الاقتصاد العالمي تحت ضغط الجغرافيا السياسية

شبكة النبأ

2026-06-04 03:24

يقدّم تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بعنوان «التوقعات الاقتصادية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: تحت الضغط»، الصادر في يونيو/حزيران 2026، قراءة شاملة لحالة الاقتصاد العالمي في ظل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط واضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. وتبرز افتتاحية التقرير، التي كتبها كبير الاقتصاديين في المنظمة ستيفانو سكاربِتّا، أن الاقتصاد العالمي دخل عام 2026 بزخم أفضل من المتوقع، مدعومًا بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتحسن التجارة، لكنه سرعان ما عاد إلى دائرة الضغط بسبب تعطّل الشحن عبر مضيق هرمز، وتضرر البنى التحتية للطاقة، وارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة والمدخلات الصناعية. وتكمن أهمية التقرير في أنه لا يكتفي بتقديم توقعات رقمية للنمو والتضخم، بل يرسم سيناريوهين لمستقبل الاقتصاد العالمي: اضطراب محدود قد يسمح بتعافٍ تدريجي، واضطراب طويل قد يدفع بعض الاقتصادات نحو الركود ويرفع التضخم والبطالة. ومن هنا يطرح التقرير إشكالية مركزية: كيف يمكن للاقتصاد العالمي أن يحافظ على الاستقرار والنمو في عالم باتت فيه الطاقة، والجغرافيا السياسية، والتجارة، والذكاء الاصطناعي، والديون العامة، والإنفاق الدفاعي، عوامل متداخلة تضغط على الحكومات والأسواق والمجتمعات في وقت واحد؟

مقدمة

يدخل الاقتصاد العالمي النصف الثاني من عام 2026 وهو يواجه واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ صدمات الطاقة الكبرى واضطرابات سلاسل الإمداد التي أعقبت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. فبعد بداية بدت أكثر قوة مما كان متوقعًا، مدفوعة باستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، وتحسن نسبي في شروط التمويل، وتراجع بعض التوترات التجارية، عاد الاقتصاد العالمي سريعًا إلى دائرة الضغط بفعل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وتحديدًا عبر تداعياته على الطاقة، والشحن، والمدخلات الصناعية والزراعية، وثقة المستهلكين والشركات.

ويكشف تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر في يونيو/حزيران 2026 بعنوان “OECD Economic Outlook: Under Pressure” أن الاقتصاد العالمي لم يعد يتحرك وفق مسار واحد واضح، بل أصبح رهينة سيناريوهات مفتوحة تتوقف على مدة الاضطراب في الشرق الأوسط، ومدى سرعة التوصل إلى تسوية مستقرة، وقدرة الدول على احتواء صدمة أسعار الطاقة والغذاء والنقل والمواد الأولية. ومن هنا جاء عنوان التقرير معبرًا: تحت الضغط؛ فالضغط لا يأتي من مصدر واحد، بل من تداخل الجغرافيا السياسية، والطاقة، والتضخم، والديون، والإنفاق الدفاعي، والذكاء الاصطناعي، وهشاشة سلاسل الإمداد.

وتؤكد المنظمة أن صراع الشرق الأوسط أصبح العامل الأكثر تأثيرًا في رسم آفاق الاقتصاد العالمي لعامي 2026 و2027. فقد أدت الاضطرابات في الشحن عبر مضيق هرمز، وتضرر البنى التحتية للطاقة، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز والمنتجات المكررة والأسمدة وبعض المدخلات الصناعية الحيوية. وبدأت هذه الارتفاعات تنتقل إلى التضخم، وتضغط على دخل الأسر، وتضعف الطلب الاستهلاكي، وتربك نشاط الشركات، خصوصًا في الدول المستوردة للطاقة والمواد الأولية.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالتقرير يشير إلى أن الاقتصاد العالمي دخل الأزمة وهو يتمتع بزخم أفضل مما كان متوقعًا، بفضل قوة الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وتماسك أسواق العمل، وصلابة نسبية في بعض ميزانيات الأسر والشركات في الاقتصادات المتقدمة. غير أن هذه الصلابة قد لا تكفي إذا طال أمد الأزمة، لأن استمرار الاضطرابات في الطاقة والنقل والأسمدة والمعادن والمدخلات الصناعية سيحوّل الصدمة من أزمة أسعار مؤقتة إلى أزمة نمو وتوظيف واستثمار.

أولًا: اقتصاد عالمي كان يتعافى قبل أن تصدمه الجغرافيا السياسية

قبل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، كان الاقتصاد العالمي يُظهر مؤشرات إيجابية نسبية. فقد سجل النمو العالمي في الربع الأخير من عام 2025 معدلًا سنويًا بلغ نحو 3.1%، واستمر النشاط في كثير من الاقتصادات بوتيرة مقبولة خلال الربع الأول من عام 2026. كما دعمت الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الإنتاج الصناعي، ولا سيما في الاقتصادات الآسيوية المرتبطة بسلاسل أشباه الموصلات والمنتجات الرقمية.

