جيل ألفا.. زر الشراء المتحكم في اقتصاد الأسرة الرقمية

شبكة النبأ

2026-08-05 05:45

لم يعد الأطفال مجرد متلقين لقرارات الشراء التي يتخذها الآباء، بل أصبحوا طرفاً مؤثراً في تحديد ما تشتريه الأسرة، ومن أي علامة تجارية، وعبر أي منصة. ويكشف تقرير «مسح جيل ألفا 2026» الصادر عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز، أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عاماً يعيشون تجربة استهلاكية مختلفة جذرياً عن الأجيال السابقة، إذ يتداخل الترفيه مع التسوق، والمحتوى مع الإعلان، والألعاب مع الإنفاق، والهاتف الذكي مع المتجر الإلكتروني.

ينظر التقرير إلى هؤلاء الأطفال بوصفهم «أصغر مسؤولي التأثير» داخل الأسرة، لأنهم لا يكتفون بطلب المنتجات، بل يبحثون عنها، ويقارنون بينها، ويضيفونها إلى عربات التسوق، ويتفاوضون مع آبائهم بشأنها، وقد يطلبونها بصورة مستقلة عبر التطبيقات. ويعني ذلك أن جيل ألفا لا ينتظر بلوغ سن العمل أو امتلاك بطاقات الائتمان حتى يدخل السوق، بل يشارك فيه مبكراً من خلال التأثير في الإنفاق العائلي واستخدام المال الذي يحصل عليه أو يكسبه.

أولاً: منهجية التقرير وحدود نتائجه

أجرت شركة PwC المسح عبر الإنترنت بين 29 كانون الثاني/يناير و13 شباط/فبراير 2026، وشمل مجموعتين منفصلتين: 1004 أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عاماً، و1009 من آباء الأطفال في الفئة العمرية نفسها. وقُسّم الأطفال إلى ثلاث فئات: 7–9 سنوات، و10–12 سنة، و13–14 سنة. وأفادت الشركة بأن العينة كانت ممثلة بصورة عامة للسكان في الولايات المتحدة من حيث الجنس، والمنطقة أو الولاية، ومستويات الدخل، والفئات العمرية، مع اشتراط موافقة أحد الوالدين أو الأوصياء القانونيين قبل مشاركة الطفل.

وتمنح هذه المنهجية التقرير قيمة مهمة في فهم السلوك الاستهلاكي للأطفال داخل السوق الأميركية، لكنها تفرض في الوقت نفسه حدوداً على تفسير النتائج. فهي تعتمد على إجابات الأطفال والآباء عن سلوكهم، وليس على تتبع مباشر لجميع عمليات الشراء، كما أنها لا تكفي وحدها لتعميم النتائج على مجتمعات تختلف في مستويات الدخل وانتشار الإنترنت والقيم الأسرية والتشريعات الناظمة لاستخدام الأطفال للمنصات الرقمية. كذلك ينطلق التقرير أساساً من زاوية أسواق المستهلكين واحتياجات الشركات، وليس من دراسة تربوية أو نفسية شاملة لآثار الاستهلاك الرقمي.

ثانياً: جيل وُلد وفي يده «زر الشراء»

أبرز ما يميز جيل ألفا أنه لا يفصل بين العالم الرقمي والحياة اليومية. فالتكنولوجيا بالنسبة إليه ليست أداة مستجدة، بل بيئة طبيعية للتعلم والترفيه والتواصل والتسوق. وتشير النتائج إلى أن 70% من الأطفال بين 7 و14 عاماً يمتلكون أجهزة لوحية خاصة بهم، وأن 72% يستخدمون الهواتف الذكية بانتظام، فيما يقول 97% إنهم يقررون بصورة مستقلة ما يرغبون في شرائه، ولو في بعض الأحيان. ويقضي الطفل في هذه الفئة ما معدله 3.6 ساعات يومياً أمام الشاشات لأغراض ترفيهية، وهو وقت يزيد على ضعفي ما يقضيه في القراءة أو اللعب خارج المنزل وفق تقديرات المسح.

