أفضل 2% عالميًا… الأستاذ المساعد الدكتور أزهر محسن عبد يكشف أسرار البحث العلمي في العراق
أوس ستار الغانمي
2026-03-04 04:08
بين الألقاب العالمية وضجيج التصنيفات، يطرح سؤال واحد هل تكفي الأرقام لصنع العلم؟ من داخل هذا الجدل، يطلّ عميد كلية التقنيات الهندسية في جامعة المستقبل الأستاذ المساعد الدكتور أزهر محسن عبد، بعد دخوله ضمن قائمة أفضل 2% من علماء العالم، ليقدّم قراءة هادئة وعميقة للمشهد البحثي العراقي، متجاوزاً لغة الاحتفاء إلى مساءلة المنظومة بأكملها.
هذا الإنجاز، كما يراه ليس محطة فردية بقدر ما هو حصيلة عمل تراكمي قائم على وضوح المشاريع البحثية، وتعزيز التعاون الأكاديمي محلياً ودولياً، فضلاً عن دعم مؤسسي يشجع النشر في مجلات عالمية رصينة. ويؤكد أن الجودة لا تُصنع صدفة، بل عبر بيئة تشجّع التفكير المنهجي والاستمرارية، لا الانقطاع وردود الفعل المؤقتة.
التصنيفات… مؤشر أم غاية؟
وعند الحديث عن التصنيفات العالمية، يضع النقاط على الحروف؛ فهي برأيه مؤشرات إحصائية مفيدة تقيس جوانب متعددة، مثل السمعة الأكاديمية، والأثر المجتمعي، ومدى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إضافة إلى الاستشهادات البحثية ورصانة المناهج. لكنه يحذر في الوقت نفسه من تحوّل الأرقام إلى غاية بحد ذاتها، لأن المشكلة تبدأ حين يصبح الهدف هو تحسين الموقع في التصنيف، لا تحسين جودة المعرفة المنتجة.
ويشير إلى أن التجربة العراقية في النشر الدولي تكشف فجوة واضحة، لكنها ليست فجوة كفاءة علمية، بل فجوة بنية داعمة. فالتمويل المحدود، وصعوبة الوصول إلى المختبرات المتقدمة، وضعف شبكات التعاون الدولي، كلها عوامل تجعل الباحث يعمل غالباً بجهد فردي، في حين يقوم النظام البحثي العالمي على فرق متكاملة ومتخصصة.
وهم المال وأزمة الاستراتيجية
وفي تفكيكه لأبرز الأوهام المتداولة حول البحث العلمي في العراق، يرفض اختزال الأزمة في الجانب المالي فقط. فالمال عنصر مهم بلا شك، لكنه ليس العامل الحاسم الوحيد. الثقافة البحثية، وآليات التقييم، والاستقلال الأكاديمي، جميعها عناصر لا تقل تأثيراً عن التمويل.
ويرى أن المشكلة الحقيقية تبدأ من غياب استراتيجية بحثية وطنية واضحة الأولويات. فحين لا توجد خارطة طريق تحدد المجالات ذات الأهمية الوطنية، يصبح التمويل إن توفر مشتتاً وغير مستدام. وبهذا تتحول الجهود إلى مبادرات متفرقة، تفتقر إلى التراكم الذي يصنع الأثر العلمي الحقيقي.
بين الكمّ والأثر
كثرة النشر، كما يؤكد، لا تعني بالضرورة حضوراً علمياً مؤثراً. ففي ظل ضغط الترقية الأكاديمية، قد يُدفع بعض الباحثين إلى نشر أبحاث محدودة العمق، أو ضمن مجالات مزدحمة دون إضافة نوعية. والنتيجة أن الإنتاج العددي موجود، لكن الأثر العالمي أو المحلي يبقى محدوداً.
ويشخص الخلل الأكبر في التأثير، ثم في الجودة المنهجية. فالمشهد البحثي العراقي بحسب توصيفه مليء بالطموح الفردي، لكنه مثقل بالروتين الإداري وكثرة الأعباء التدريسية، ما يقلّص المساحة الزمنية المتاحة للبحث الرصين.
ثقافة الترقية
ثقافة “الترقية الأكاديمية” حاضرة بقوة في حديثه. فحين تتحول الترقية إلى هدف قائم بذاته، يصبح البحث وسيلة إجرائية، لا مشروعاً معرفياً. ويشدد على ضرورة إعادة التوازن بحيث تكون الترقية نتيجة طبيعية لمشروع علمي حقيقي ومتراكم، لا دافعاً شكلياً لإنتاج أبحاث سريعة الاستهلاك.
وفي مواجهة ظاهرة كتابة بحوث “بمنطق التصنيف” أكثر من “منطق المعرفة”، لا يدعو إلى رفض التصنيفات، بل إلى إعادة تعريف النشر العلمي بوصفه أداة لإنتاج معرفة رصينة تخدم المجتمع. فالمعادلة ليست في الهروب من المؤشرات، بل في عدم الارتهان لها.
الطالب الحلقة المفصلية
ولا يكتمل إصلاح المشهد البحثي، برأيه، دون إشراك الطلبة مبكراً في مشاريع بحثية حقيقية. فالمطلوب تحويل الطالب من متلقٍ إلى عنصر فاعل، عبر التدريب العملي، وتعليمه التفكير النقدي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المعرفي بصورة واعية. كما يشير إلى أهمية إطلاق برامج ومشاريع طلابية قابلة للتسويق، مع توفير حوافز حقيقية ومشرفين يؤمنون بقدرات الطلبة على الإبداع.
ويؤكد أن المسؤولية عن الأزمة البحثية مشتركة السياسات العامة، إدارات الجامعات، الباحثون أنفسهم، وحتى القطاع الصناعي الذي لم يرتقِ بعد إلى مستوى الشراكة الفاعلة مع المؤسسات الأكاديمية.
تفاؤل بحذر ورهان على الطاقات الشابة
ورغم هذا التشخيص النقدي، لا يغيب التفاؤل عن رؤيته. فهو يرى في الطاقات الشابة رصيداً استراتيجياً قادراً على إحداث نقلة نوعية، إذا ما اقترن بإصلاحات إدارية واضحة واستراتيجية بحثية محددة المعالم. المستقبل، كما يرسمه، ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بالإرادة والتخطيط والتراكم. في المحصلة، لا يتعامل الأستاذ المساعد الدكتور أزهر محسن عبد مع دخوله قائمة أفضل 2% من علماء العالم بوصفه وساماً شخصياً، بل باعتباره فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول معنى البحث العلمي في العراق هل نبحث لنرتقي، أم نرتقي لأننا نبحث بعمق؟
إن الإجابة، كما يوحي حديثه، لا تكمن في رقمٍ يُضاف إلى سيرة ذاتية، بل في مشروع وطني يعيد للمعرفة دورها بوصفها قوة تغيير وتنمية. وبين وهج التصنيفات وقلق الواقع، تبقى الدعوة مفتوحة لبناء منظومة بحثية ترى في العلم استثماراً استراتيجياً لا ترفاً أكاديمياً، وفي الطالب شريكاً لا متلقياً، وفي الجودة طريقاً لا خياراً.