الولايات المتحدة، وكندا، وعدد من الاقتصادات الأوروبية، مثل ليتوانيا والسويد وإستونيا، استفادت من موجة استثمارات تكنولوجية. وفي الصين وكوريا، ساهمت زيادة إنتاج وصادرات أشباه الموصلات في دعم النمو خلال الربع الأول من 2026. كما ساعدت صادرات أشباه الموصلات اليابان على تحقيق أداء أفضل، إلى جانب صمود الطلب المحلي. وفي المملكة المتحدة، كان النمو في الربع الأول قويًا نسبيًا نتيجة تحسن الطلب الداخلي.

وفي التجارة العالمية، سجلت أحجام تجارة السلع والخدمات نموًا يقدر بنحو 5% في عام 2025، مدفوعة بتراجع حالة عدم اليقين في السياسات التجارية وبقوة التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وكانت آسيا، خصوصًا الصين وفيتنام وكوريا واليابان، من أبرز المستفيدين من هذا الزخم، إذ ارتفعت صادرات بعض الاقتصادات الآسيوية بقوة نتيجة زيادة الطلب العالمي على المعدات والمنتجات التكنولوجية.

غير أن هذا الزخم تعرض لصدمة مفاجئة. فمع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، تحولت المنطقة من نقطة إمداد حيوية للطاقة والمواد الأولية إلى مصدر اضطراب عالمي. وهذا ما يفسر وصف التقرير للأزمة بأنها اختبار حقيقي لمرونة الاقتصاد العالمي، لا مجرد حدث إقليمي محدود.

ثانيًا: مضيق هرمز يتحول إلى نقطة ضغط عالمية

يركز التقرير على الدور الحاسم لمضيق هرمز والاقتصادات الخليجية في النظام الاقتصادي العالمي. فدول الخليج، بما فيها السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وعُمان، والعراق، وإيران، تمثل كتلة مركزية في أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط في النفط والغاز، بل كذلك في منتجات صناعية وزراعية مرتبطة بالهيدروكربونات، مثل الأسمدة، والكبريت، والأمونيا، واليوريا، والهيليوم، والبتروكيماويات.

حسب التقرير، انخفض المعروض النفطي العالمي بنحو 13.5% بين فبراير/شباط وأبريل/نيسان 2026، بينما انخفض إنتاج النفط في اقتصادات الخليج بنحو 45% في أبريل. كما توقفت صادرات الغاز الطبيعي المسال من المنطقة بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآت إنتاج رئيسية، خصوصًا في قطر. وتقدر المنظمة أن إمدادات الغاز العالمية أصبحت أقل بنحو 15% مما كان متوقعًا سابقًا بسبب خسائر الصراع.

ولا يقتصر الأمر على الطاقة المباشرة. فالمنطقة تعد مصدرًا رئيسيًا لمدخلات صناعية تدخل في قطاعات متعددة، من الزراعة إلى أشباه الموصلات والصناعات الكيميائية. فالكبريت، والأمونيا، واليوريا، والميثانول، والهيليوم، والنافثا، والبتروكيماويات، كلها مواد تدخل في سلاسل إنتاج عالمية، وبعضها يصعب تعويضه بسرعة. ويشير التقرير إلى أن الخليج يوفر أكثر من نصف صادرات الكبريت العالمية، ونحو ربع صادرات النافثا، وأكثر من 20% من بعض المركبات الكيميائية مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، إضافة إلى حصة مهمة من صادرات الهيليوم.

هذه الأرقام تكشف أن الأزمة ليست مجرد ارتفاع في سعر برميل النفط، بل اضطراب في بنية الإنتاج العالمي. فالأسمدة تؤثر في أسعار الغذاء، والهيليوم يدخل في صناعات تقنية حساسة، والبتروكيماويات تدخل في التغليف، والأنابيب، والمستلزمات الطبية، وقطع السيارات، والمواد العازلة. وبذلك تتحول الجغرافيا السياسية في الخليج إلى عامل مؤثر في المصانع والمزارع والأسواق والمستهلكين في آسيا وأوروبا وأفريقيا والأميركيتين.

ثالثًا: سيناريوهان للاقتصاد العالمي

لأن مستوى عدم اليقين مرتفع، لم يقدم التقرير مسارًا واحدًا للتوقعات، بل اعتمد منهجية قائمة على سيناريوهين رئيسيين: سيناريو اضطراب محدود زمنيًا، وسيناريو اضطراب طويل الأمد.