ويزداد الانتقال إلى الهاتف الذكي كلما تقدم الطفل في العمر. ففي الفئة من 7 إلى 9 سنوات يمتلك 46% هواتفهم الخاصة، وترتفع النسبة إلى 68% في عمر 10–12 سنة، ثم إلى 89% بين من تتراوح أعمارهم بين 13 و14 عاماً. في المقابل، يبقى امتلاك الأجهزة اللوحية مستقراً نسبياً، إذ يتراوح بين 69% و71%، ما يرجح انتقال الأطفال تدريجياً من الأجهزة اللوحية إلى الهواتف مع اقترابهم من مرحلة المراهقة.

ولا يقتصر الاختلاف على امتلاك الأجهزة، بل يمتد إلى طريقة استخدامها. فـ58% من الأطفال يتعاملون معها باللمس أو السحب، و50% يستخدمون الكتابة، و48% الأوامر الصوتية. كما يستخدم 38% من الأطفال في عمر 13 و14 عاماً أدوات الذكاء الاصطناعي لأغراض ترفيهية، الأمر الذي يعكس دخول هذه الأدوات في الحياة اليومية لجيل لم يعد ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية متخصصة أو معقدة.

ويربط التقرير الانتشار المبكر للأجهزة جزئياً بسنوات جائحة كورونا، حين تحولت الشاشات إلى وسيلة للتعليم وإدارة وقت الأطفال داخل المنازل. وقد استمر هذا الارتباط بعد انتهاء الظروف الاستثنائية، فأصبح الطفل الذي بدأ استخدام الأجهزة في سن صغيرة أكثر اندماجاً في البيئة الرقمية مع تقدمه في العمر.

ثالثاً: من شاشة المحتوى إلى عربة التسوق

تظهر النتائج أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من أقوى العوامل المؤثرة في رغبات الأطفال الشرائية. فقد قال 61% إن المحتوى الذي يشاهدونه على هذه الوسائل يجعلهم يرغبون في شراء منتجات معينة، مقابل 56% يتأثرون بما يمتلكه أصدقاؤهم، و53% بما يرونه داخل المتاجر، و48% بالإعلانات التلفزيونية. والأكثر دلالة أن 57% من الأطفال في عمر 7–9 سنوات، أي في الصفين الثاني والثالث تقريباً، قالوا إن وسائل التواصل تجعلهم يرغبون في شراء أشياء.

ولا تظهر المنتجات أمام الطفل دائماً في صورة إعلان واضح ومستقل، بل تكون جزءاً من فيديو ترفيهي، أو تجربة مؤثر، أو محتوى عن الألعاب، أو مراجعة لمنتج، أو مشهد يومي قصير. وهكذا يندمج الإعلان مع المحتوى بصورة تجعل اكتشاف المنتج والرغبة فيه يحدثان داخل التجربة الترفيهية نفسها.

ويأتي «يوتيوب» في مقدمة المنصات التي يستخدمها الأطفال بانتظام بنسبة 68%، تليه منصات الألعاب بنسبة 54%، ثم خدمات البث بنسبة 49%. أما «تيك توك» فيزداد تأثيره بوضوح مع العمر، إذ يستخدمه بانتظام 21% من الأطفال بين 7 و9 سنوات، وترتفع النسبة إلى 27% في عمر 10–12 سنة، ثم إلى 46% بين من يبلغون 13 و14 عاماً. وتكشف هذه الأرقام أن منصات الفيديو والألعاب لم تعد مجرد مساحات لقضاء الوقت، بل أصبحت محركات لاكتشاف المنتجات وتكوين التفضيلات والعلاقة المبكرة بالعلامات التجارية.

في المقابل، لا يضمن وجود العلامة التجارية على المنصة الاحتفاظ باهتمام الطفل. فقد ذكر 52% أن الملل هو السبب الأول لترك تطبيق أو إيقاف استخدامه، بينما أشار 47% إلى كثرة الإعلانات، و36% إلى بطء التحميل. ولم يقل سوى 36% إنهم يغادرون الشاشة بسبب حدود زمن الاستخدام أو تدخل الكبار. ويعني ذلك أن الطفل يتصرف بدرجة متزايدة بوصفه مستخدماً انتقائياً، يترك المنصة أو المحتوى عندما يفقد عنصر السرعة أو المتعة أو الصلة باهتماماته.

