السلوكيات الافتراضية في التعليم الأكاديمي
شبكة النبأ
2026-03-25 03:38
بقلم: ريام أركان كامل السامرائي
تُعدّ السلوكيات الافتراضية في سياق التعليم الأكاديمي داخل الجامعات العراقية من القضايا التي تستدعي مراجعة جادة، إذ غالبًا ما تفتقر إلى الأسس العلمية والثقافية والإنسانية التي تُسهم في بناء تعليم رصين قائم على البحث العلمي وتنمية القدرات والكفاءات. فالتعليم العالي لا يُعدّ مجرد نقلٍ للمعلومة، بل هو فنّ قائم على تطوير المهارات الذهنية والعقلية للباحث، وصقل شخصيته العلمية بما يحفظ مكانته في المجتمع، ويعزز من قيمة المؤسسة التعليمية التي ينتمي إليها، ولا سيما ضمن إطار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى تحديد آفاق واضحة وأسس متينة تنظم العملية التعليمية بين مختلف الفئات الأكاديمية، مع الوقوف عند أبرز الظواهر والمعوقات التي تعيق التفكير العلمي الرصين، ومن أهمها:
أولًا: إعادة تأهيل الكفاءات: ضرورة وضع برامج علمية رصينة لإعادة تأهيل الباحثين الذين يفتقرون إلى الكفاءة في تخصصاتهم، إذ إن التعليم ليس مجرد سردٍ للمناهج، بل هو مهارة قائمة على التفاعل والإبداع في إيصال المعرفة.
ثانيًا: ضبط مفهوم اللقب العلمي: يتطلب الأمر توضيح مفهوم "اللقب العلمي" للباحثين الأكاديميين، سواء في مرحلة البكالوريوس أو الدراسات العليا، مع بيان الضوابط التي يستند إليها، وتفعيل القوانين الرادعة في حال إساءة استخدامه، بما يحفظ هيبة المؤسسة الأكاديمية.
ثالثًا: تفعيل المؤتمرات العلمية: إن إقامة المؤتمرات العلمية والثقافية بشكل مستمر يُعدّ ضرورة لتطوير الباحثين، وتعزيز مهاراتهم في الحوار العلمي وصياغة الأفكار، بما ينعكس إيجابًا على مستقبل العملية التعليمية.
رابعًا: تأهيل طلبة الدراسات العليا: ينبغي إخضاع طلبة الدراسات العليا إلى مقومات تعليمية رصينة تُنمّي لديهم الخبرة والقدرة على القيادة الأكاديمية، وتُسهم في تقليل القلق والارتباك لديهم، مع اعتماد تقارير تقييمية دقيقة تُحدد مدى أهليتهم لنيل اللقب العلمي.
خامسًا: ترسيخ ثقافة الحوار الأكاديمي: فتح باب النقاش أمام الباحثين ومنحهم مساحة للتعبير عن أفكارهم، سواء كانت إيجابية أم سلبية، مع توجيههم علميًا من قبل التدريسيين. كما ينبغي الابتعاد عن فرض الآراء أو التعامل بأسلوب سلطوي، لأن ذلك يتنافى مع جوهر العملية التعليمية الحديثة.
إن ما تقدم يُشير إلى وجود خلل في فهم وتطبيق السلوكيات الأكاديمية داخل بعض المؤسسات التعليمية، حيث يتم أحيانًا إسناد المهام إلى غير المؤهلين، مع تهميش الكفاءات العلمية القادرة على الإبداع والقيادة. وقد أسهم ذلك في إضعاف جودة التعليم، وخلق بيئة تُقدَّم فيها الاعتبارات غير العلمية على حساب الكفاءة.
وفي هذا السياق، نستحضر قوله تعالى:
"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"
وهي دلالة واضحة على تفضيل أهل العلم، غير أن الواقع في بعض الأحيان يشهد مفارقة مؤلمة، حيث يتساوى غير المؤهلين مع أصحاب الكفاءة، بل وقد يتقدمون عليهم، وهو ما يتطلب وقفة جادة لإعادة تصحيح المسار الأكاديمي، بما يضمن الارتقاء بالتعليم في العراق نحو مستويات أكثر رصانة وعدالة.
تعد السلوكيات الافتراضية في سياق التعليم الأكاديمي داخل الجامعات العراقية من القضايا التي تستدعي مراجعة جادة، إذ غالبًا ما تفتقر إلى الأسس العلمية والثقافية والإنسانية التي تسهم في بناء تعليم رصين قائم على البحث العلمي وتنمية القدرات والكفاءات، فالتعليم العالي لا يعد مجرد نقل للمعلومة، بل هو فن قائم على تطوير المهارات الذهنية والعقلية للباحث، وصقل شخصيته العلمية بما يحفظ مكانته في المجتمع، ويعزز من قيمة المؤسسة التعليمية التي ينتمي إليها، ولا سيما ضمن إطار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى تحديد آفاق واضحة وأسس متينة تنظم العملية التعليمية من خلال إعادة تأهيل الكفاءات ببرامج علمية رصينة، وضبط مفهوم اللقب العلمي بضوابط صارمة تحفظ هيبة المؤسسة، مع تفعيل المؤتمرات الثقافية لتطوير مهارات الحوار، وتأهيل طلبة الدراسات العليا قياديًا لتقليل القلق والارتباك لديهم، وصولًا إلى ترسيخ ثقافة الحوار الأكاديمي والابتعاد عن الأسلوب السلطوي الذي يتنافى مع جوهر الحداثة التعليمية.
إن هذا المشهد يشير بوضوح إلى أزمة "هوية علمية" تعصف ببعض مفاصل التعليم، حيث باتت المظاهر الشكلية والبيروقراطية المعرفية تتقدم على الجوهر الإبداعي، ما أدى إلى تحول الألقاب العلمية في بعض الأحيان إلى وجاهة اجتماعية بدلاً من كونها مسؤولية بحثية وتطويرية. وهذا الخلل أفرز بيئة تُقدم فيها الاعتبارات غير العلمية على حساب الكفاءة، ونتج عنه تكديس للبحوث الورقية التي تفتقر للقيمة التطبيقية أو الأثر الحقيقي في حل مشكلات المجتمع. ومع دخول التحول الرقمي، برزت فجوة في التواصل الإنساني، إذ تحولت التكنولوجيا لدى البعض من وسيلة لكسر القيود إلى أداة للتنصل من التفاعل المباشر، مما أضعف روح النقد والتحليل لدى الطلبة وحول العملية التعليمية إلى مجرد تراسل صامت يفتقر للمثاقفة والاحتجاج العلمي الرصين.
لذا، فإن استعادة رصانة الجامعات تتطلب وقفة جادة لتصحيح المسار عبر تبني سياسة الاستحقاق العلمي الصارم، حيث لا مكان للمجاملات على حساب الجودة، وضمان أن تخضع الترقيات والمناصب لمعايير الأداء والنزاهة بعيدًا عن الولاءات الضيقة. إن تمكين الكفاءات المهمشة ليس مجرد إنصاف لأفراد، بل هو عملية إنقاذ للمؤسسة من الانحدار نحو السطحية، وتحويل الحرم الجامعي إلى مختبر حقيقي للأفكار بدلاً من كونه قاعات لتلقين المناهج المكررة، استلهاماً من المبدأ القائل "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"، لضمان الارتقاء بالتعليم في العراق نحو مستويات أكثر عدالة ورصانة.