1. سيناريو الاضطراب المحدود زمنيًا

في هذا السيناريو، تفترض المنظمة أن الاضطرابات المرتبطة بالصراع تبقى كبيرة لكنها قصيرة نسبيًا، وأن إنتاج الطاقة والتجارة في اقتصادات الخليج يعودان تدريجيًا إلى مستويات ما قبل الصراع ابتداءً من الربع الثالث من عام 2026. ويفترض السيناريو كذلك تراجع أسعار الطاقة تدريجيًا من منتصف 2026، بما يتماشى مع توقعات أسواق العقود المستقبلية، وسط تقدم نحو تسوية تفاوضية أكثر استقرارًا.

في هذا المسار، يتوقع التقرير أن يتباطأ النمو العالمي من 3.4% في عام 2025 إلى 2.8% في عام 2026، قبل أن يتعافى جزئيًا إلى 3.1% في عام 2027. أما التضخم في دول مجموعة العشرين، فمن المتوقع أن يرتفع من 3.4% في عام 2025 إلى 4.0% في عام 2026، ثم يتراجع إلى 3.1% في عام 2027 مع انحسار ضغوط الطاقة والغذاء.

ويعني ذلك أن الاقتصاد العالمي، في أفضل السيناريوهات المطروحة، لن ينجو من التباطؤ. لكنه لن يدخل في أزمة عميقة إذا كانت الاضطرابات محدودة، وإذا استطاعت الأسواق امتصاص الصدمة عبر المخزونات الاستراتيجية، وزيادة محدودة في الإمدادات من خارج الخليج، وإعادة تنظيم طرق التجارة.

2. سيناريو الاضطراب المطول

أما السيناريو الثاني فهو أكثر خطورة. ويفترض فشل التوصل إلى تسوية مستقرة حتى النصف الثاني من عام 2027، واستمرار القيود على إنتاج الطاقة وصادرات الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والمواد الأساسية لفترة طويلة، وتشديد الأوضاع المالية، وتراجع ثقة الأسر والشركات.

في هذا السيناريو، يتراجع النمو العالمي بقوة إلى 2.1% في عام 2026 و1.8% في عام 2027، ما يدفع بعض الاقتصادات إلى الركود أو إلى الاقتراب منه. كما يرتفع معدل البطالة، وتتراجع الاستثمارات، بما في ذلك الاستثمارات كثيفة الطاقة المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويتوقع التقرير أن يرتفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية إضافية في 2026 و1.3 نقطة مئوية في 2027 مقارنة بسيناريو الاضطراب المحدود.

وتتضرر الاقتصادات الآسيوية في هذا السيناريو بصورة خاصة، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. كما تتضرر الاقتصادات النامية المستوردة للسلع، لأنها تملك احتياطيات طاقة محدودة، وحصة أعلى من الغذاء والطاقة في إنفاق الأسر، وقدرة مالية أقل على دعم السكان والشركات، إضافة إلى شبكات حماية اجتماعية أضعف وعملات أكثر هشاشة.

بهذا المعنى، يضع التقرير العالم أمام معادلة واضحة: كلما طال أمد الاضطراب، تحولت الأزمة من صدمة أسعار إلى صدمة نمو، ومن أزمة طاقة إلى أزمة اجتماعية ومالية وتنموية.

رابعًا: التضخم يعود من بوابة الطاقة والغذاء

بعد سنوات من محاولات البنوك المركزية السيطرة على التضخم، يأتي الارتفاع الجديد في أسعار الطاقة ليضع السياسات النقدية أمام معضلة دقيقة. فالصدمة الحالية ليست ناتجة عن طلب مفرط فقط، بل عن نقص في المعروض وارتفاع في تكاليف النقل والطاقة والمواد الأولية. وهذا النوع من التضخم يصعب التعامل معه عبر رفع الفائدة وحده، لأن رفع الفائدة لا ينتج النفط ولا يفتح المضائق ولا يصلح البنى التحتية المتضررة.

ومع ذلك، يحذر التقرير من أن البنوك المركزية لا تستطيع تجاهل الصدمة إذا بدأت تنتقل إلى توقعات التضخم أو إلى ما يسمى “آثار الجولة الثانية”، أي انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أجور وأسعار أوسع. لذلك يوصي التقرير البنوك المركزية بالبقاء يقظة، مع إمكانية النظر من خلال الارتفاع المؤقت في الأسعار إذا بقيت توقعات التضخم مستقرة، لكن مع الاستعداد لتعديل السياسة النقدية إذا اتسعت الضغوط السعرية.

في سيناريو الاضطراب المحدود، يتوقع التقرير أن تبقى أسعار الفائدة مستقرة نسبيًا في معظم الاقتصادات الكبرى خلال عام 2026، على أن تنخفض قليلًا في 2027. أما في سيناريو الاضطراب المطول، فقد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بين 50 و75 نقطة أساس في أغلب البلدان خلال 2026، ثم تخفيف هذه الزيادات تدريجيًا في 2027 مع اشتداد الضغط على النمو.