رابعاً: ماذا يشتري أطفال جيل ألفا؟

لا يتركز إنفاق الأطفال في المنتجات الرقمية وحدها. فقد جاءت الأغذية والمشروبات في مقدمة ما يقررون شراءه بنسبة 72%، تلتها الألعاب بنسبة 57%، والملابس بنسبة 55%. لكن الإنفاق الرقمي يحتل مساحة كبيرة أيضاً؛ إذ يشتري 53% تطبيقات أو محتوى رقمياً لمرة واحدة، ويجري 42% عمليات شراء داخل الألعاب، فيما يدفع 34% مقابل اشتراكات أو تصاريح استخدام.

وشملت الفئات الأخرى المقتنيات القابلة للجمع بنسبة 35%، ومنتجات العناية بالبشرة والجمال بنسبة 34%، وملحقات الأجهزة التقنية بنسبة 28%، والأجهزة الإلكترونية بنسبة 26%. وتوضح هذه الخريطة أن الطفل يتحرك بين نوعين من الاستهلاك: استهلاك يومي قريب من احتياجات الأسرة، مثل الطعام والملابس، واستهلاك مرتبط بالهوية الرقمية والهوايات، مثل الألعاب والتطبيقات والمقتنيات والمنتجات التي يروّج لها المؤثرون.

وتحمل المشتريات داخل الألعاب دلالة خاصة؛ لأن الطفل لا يشتري سلعة مادية يمكن للوالدين رؤيتها بسهولة، بل يدفع للحصول على شخصية رقمية، أو مظهر افتراضي، أو مرحلة جديدة، أو ترقية داخل اللعبة. وهذا يجعل الحدود بين اللعب والإنفاق أقل وضوحاً، كما يجعل متابعة المصروفات أكثر صعوبة مقارنة بالمشتريات التقليدية.

خامساً: جيل رقمي يدفع بوسائل تقليدية

على الرغم من الحياة الرقمية المكثفة، لا تزال وسائل الدفع التقليدية حاضرة بقوة. فقد قال 60% إن شخصاً بالغاً يدفع عنهم عند الشراء، و49% إنهم يستخدمون النقود، بينما يستخدم 16% المدفوعات أو المحافظ الرقمية، و14% بطاقات الهدايا، و12% البطاقات المصرفية أو بطاقات الخصم.

لكن الاتجاه يتغير مع العمر. فالمحافظ والمدفوعات الرقمية يستخدمها 12% من الأطفال في عمر 7–9 سنوات، وترتفع النسبة إلى 23% بين من يبلغون 13 و14 عاماً. ويشير ذلك إلى مرحلة انتقالية تجمع بين استقلالية الطفل في اختيار المنتج واعتماده المالي المستمر على الكبار. فالطفل قد يكون صاحب القرار أو المبادر بالطلب، بينما تبقى وسيلة الدفع النهائية بيد الوالدين.

وهنا يظهر مفهوم جديد للقرار الاستهلاكي داخل الأسرة: ليس من الضروري أن يكون صاحب المال هو صاحب الرغبة أو الاختيار. فقد يمول الأب أو الأم العملية، لكن الطفل هو الذي اكتشف المنتج، وتابع العلامة التجارية، واختار المواصفات، وأقنع الأسرة بإتمام الشراء.

سادساً: فجوة بين ما يفعله الأطفال وما يعرفه الآباء

من أهم نتائج التقرير وجود فجوة واضحة بين تقديرات الأطفال وتصورات آبائهم عن حجم استقلالهم في التسوق. فقد قال 52% من الأطفال إنهم يضيفون منتجات إلى عربة تسوق مشتركة كي يراجعها الوالدان قبل الدفع، بينما اعتقد 42% فقط من الآباء أن أطفالهم يفعلون ذلك.

