة تهدد الأمان النفسي والجسدي، وتدمر البنية التعليمية، وتضعف قدرة النظام كله على العمل.

وتظهر بيانات التعلم أن الأطفال في سياقات الصراع يواجهون أشد الفجوات. ففي عينة من الدول المتأثرة بالصراع والعنف، ترتفع كفاءة القراءة من 7.1% فقط في الصف الثاني إلى 30.6% في الصف السادس. في المقابل، يصل الأطفال المتأثرون بالكوارث الطبيعية إلى 63% بحلول الصف السادس، بينما يصل المتأثرون بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى 46.9%.

ولا يعني ذلك أن الكوارث أو الأزمات الاقتصادية قليلة الأثر، بل يعني أن الحرب تمثل أكثر الأزمات تدميرًا للتعلم، لأنها تدمج الخوف بالفقر بالتهجير بتدمير المؤسسات. وفي بعض المناطق المتأثرة بالصراع، تكاد القراءة الأساسية تبقى عند مستويات شديدة الانخفاض حتى في أعمار متقدمة، ما يجعل سنوات المدرسة غير كافية لتعويض الضرر.

وتؤكد الدراسة أيضًا أن المقارنة بين أنواع الأزمات يجب أن تأخذ في الاعتبار قوة النظام التعليمي قبل الأزمة. فبعض المناطق المتأثرة بالكوارث قد تكون لديها أنظمة تعليمية أقوى نسبيًا، ما يسمح لها بالتعافي بشكل أسرع. أما مناطق الصراع الطويل، فتبدأ غالبًا من مستوى ضعف بنيوي سابق، ثم تأتي الحرب لتضاعف الأزمة.

أكثر من 90% لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة

ربما تكون أخطر نتائج التقرير تلك المتعلقة بالحد الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات بنهاية المرحلة الابتدائية. إذ يشير التقرير إلى أن أكثر من 90% من الأطفال المتأثرين بالأزمات لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات بنهاية التعليم الابتدائي.

وتقدر الدراسة أن نسبة الأطفال المتأثرين بالأزمات الذين يحققون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات بنهاية الابتدائي تقع في حدود منخفضة جدًا. فحتى في السيناريو الأعلى، لا تتجاوز النسبة 14% للذكور في القراءة، و15% للإناث في القراءة، و9% للذكور والإناث في الرياضيات. أما في السيناريو الأدنى، فتصل النسب إلى 8% و7% في القراءة، و2% فقط في الرياضيات.

هذه الأرقام تعني أن العالم لا يواجه فقط مشكلة أطفال خارج المدرسة، بل مشكلة أطفال داخل المدرسة لا يحصلون على تعلم فعلي. وهي ضربة مباشرة لهدف التنمية المستدامة الرابع، الذي يلتزم بضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع. فإذا كان الأطفال في الأزمات لا يكتسبون الحد الأدنى من القراءة والحساب، فإن المدرسة تفقد أحد أهم أدوارها: بناء القدرة الأساسية على التفكير، والعمل، والمشاركة في الحياة.

فجوة التمويل في أسوأ توقيت

تأتي هذه الأزمة في وقت يتراجع فيه تمويل التعليم في حالات الطوارئ. فبعد سنوات من النمو، إذ ارتفع التمويل الإنساني للتعليم من 469 مليون دولار عام 2016 إلى 1.2 مليار دولار عام 2022، شهد عام 2023 حالة ثبات، ثم بدأ التمويل في الانخفاض الحاد منذ عام 2025.

هذا التراجع يحدث في اللحظة الأكثر خطورة. فالأزمات تتسع، وعدد الأطفال المتأثرين يرتفع، والاحتياجات تزداد تعقيدًا، لكن الموارد لا تنمو بالقدر نفسه. ونتيجة ذلك أن الجهات الإنسانية تضطر إلى ما يسميه التقرير «فرط تحديد الأولويات»، أي اختيار من يحصل على الدعم ومن يُترك خلفه، ليس لأن الحاجة غير موجودة، بل لأن التمويل لا يكفي.

وهنا تصبح البيانات الدقيقة ضرورة أخلاقية وعملية. ففي ظل قلة التمويل، لا يجوز توزيع المساعدات بناءً على الانطباعات العامة، بل يجب معرفة أين توجد أكبر الفجوات، ومن هم الأطفال الأكثر تعرضًا للإقصاء، وما الحواجز الأشد تأثيرًا، وأي تدخلات يمكن أن تحقق أكبر أثر بأسرع وقت.