المشكلة أن تشديد السياسة النقدية في لحظة تباطؤ اقتصادي قد يزيد العبء على الشركات المثقلة بالديون، ويؤدي إلى إعادة تسعير المخاطر في الأسواق المالية، خاصة في القطاعات غير المصرفية مثل صناديق الائتمان الخاص وصناديق الأسهم. لذلك يدعو التقرير إلى رقابة مالية قوية، واختبارات ضغط أكثر تطورًا، وتنظيم أفضل للوسطاء الماليين غير المصرفيين، خصوصًا مع تزايد الترابط بينهم وبين البنوك.

خامسًا: سلاسل الإمداد تحت ضغط جديد

يشير التقرير إلى أن سلاسل الإمداد العالمية بدأت تظهر عليها علامات توتر. فقد ارتفعت أوقات تسليم الموردين، خاصة في أوروبا، وزادت تكاليف الشحن والتأمين، وارتفعت أسعار النقل البحري والجوي. ووفق التقرير، ارتفعت أسعار الشحن البحري العالمي بنحو 45% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع، بينما ارتفعت أسعار الشحن الجوي بنحو 30%.

ولا يعود هذا الارتفاع فقط إلى إغلاق أو تقييد حركة السفن في مضيق هرمز، بل أيضًا إلى ارتفاع تكاليف الوقود، ومخاطر الحرب، والتأمين، وتكدس الموانئ، وإعادة توجيه الشحنات عبر طرق بديلة. ويذكر التقرير أن موانئ مثل جدة على البحر الأحمر وموانئ عُمان شرق مضيق هرمز شهدت ازدحامًا شديدًا، مع تفريغ بضائع وإعادة نقلها بطرق برية أو بسفن أصغر.

كما تأثر النقل الجوي. فالمنطقة قبل الصراع كانت تمثل نحو 15% من سوق الشحن الجوي والركاب عالميًا. ومع إغلاق أو تقييد الأجواء في مراكز طيران رئيسية مثل قطر والإمارات، تأثرت خدمات الأعمال والسياحة والتجارة السريعة. وعلى الرغم من إعادة فتح المجال الجوي الخليجي لاحقًا، بقي عدد الرحلات التجارية أقل بكثير من مستويات ما قبل الصراع.

هذا يعني أن الاقتصاد العالمي لا يواجه فقط ارتفاعًا في أسعار الطاقة، بل اختلالًا في حركة البضائع والأشخاص والخدمات. فالسياحة، والخدمات اللوجستية، والشحن الجوي، وسلاسل التصنيع التي تعتمد على تسليم دقيق وسريع، كلها تتأثر بتغيرات النقل والتأمين والوقود.

سادسًا: الذكاء الاصطناعي.. فرصة نمو مهددة بالطاقة

من اللافت في تقرير المنظمة أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي فقط بوصفه قطاعًا تكنولوجيًا صاعدًا، بل بوصفه أحد محركات النمو العالمي في الفترة الأخيرة. فقد أسهم الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي في تعزيز النشاط الاقتصادي، ورفع الطلب على أشباه الموصلات والمعدات التقنية، ودعم الصادرات في آسيا، خصوصًا الصين وكوريا واليابان وبعض الاقتصادات الديناميكية في جنوب شرق آسيا.

لكن التقرير يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار صدمة الطاقة قد يؤثر في استثمارات الذكاء الاصطناعي. فالبنية التحتية لهذا القطاع، مثل مراكز البيانات، تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء والتبريد، كما تعتمد على أشباه الموصلات ومدخلات صناعية متخصصة قد تتأثر باضطرابات الخليج. فإذا طال أمد الأزمة، قد تتباطأ الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أو تصبح أكثر تكلفة، وهو ما قد يضعف أحد أهم مصادر الزخم الاقتصادي العالمي.

وهذه نقطة مهمة صحفيًا وتحليليًا، لأنها تكشف مفارقة العصر: التكنولوجيا الأكثر تقدمًا قد تبقى رهينة للطاقة والمواد الأولية والمضائق البحرية. فالعالم الرقمي، رغم طابعه الافتراضي، يقوم على بنية مادية شديدة الحساسية: كهرباء، معادن، غازات نادرة، أشباه موصلات، مراكز بيانات، كابلات، وموانئ. لذلك فإن أزمة الشرق الأوسط ليست منفصلة عن الثورة الرقمية، بل قد تضرب جزءًا من قاعدتها المادية.

سابعًا: الدول النامية تدفع الكلفة الأكبر

رغم أن الأزمة عالمية، فإن آثارها ليست متساوية. فالاقتصادات المتقدمة تمتلك عادة احتياطيات استراتيجية أكبر، وقدرة مالية أوسع، وشبكات حماية اجتماعية أكثر تنظيمًا، وأسواقًا مالية أعمق. أما الاقتصادات النامية، خصوصًا المستوردة للطاقة والغذاء، فتواجه الأزمة بموارد أضعف واحتياطات أقل.