وقال 25% من الأطفال إنهم يطلبون الطعام بصورة مستقلة عبر تطبيقات التوصيل، في حين لم يعتقد سوى 14% من الآباء أن أطفالهم يقومون بذلك. كما أفاد 24% من الأطفال بأنهم يطلبون منتجات عبر تطبيقات ومواقع التسوق بأنفسهم، مقابل 19% من الآباء. وقال 19% إنهم يشترون عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصورة مستقلة، بينما قدر الآباء النسبة بـ13%.

وتبدو الفجوة أكبر في بعض فئات المنتجات. فقد قال 97% من الأطفال إن لهم تأثيراً، ولو جزئياً، في شراء الملابس والإكسسوارات، وهو تقدير قريب من تصور الآباء البالغ 94%. لكن 81% من الأطفال قالوا إن لهم تأثيراً في شراء منتجات العناية بالبشرة والجمال، مقابل 61% فقط من الآباء.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن أحد الطرفين يقدم صورة غير صحيحة. فقد يميل الطفل إلى احتساب إبداء الرأي أو اختيار العلامة التجارية بوصفه اتخاذاً للقرار، بينما قد لا يعدّ الوالدان ذلك استقلالاً ما داما يحتفظان بالموافقة النهائية والدفع. ومع ذلك، تكشف الفجوة أن جزءاً من النشاط الاستهلاكي يحدث بسرعة وفي بيئات رقمية لا يراقبها الآباء بصورة كاملة.

وتطرح هذه النتيجة أسئلة تتجاوز التسويق، وتتعلق بالرقابة الأسرية وحماية البيانات والموافقة على الشراء، ومدى فهم الأطفال للأسعار والاشتراكات والتكاليف المتكررة، إضافة إلى قدرتهم على التمييز بين المحتوى المستقل والإعلان المدفوع.

سابعاً: أطفال يتفاوضون ولا يكتفون بالطلب

يرسم التقرير صورة لطفل لا يطلب المنتج بطريقة عفوية فقط، بل يستخدم استراتيجيات متنوعة لإقناع أسرته. فقد قال 61% إنهم يضعون ما يريدونه في قوائم أعياد الميلاد أو المناسبات، و47% يطلبون المنتج فور رؤيته داخل المتجر، و44% يطلبونه فور مشاهدته عبر الإنترنت. كما قال 44% إنهم يتفاوضون أو يساومون، و43% يتحدثون عن المنتج مرات متعددة قبل طلبه بصورة مباشرة.

وتكشف هذه السلوكيات عن تطور مبكر في فهم العلاقة بين الرغبة والتوقيت والإقناع. فقد يربط الطفل طلبه بمناسبة معينة، أو بأداء دراسي جيد، أو بإنجاز رياضي، أو يقدم للوالدين قائمة منظمة تحتوي روابط وصوراً ومقارنات. وهكذا يستخدم بعض الأطفال أدوات رقمية مشابهة لما يستخدمه الكبار في تقديم الأفكار والعروض.

ويرتبط هذا التفاوض بامتلاك مورد مالي ولو كان محدوداً. فقد قال 38% إنهم يحصلون على أكثر من 20 دولاراً في الأسبوع، وترتفع النسبة إلى 51% بين من يبلغون 13 و14 عاماً. كما قال 86% من الأطفال إنهم يكسبون مالهم، مقابل 79% من الآباء الذين أكدوا ذلك. ويأتي المال أساساً من أداء الأعمال المنزلية بنسبة 65%، أو النجاح في الدراسة والرياضة والهوايات بنسبة 50%، أو القيام بأعمال صغيرة للآخرين بنسبة 22%.

ولا يعني ذلك أن غالبية الأطفال أصبحوا مستقلين اقتصادياً، لكنه يدل على اكتسابهم خبرة مبكرة في الربط بين الجهد والمكافأة والاختيار والإنفاق. وقد ينتقل بعضهم من دور المشتري إلى دور البائع من خلال إعادة بيع المقتنيات أو الملابس، أو إنتاج محتوى ترويجي، أو تقديم خدمات رقمية بسيطة.