ماذا ينبغي أن يحدث الآن؟

لا يكتفي التقرير بوصف الأزمة، بل يقدم أربع أولويات عملية للاستجابة.

الأولوية الأولى هي جعل التعلم التأسيسي جزءًا من الاستجابة الطارئة منذ البداية. فالأطفال في الأزمات لا يحتاجون فقط إلى مكان آمن، بل إلى تعلم حقيقي في القراءة والحساب، لأن فقدان المهارات الأساسية هو ما يقود لاحقًا إلى التسرب.

الأولوية الثانية هي تخفيف الحواجز المالية والهيكلية عبر نهج متكامل وشامل. وهذا يشمل خفض كلفة التعليم، والدعم النقدي، وتوفير المواد الدراسية، وتحسين الوصول إلى المدارس، وإزالة الحواجز القانونية والاجتماعية أمام الفتيات واللاجئين وذوي الإعاقة.

الأولوية الثالثة هي الاستثمار في برامج التعويض والتعلم العلاجي على نطاق واسع. فملايين الأطفال فقدوا سنوات أو أجزاء كبيرة من التعلم، ولا يمكن إعادتهم إلى الصفوف العادية من دون دعم مخصص يعيد بناء المهارات تدريجيًا.

الأولوية الرابعة هي دعم الانتقال الناجح إلى التعليم الثانوي، خصوصًا للنازحين واللاجئين. فالمراهقة هي المرحلة التي يصبح فيها خطر التسرب أعلى، وتزداد فيها كلفة التعليم، وتظهر فرص العمل والزواج المبكر كبدائل ضاغطة. لذلك، يجب ألا يتوقف الدعم عند التعليم الابتدائي، بل يمتد إلى المراحل الأعلى.

خاتمة: التعليم في الأزمات ليس خدمة مؤجلة بل خط دفاع إنساني

يكشف تقرير «التعليم لا يمكن أن ينتظر» أن العالم يقف أمام أزمة تعليمية ضخمة لا يمكن اختزالها في عدد المدارس المغلقة أو الأطفال المسجلين. نحن أمام أزمة مركبة تشمل الوصول، والاستمرار، والتعلم، والحماية، والانتقال بين المراحل، والإنصاف بين الفئات.

فالـ258 مليون طفل المتأثرون بالأزمات ليسوا رقمًا مجردًا، بل جيل كامل يعيش بين الحرب والنزوح والفقر والكوارث. والـ93 مليون طفل خارج المدرسة ليسوا فقط خارج الصفوف، بل خارج مسارات الحماية والفرص. أما الأطفال الذين ما زالوا داخل المدارس، لكنهم لا يكتسبون القراءة والحساب، فهم يواجهون خطر إقصاء مؤجل قد ينفجر في مرحلة المراهقة.

الرسالة المركزية للتقرير واضحة: الأسر لم تتخل عن التعليم، لكن الأنظمة والسياسات والتمويل لم تعد قادرة على حماية هذا الحق كما ينبغي. وإذا لم يتحول التعليم في الأزمات إلى أولوية حقيقية، فإن العالم لن يواجه فقط خسارة تعليمية، بل خسارة اجتماعية واقتصادية وأمنية طويلة الأمد.

إن الاستثمار في التعليم وقت الأزمة ليس ترفًا إنسانيًا، بل هو شرط لإعادة بناء المجتمعات. فالمدرسة في زمن الحرب ليست مكانًا للتعلم فقط، بل مساحة أمان، ووسيلة حماية، وجسرًا نحو المستقبل. وكل طفل يعود إلى المدرسة ويتعلم فعلًا هو احتمال جديد لقطع دائرة الفقر والعنف والنزوح. أما ترك الأطفال خارج التعليم، أو داخل مدارس لا تعلّم، فهو ترك للمستقبل نفسه في مهب الأزمة.

ذات صلة

العراق.. موازنة البرامج في مواجهة موازنة البنود، تحديات ومتطلباتفجر محاسبة الفاسدين في العراق قد بزغالمال العام امتحان التوحيدالإمام الحسين (ع): مشروع إصلاحي خالد يصنع وعي الأجيالالتشجيع الذكي: كيف تبني مرونة طفلك بامتداح السلوك لا الذات؟