يؤكد التقرير أن الدول النامية المستوردة للسلع ستكون من بين الأكثر تضررًا إذا طال أمد الاضطراب. فهذه الدول تنفق فيها الأسر نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء والطاقة، ما يجعل ارتفاع الأسعار ضربة مباشرة لمستوى المعيشة. كما أن الحكومات قد تجد نفسها مضطرة إلى دعم الطاقة والغذاء في وقت تعاني فيه أصلًا من ارتفاع الديون، وتراجع قيمة العملات، وضعف القدرة على الاقتراض.

وقد تؤدي الزيادة في أسعار واردات الطاقة إلى توسيع العجز الخارجي في هذه الدول، وزيادة الضغط على الاحتياطيات الأجنبية وشروط التمويل الخارجي. وإذا ارتفعت أسعار الأسمدة، فقد ترتفع تكاليف الزراعة، ومن ثم أسعار الغذاء، ما يخلق سلسلة ضغط اجتماعي قد تكون أشد خطورة من أثر ارتفاع النفط وحده.

وفي هذا السياق، يصبح الأمن الغذائي جزءًا من الأمن الاقتصادي. فالتقرير يربط بين ارتفاع أسعار الأسمدة وارتفاع أسعار الغذاء، ويحذر من أن استمرار الاضطرابات في صادرات الخليج من اليوريا والأمونيا والفوسفات والكبريت قد يضغط على الإنتاج الزراعي العالمي. وهذا يضع الدول الفقيرة أمام مأزق مزدوج: ارتفاع تكلفة الطاقة من جهة، وارتفاع تكلفة إنتاج الغذاء من جهة أخرى.

ثامنًا: المساعدات والدعم الحكومي.. بين الضرورة والتكلفة

استجابت حكومات عديدة بسرعة لارتفاع أسعار الطاقة عبر إجراءات دعم للأسر والشركات. لكن التقرير ينتقد ضمنيًا الطابع الواسع وغير الموجه لكثير من هذه الإجراءات، مثل تخفيض الضرائب على الوقود أو وضع سقوف سعرية عامة. فهذه السياسات قد تساعد مؤقتًا في تخفيف الصدمة، لكنها مكلفة ماليًا، وتضعف حوافز ترشيد استهلاك الطاقة، وقد تطيل أمد الاختلال في سوق الطاقة.

توصي المنظمة بأن تكون إجراءات الدعم موجهة إلى الأسر الأكثر حاجة والشركات القابلة للاستمرار، وأن تحافظ في الوقت نفسه على إشارات الأسعار التي تشجع على تقليل الاستهلاك وتنويع مصادر الطاقة. كما تشدد على ضرورة أن تتضمن هذه الإجراءات “بنود انتهاء تلقائي”، أي أن تنتهي تلقائيًا عندما تعود الأسعار إلى مستويات طبيعية.

هذا التوصيف يعكس درسًا مهمًا من أزمة الطاقة في 2022-2023، حين قدمت دول كثيرة دعمًا واسعًا لم يكن دائمًا موجهًا بدقة. فالدعم العام قد يفيد الأغنياء أكثر من الفقراء لأن الأسر الأعلى دخلًا تستهلك طاقة أكثر. كما أن خفض الأسعار إداريًا قد يضعف الاستثمار في الكفاءة والطاقة البديلة.

لكن المشكلة أن توجيه الدعم يتطلب قدرات إدارية وبيانات دقيقة وأنظمة دفع فعالة. لذلك يدعو التقرير إلى تعزيز قدرة الحكومات على تصميم الدعم وتنفيذه بسرعة ودقة. وهذا يشمل استخدام البيانات، وتحديث أنظمة الحماية الاجتماعية، وربط الدعم بمستويات الدخل والحاجة، لا بتخفيض عام للأسعار.

تاسعًا: المالية العامة تحت ضغط الديون والدفاع والشيخوخة

يأتي ارتفاع أسعار الطاقة والإنفاق الداعم في وقت تعاني فيه المالية العامة في كثير من الدول من ضغوط متراكمة. فالديون العامة مرتفعة بعد جائحة كورونا، وأسعار الفائدة الحقيقية طويلة الأجل لا تزال أعلى من مستويات ما قبل الجائحة، وهناك ضغوط إضافية من شيخوخة السكان، والإنفاق الصحي، والتحول المناخي، والإنفاق الدفاعي.

ويشير التقرير إلى أن عجز الموازنات في عدد كبير من الدول قد يتسع، وأن نسب الدين الحكومي مرشحة لمزيد من الارتفاع إذا لم تُعتمد مسارات مالية موثوقة لضمان الاستدامة. ويؤكد أن الحفاظ على القدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية يتطلب احتواء الإنفاق، وإعادة تخصيص الموارد، وتحسين كفاءة القطاع العام، وتعزيز الإيرادات.