ثامناً: جيل واحد بأنماط استهلاكية متعددة

يحذر التقرير من التعامل مع جيل ألفا بوصفه كتلة متجانسة، ويقترح خمسة أنماط استهلاكية متداخلة:

اللاعبون: هم الأطفال الأكثر اندماجاً في منصات الألعاب والأجهزة التقنية والمشتريات داخل الألعاب. ويفهمون البيئة الرقمية بوصفها مكاناً للعب والتواصل والشراء في الوقت نفسه، وقد يطلبون الأجهزة والملحقات بأسماء العلامات التجارية.

المؤسسون الصغار: هم أطفال يهتمون بكسب المال وإعادة بيع المنتجات أو المقتنيات والملابس المستعملة. ويظهرون ميلاً أكبر إلى التفاوض وفهم التجارة من جانبي البائع والمشتري. ووفق التقرير، ترتفع نسبة الولاء للعلامة التجارية بينهم من 25% في عمر 7–9 سنوات إلى 45% في عمر 13–14 عاماً.

المهتمون بالأزياء: يربط هؤلاء الأطفال الملابس والأحذية والإكسسوارات بالتعبير عن الذات والصورة أمام الأصدقاء. وقد يتحول الاهتمام بالمظهر إلى نشاط اقتصادي من خلال الترويج للمنتجات على الإنترنت. ويستخدم 54% من أفراد هذا النمط في عمر 13–14 عاماً «تيك توك» بانتظام، مقارنة بـ23% في عمر 7–9 سنوات.

المهتمون بالعناية والجمال: يركزون على العناية بالبشرة والمظهر والمنتجات الشخصية، ويؤثرون في مشتريات الأسرة ويدافعون عن علامات محددة. ويقول 56% منهم إنهم يقررون بأنفسهم ما يشترونه في معظم الأحيان، وهي أعلى نسبة استقلالية بين الأنماط التي حددها التقرير.

أطفال الأنشطة الخارجية: يمضون أقل من ساعتين يومياً أمام الشاشات للترفيه، ويميلون بدرجة أكبر إلى القراءة والأنشطة التقليدية. ويتأثرون بأصدقائهم أكثر من وسائل التواصل؛ ففي الفئة العمرية 10–12 سنة قال 62% منهم إنهم يشترون شيئاً لأن صديقاً يمتلكه، مقابل 37% يتأثرون بما يرونه على وسائل التواصل. ويثبت هذا النمط أن الحضور الرقمي الواسع لا يلغي استمرار التجارب المادية والعلاقات المباشرة في تشكيل التفضيلات.

تاسعاً: ما الذي يعنيه ذلك للشركات؟

يرى التقرير أن جيل ألفا ليس سوقاً مؤجلاً للمستقبل، بل شريكاً حالياً في الإنفاق الأسري وبناء العلاقات مع العلامات التجارية. ويوصي الشركات أولاً بتصميم تجربة شراء تشاركية تراعي صوت الطفل وسلطة الوالدين معاً، من خلال عربات التسوق المشتركة، وأدوات المقارنة، والمحتوى التعليمي الذي يساعد على فهم المنتج بدلاً من دفع الطفل مباشرة إلى الشراء.

كما يدعوها إلى الوجود في المنصات التي يستخدمها الأطفال، مثل شبكات التواصل والألعاب وخدمات البث، لأن اكتشاف العلامات التجارية يحدث هناك قبل الوصول إلى المتجر. ويشمل ذلك التعاون مع المؤثرين، والإعلانات داخل التطبيقات، والتجارة عبر المحتوى الاجتماعي.

أما التحدي الثالث فهو الجمع بين جذب انتباه الطفل وكسب ثقة الوالدين. فالطفل يغادر التجربة بسبب الملل أو كثرة الإعلانات أو البطء، لكنه في الوقت نفسه يولد منذ سن مبكرة كميات كبيرة من البيانات المتعلقة باهتماماته وسلوكه. ولذلك يشدد التقرير على بناء تجارب شفافة ومناسبة للعمر، وعدم النظر إلى حماية بيانات الأطفال بوصفها التزاماً قانونياً فقط، بل أساساً للثقة مع الأسرة.

