التخصصات الجامعية في العراق: تدخل مرحلة الانقراض

أوس ستار الغانمي

2026-05-26 04:34

 كانت بعض الأقسام الجامعية العراقية قبل سنوات تعيش زحاماً طلابياً واضحاً؛ قوائم قبول طويلة، تنافس مرتفع، وقاعات تضيق بأعداد الطلبة. اليوم تبدو الصورة أكثر هدوءً بصورة تثير الأسئلة. أقسام كاملة تستقبل أعداداً محدودة، وأخرى تمر عليها سنوات بدفعات صغيرة، حتى أصبح الحديث عن الأقسام شبه الفارغة جزءاً من الواقع الجامعي العراقي.

المشهد لا يخص كلية بعينها أو تخصصاً محدداً، وإنما يمتد إلى عدد كبير من الأقسام الإنسانية والزراعية والعلمية والتقنية في جامعات مختلفة. الآثار، الزراعة، الإنتاج النباتي، علوم التربة، اللغة العربية في بعض الجامعات، الجغرافية، الفلسفة، الفيزياء، وحتى بعض التخصصات التطبيقية؛ جميعها تواجه تراجعاً متفاوتاً في الإقبال الطلابي. هذا التحول يكشف تغيراً واسعاً في طريقة تفكير المجتمع تجاه التعليم العالي ومعنى التخصص الناجح.

الطالب العراقي اليوم يدخل الجامعة بعقلية مختلفة عن السنوات الماضية.

فكرة الشغف العلمي تراجعت أمام سؤال أكثر إلحاحاً: أين أجد فرصة عمل؟

الاختيار الجامعي أصبح مرتبطاً بحسابات السوق والدخل والاستقرار الوظيفي أكثر من ارتباطه بالقيمة العلمية أو الثقافية للتخصص. لذلك اتجهت أعداد كبيرة نحو الأقسام التي يُعتقد أنها تمنح مستقبلاً أسرع أو حضوراً اجتماعياً أقوى، بينما تراجعت تخصصات تحتاج إلى صبر أكاديمي طويل أو مسارات مهنية غير واضحة.

هذا التحول صنع اختلالاً واضحاً داخل البيئة الجامعية.

بعض الأقسام باتت تعاني من قلة النشاط الطلابي وضعف المنافسة الأكاديمية، الأمر الذي ينعكس حتى على طبيعة الحياة داخل الكلية. الجامعة بطبيعتها تقوم على الحركة والتفاعل وتبادل الأفكار، وعندما تتحول بعض الأقسام إلى قاعات محدودة الطلبة، فإنها تفقد جزءاً من حيويتها العلمية والإنسانية.

الأسباب هنا متعددة ومتشابكة.

الوضع الاقتصادي لعب دوراً محورياً في إعادة تشكيل خيارات الشباب والعائلات. الأسرة العراقية أصبحت تبحث عن تخصص يمنح ابنها فرصة أسرع للاستقرار، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة الحصول على وظيفة بعد التخرج. لذلك لم يعد كثيرون ينظرون إلى أهمية التخصص بقدر ما ينظرون إلى العائد الذي يقدمه بعد سنوات الدراسة.

هناك أيضاً مشكلة تتعلق بصورة بعض الأقسام داخل المجتمع.

عدد من التخصصات تعرض خلال السنوات الماضية إلى تراجع في الحضور الإعلامي والاهتمام المؤسسي، فتحولت بنظر كثير من الشباب إلى أقسام تقليدية أو محدودة الفرص، رغم أن العالم يتجه فعلياً إلى تطويرها وربطها بالتكنولوجيا الحديثة. الزراعة مثلاً أصبحت تعتمد على التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي، والآثار دخلت في مجالات المسح الرقمي والترميم الإلكتروني، وحتى العلوم الإنسانية باتت ترتبط بتحليل البيانات والإعلام الرقمي والدراسات المجتمعية الحديثة.

وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بدورها في خلق صورة نمطية عن النجاح.

التخصص الذي يمنح شهرة أسرع أو دخلاً أوضح يحظى بجاذبية أكبر، بينما تراجعت قيمة التخصصات البحثية والثقافية التي تحتاج زمناً أطول حتى تظهر نتائجها. جيل كامل نشأ وسط إيقاع سريع للحياة، لذلك أصبح يميل إلى الخيارات التي تبدو أكثر ضماناً وأقرب إلى الواقع الاقتصادي المباشر.

الجامعات نفسها تتحمل جزءاً من المسؤولية.

بعض الأقسام ما زالت تقدم نفسها باللغة القديمة ذاتها، بالمناهج والأساليب التقليدية نفسها، دون محاولة حقيقية لإقناع الطلبة بأن هذه التخصصات تمتلك مستقبلاً متجدداً. الطالب يريد أن يشعر أن ما يدرسه مرتبط بالعالم الحقيقي، بالتكنولوجيا، بسوق العمل، بالمشاريع، وبالقدرة على صناعة فرصة مختلفة. وعندما يغيب هذا الربط، تبدأ الأعداد بالتراجع تدريجياً.

الخطورة الحقيقية لا تظهر اليوم فقط، وإنما في السنوات القادمة.

قلة الطلبة في بعض الأقسام تعني مستقبلاً أقل في عدد الباحثين والخبراء والمختصين الذين تحتاجهم الدولة في قطاعات الثقافة والزراعة والعلوم واللغة والبيئة والتخطيط. الجامعات هنا لا تخسر مجرد أرقام، وإنما تخسر تنوعها المعرفي أيضاً. أي مجتمع يحتاج إلى توازن في تخصصاته، لأن التنمية لا تقوم على مجال واحد مهما كان مهماً.

المشهد الجامعي العراقي يقف اليوم أمام سؤال حساس:

هل أصبحت بعض التخصصات ضحية النظرة الاقتصادية السريعة؟

وهل تحوّلت الجامعة من مساحة لصناعة المعرفة إلى سباق بحث عن وظيفة فقط؟

الإجابة ربما تختبئ داخل تلك القاعات التي أصبحت أكثر هدوءً من أي وقت مضى.

ذات صلة

عيد الأضحى المبارك: عيد المعرفة والإيمانتحديات الحكومة العراقية الجديدة بين الضغوط الداخلية والتعقيدات الإقليميةوضع الشيعة في الإمارات والخليج في ظل حرب إيران وصراع التحالفات الإقليميةالإسلام وعلم الاجتماع الدينيالبصير في مجتمع أعمى!