ولا يدعو التقرير إلى التقشف العشوائي، بل إلى ضبط ذكي يحافظ على إمكانات النمو. فخفض الإنفاق الإنتاجي أو الاستثماري قد يضر بالقدرة المستقبلية على النمو، بينما تحسين كفاءة الإنفاق وإصلاح الدعم غير الموجه وتوسيع القاعدة الضريبية يمكن أن يساعد في تقليل الدين من دون خنق الاقتصاد.

وهنا تظهر معضلة السياسة العامة: إذا ضعف النمو كثيرًا في سيناريو الاضطراب المطول، ستحتاج الحكومات إلى دعم النشاط الاقتصادي، لكن مساحة التحرك ستكون محدودة بسبب الديون وتكاليف الاقتراض. لذلك يصبح حسن التوجيه والتوقيت شرطًا أساسيًا لنجاح السياسة المالية.

عاشرًا: الإنفاق الدفاعي يعود إلى الواجهة

يخصص التقرير فصلًا لآثار زيادة الإنفاق الدفاعي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا. فالإنفاق الدفاعي في ارتفاع، خصوصًا في أوروبا، حيث أدت الحرب الروسية الأوكرانية وتغيرات البيئة الأمنية إلى إعادة تقييم الأولويات العسكرية.

يرى التقرير أن زيادة الإنفاق الدفاعي قد توفر دفعة قصيرة الأجل للنشاط الاقتصادي، خاصة إذا وُجهت إلى صناعات محلية ذات طاقة إنتاجية غير مستغلة. لكنها في المقابل تضيف ضغوطًا على المالية العامة، خصوصًا في الدول ذات الديون المرتفعة. كما أن آثارها الطويلة الأجل على الإنتاجية والنمو غير مؤكدة، لأنها تعتمد على طبيعة الإنفاق: هل هو استيراد معدات؟ أم بحث وتطوير؟ أم بناء قاعدة صناعية؟ أم أجور وتشغيل؟

وتشير المنظمة إلى أن العوائد الاقتصادية للإنفاق الدفاعي يمكن أن تكون مركزة في صناعات محددة، وأن زيادة الطلب على المعدات العسكرية قد تؤدي إلى اختناقات في القدرات الإنتاجية أو ارتفاع الأسعار. كما أن تمويل الإنفاق الدفاعي قد يتطلب ضرائب أعلى أو خفضًا في مجالات أخرى، وهو ما قد يؤثر في توقعات الأسر وسلوكها الاستهلاكي.

وهكذا، لا ينظر التقرير إلى الدفاع بوصفه بندًا أمنيًا فقط، بل بوصفه عاملًا اقتصاديًا وماليًا. فالعالم يدخل مرحلة تتزايد فيها نفقات الأمن، لكن هذه النفقات تأتي في وقت تحتاج فيه الدول أيضًا إلى تمويل الشيخوخة، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة، والتحول الرقمي. وهذا يخلق تنافسًا صعبًا بين “البنادق” و“الزبدة”، أو بين الأمن العسكري والأمن الاجتماعي والاقتصادي.

حادي عشر: الطاقة.. من إدارة الأزمة إلى بناء المرونة

أحد أهم محاور التقرير هو أن أزمة الطاقة الحالية تكشف هشاشة الاعتماد على نقطة اختناق واحدة أو منطقة إمداد محددة. فالاعتماد الكبير على مضيق هرمز والوقود الأحفوري المستورد يجعل الاقتصادات عرضة لصدمات يصعب التحكم بها.

لذلك يدعو التقرير إلى تعزيز مرونة أنظمة الطاقة عبر مسارات متعددة: تنويع مصادر الإمداد، زيادة كفاءة الطاقة، توسيع الكهرباء النظيفة، تحسين إدارة المخزونات الاستراتيجية، وتطوير إجراءات طوارئ لتقليل الطلب عند الضرورة. كما يشدد على أهمية التنسيق الدولي في استخدام المخزونات الاستراتيجية، خصوصًا في المدى القصير.

لكن التقرير لا يكتفي بالدعوة إلى بدائل الطاقة النظيفة بوصفها خيارًا مناخيًا فقط، بل يقدمها أيضًا بوصفها خيارًا أمنيًا واقتصاديًا. فكلما زاد اعتماد الدول على مصادر طاقة محلية أو متنوعة، انخفض تعرضها لصدمات الشحن والمضائق والحروب. وكلما تحسنت كفاءة الطاقة، انخفضت الحاجة إلى الدعم الحكومي عند ارتفاع الأسعار.