ومع أهمية هذه التوصيات، ينبغي ألا يتحول فهم سلوك الأطفال إلى وسيلة لتعظيم قدرتهم على الاستهلاك أو تجاوز سلطة الأسرة. فكلما أصبحت تقنيات التسويق أكثر قدرة على تحليل الاهتمامات والتنبؤ بالرغبات، ازدادت مسؤولية الشركات عن توضيح طبيعة الإعلانات، والحد من التصاميم التي تدفع إلى الشراء المتكرر، وتجنب استغلال نقص الخبرة المالية أو النفسية لدى الطفل.

عاشراً: دلالات أسرية وتربوية

يكشف التقرير أن الرقابة التقليدية التي تركز على مقدار الوقت أمام الشاشة لم تعد كافية. فالمشكلة لا تتعلق بعدد الساعات فقط، بل بطبيعة ما يراه الطفل، ومدى تعرضه للإعلانات، وقدرته على الشراء، والمعلومات التي تقدمها التطبيقات له، والبيانات التي تجمعها عنه.

وتحتاج الأسرة إلى الانتقال من المنع المجرد إلى التربية الاستهلاكية والرقمية. ويشمل ذلك تعليم الطفل الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين السعر والقيمة، وبين الإعلان والمراجعة المستقلة، إضافة إلى توضيح طبيعة الاشتراكات والمشتريات داخل الألعاب. كما ينبغي أن يعرف الطفل أن إضافة بطاقة مصرفية إلى تطبيق لا تعني أن المال غير محدود أو أن العنصر الرقمي بلا تكلفة حقيقية.

وتتيح عربات التسوق المشتركة فرصة تربوية، لأنها تحول الطلب من فعل سريع إلى حوار حول البدائل والأسعار والأولوية. ويمكن كذلك ربط المال الذي يحصل عليه الطفل بالتخطيط والادخار واتخاذ القرار، بدلاً من تركه تحت تأثير الإعلان الفوري أو ضغط الأصدقاء.

خاتمة

تكشف نتائج PwC عن تحول أعمق من مجرد ازدياد استخدام الأطفال للهواتف. فجهاز الطفل أصبح في وقت واحد شاشة ترفيه، ومنصة تواصل، ووسيلة بحث، ومتجراً، ومحفظة محتملة. وأصبح الطفل ينتقل من مشاهدة المنتج إلى الرغبة فيه، ثم إضافته إلى العربة أو التفاوض عليه أو طلبه، داخل بيئة واحدة متصلة.

ويجمع جيل ألفا بين استقلالية متزايدة واعتماد مالي مستمر على الأسرة. فهو قادر على اكتشاف المنتجات وتكوين الولاء للعلامات والتأثير في الإنفاق، لكنه لا يمتلك دائماً الخبرة التي تمكنه من إدراك تقنيات الإقناع التجاري أو آثار مشاركة البيانات أو التكاليف المتراكمة للشراء الرقمي.

لذلك لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد «سوق استهلاكية واعدة»، بل جيلاً تتشكل علاقته بالمال والهوية والتكنولوجيا منذ الطفولة. وستتحدد نتائج هذا التحول وفق الطريقة التي تتعامل بها الأسرة والمدرسة والشركات والمنصات مع هذه القوة المبكرة: هل تُوجَّه لبناء جيل أكثر وعياً وابتكاراً وقدرة على الاختيار، أم تتحول إلى مدخل لتوسيع الاستهلاك واستغلال الانتباه في سن أصغر؟

*المصادر: تقرير «مسح جيل ألفا 2026» ، شركة برايس ووترهاوس كوبرز PwC، آذار/مارس 2026.



ذات صلة

النظام الوطني لحماية الدخل الاساسي للمواطنينالهوية الرقمية والاغتراب الافتراضي.. الإنسان بين الشاشة والواقعالذكاء الصناعي وصناعة الأجيال الغبيةالكراسي مباءة للفاسدينخسائر أزمة المناخ تجبر قطاع التأمين على تغيير قواعد الاستثمار