ويظهر هنا تحول مهم في الخطاب الاقتصادي: أمن الطاقة لم يعد يعني فقط امتلاك مخزونات نفطية، بل يعني بناء اقتصاد أقل استهلاكًا للطاقة، وأكثر تنوعًا في مصادره، وأكثر قدرة على الصمود أمام الاضطرابات الجيوسياسية.

ثاني عشر: التجارة العالمية بين الانفراج والتهديد

كان الاقتصاد العالمي قد استفاد قبل الأزمة من تراجع نسبي في حالة عدم اليقين التجاري، ومن خفض بعض الرسوم الجمركية الأميركية مقارنة بما كان معلنًا سابقًا. لكن التقرير يحذر من أن استمرار الاضطرابات قد يدفع بعض الدول إلى فرض قيود تصديرية على مواد شحيحة، وهو ما قد يزيد الأزمة سوءًا.

فالقيود التصديرية تبدو جذابة سياسيًا لأنها تهدف إلى حماية السوق المحلي، لكنها عمليًا قد تفاقم النقص العالمي وترفع الأسعار وتزيد عدم اليقين. لذلك تدعو المنظمة إلى تجنب هذه القيود، وإلى مواصلة الحوار البنّاء بين الدول لتخفيف التوترات التجارية، وتعميق العلاقات التجارية، والحفاظ على أسواق عالمية مفتوحة وفعالة.

ويربط التقرير بين استقرار التجارة وآفاق الاستثمار والإنتاجية والنمو. فالشركات لا تستثمر بثقة في بيئة تتغير فيها الرسوم والقيود والقواعد باستمرار. لذلك فإن خفض التوترات التجارية ليس قضية دبلوماسية فقط، بل شرط اقتصادي للنمو المستدام.

ثالث عشر: الأسواق المالية ومخاطر إعادة التسعير

شهدت الأسواق المالية تقلبات عقب تصاعد الصراع، مع تراجع أسعار الأسهم وارتفاع عوائد السندات السيادية في عدد من الاقتصادات. ورغم أن الظروف المالية بقيت في المجمل داعمة إلى حد ما، فإن التقرير يحذر من احتمال إعادة تسعير أوسع للمخاطر إذا طال أمد الأزمة أو تضررت استثمارات الذكاء الاصطناعي أو ازدادت الضغوط على الشركات ذات المديونية العالية.

من أبرز نقاط القلق في التقرير زيادة تعرض البنوك للوسطاء الماليين غير المصرفيين، مثل صناديق الائتمان الخاص وصناديق الأسهم. هذه المؤسسات قد تكون أقل خضوعًا للرقابة مقارنة بالبنوك، وقد تتأثر بشدة عند ارتفاع الفائدة أو تراجع تقييمات التكنولوجيا أو ضعف السيولة.

لذلك يدعو التقرير إلى سد فجوات البيانات، وتعزيز الرقابة، وتنفيذ توصيات تنظيمية متفق عليها دوليًا بشأن الوسطاء الماليين غير المصرفيين والأصول المشفرة. كما يدعو إلى اختبارات ضغط تأخذ في الاعتبار سيناريوهات صدمات طويلة في الشرق الأوسط وتغيرات حادة في تقييمات الذكاء الاصطناعي.

هذه النقطة تكشف أن المخاطر المالية الجديدة لا تشبه دائمًا أزمات البنوك التقليدية. فقد تأتي الصدمة من صناديق استثمار، أو أدوات ائتمان خاصة، أو مبالغات في تقييمات الذكاء الاصطناعي، أو ترابط غير مرئي بين مؤسسات مالية وأسواق طاقة وتكنولوجيا.

رابع عشر: أسواق العمل حتى الآن مستقرة.. لكن الحذر مطلوب

رغم الصدمة، يرى التقرير أن أسواق العمل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بقيت مستقرة إلى حد كبير، مع علامات محدودة على إزاحة الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي. ويتوقع التقرير أن يبلغ معدل البطالة في دول المنظمة نحو 5.1% في 2026، قريبًا من مستويات 2025.

لكن استمرار الأزمة قد يغير هذه الصورة. ففي سيناريو الاضطراب المطول، يتوقع التقرير ارتفاع البطالة نتيجة ضعف النمو وتراجع الاستثمار وتراجع الطلب. كما أن القطاعات المرتبطة بالطاقة والنقل والسياحة والتصنيع قد تكون أكثر عرضة للضغط.

ويشير التقرير إلى أهمية إصلاحات هيكلية تعزز قدرة العمال والأسواق على التكيف مع التغيرات، بما في ذلك التحولات الناتجة عن التقنيات الرقمية الجديدة. ويشمل ذلك تطوير المهارات، وتقليل الأعباء التنظيمية، وتعزيز المشاركة في سوق العمل، وتشجيع انتقال العمال بين القطاعات والوظائف.

خامس عشر: قراءة في المشهد الإقليمي والدولي

من منظور صحفي، يضع التقرير الشرق الأوسط في قلب الاقتصاد العالمي لا بوصفه مسرحًا سياسيًا فقط، بل بوصفه عقدة طاقة وتجارة وصناعة ونقل. فالخليج ليس مجرد مصدر نفط، بل جزء من بنية عالمية تشمل الغاز، والأسمدة، والبتروكيماويات، والهيليوم، والشحن الجوي، والممرات البحرية، والاستثمار، والسياحة، والخدمات اللوجستية.

وهذا يعني أن أي اضطراب طويل في المنطقة لن يبقى محصورًا في الدول المتحاربة أو المجاورة. آسيا تتأثر بسبب الطاقة والمدخلات الصناعية. أوروبا تتأثر بسبب الأسعار والغاز والتجارة والخدمات. أفريقيا تتأثر بسبب الصادرات إلى الخليج وارتفاع الغذاء والطاقة. الدول النامية تتأثر بسبب ضعف الاحتياطات والدعم. والاقتصاد الرقمي العالمي يتأثر بسبب الطاقة والمواد اللازمة للذكاء الاصطناعي.

بهذا المعنى، يعيد التقرير التأكيد على مركزية الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي، حتى في زمن الذكاء الاصطناعي. فالعالم المتقدم رقميًا لا يزال يحتاج إلى الممرات البحرية، والغاز، والأسمدة، والمعادن، والطاقة، والاستقرار الجيوسياسي.

خاتمة: العالم أمام اختبار مرونة شامل

يقدم تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 صورة مركبة للاقتصاد العالمي: اقتصاد كان يملك زخمًا حقيقيًا، لكنه اصطدم مجددًا بالسياسة والجغرافيا والطاقة. فقد أثبتت الأزمة أن النمو العالمي لم يعد يُقاس فقط بأرقام الناتج المحلي أو قوة التكنولوجيا، بل بقدرة الدول على إدارة الصدمات، وتنويع مصادر الطاقة، وحماية الفئات الضعيفة، وضبط الديون، والحفاظ على الأسواق المفتوحة، وتجنب السياسات الانعزالية.

الرسالة الأساسية للتقرير أن الاقتصاد العالمي ليس على حافة انهيار حتمي، لكنه تحت ضغط شديد. فإذا كان الاضطراب محدودًا وتم التوصل إلى تسوية مستقرة، فإن النمو سيتباطأ في 2026 ثم يتعافى جزئيًا في 2027. أما إذا طال أمد الأزمة حتى 2027، فإن العالم قد يواجه نموًا أضعف بكثير، وتضخمًا أعلى، وبطالة أكبر، وضغوطًا مالية واجتماعية أعمق.

وتكمن خطورة اللحظة في أن صدمة الشرق الأوسط تأتي فوق طبقات متعددة من الهشاشة: ديون مرتفعة، تحولات ديموغرافية، إنفاق دفاعي متزايد، تغير مناخي، أسواق مالية مترابطة، وثورة ذكاء اصطناعي تحتاج إلى طاقة ومواد وبنية تحتية. ولذلك فإن السياسات التقليدية وحدها لم تعد كافية.

تحتاج الدول، وفق قراءة التقرير، إلى سياسات مرنة وسريعة، لكنها أيضًا منضبطة وطويلة النظر: دعم موجه لا يهدر المال العام، بنوك مركزية يقظة لا تخنق النمو، مالية عامة مستدامة لا تعجز عن مواجهة الأزمات، طاقة أكثر تنوعًا وكفاءة، تجارة أكثر استقرارًا، وإصلاحات تعزز الإنتاجية والقدرة على الصمود.

إن عنوان التقرير “تحت الضغط” ليس وصفًا عابرًا، بل تشخيص لمرحلة كاملة. فالاقتصاد العالمي يتعرض لاختبار مزدوج: هل يستطيع امتصاص صدمة جيوسياسية كبرى من دون السقوط في ركود تضخمي جديد؟ وهل يستطيع تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء مرونة الطاقة والتجارة والمالية والتكنولوجيا؟ الإجابة ستتوقف، إلى حد كبير، على سرعة إنهاء الاضطراب في الشرق الأوسط، وعلى قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات دقيقة لا تزيد الأزمة اشتعالًا، بل تساعد الاقتصاد العالمي على عبور واحدة من أصعب محطاته في العقد الحالي.

ذات صلة

يوم الغدير ودرس الحرية الخالدكيف نكافح إدمان المعاصي، العادات الضارة، المخدرات و...؟الغدير وإدارة الإنسان قبل إدارة الدولةجيلٌ يمتلك كل شيء ويبحث عن نفسه: ماذا يقول الغدير لشباب اليوم؟كيف يستطيع التابع أن يفكر ويتكلم ويفعل ويتحرر ويتقدم؟