لماذا يتراجع اقتصاد السوق في أميركا لصالح تدخل الدولة؟
كيف يعيد اليمين القومي واليسار الاشتراكي تشكيل الاقتصاد والسياسة الأميركية؟
شبكة النبأ
2026-07-12 12:17
تشهد الولايات المتحدة تحولًا عميقًا في علاقتها باقتصاد السوق، إذ يتراجع الإجماع الذي منح الأسواق أولوية شبه مطلقة طوال العقود الماضية، تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف السكن والصحة واتساع التفاوت الاقتصادي. وتوضح سلسلة تقارير نشرها موقع «أكسيوس»، أن اليمين القومي واليسار الاشتراكي الديمقراطي يلتقيان في رفض الوضع القائم، لكنهما يختلفان في البديل؛ فاليمين يريد دولة تدعم الصناعة والقوة الوطنية، بينما يسعى اليسار إلى توسيع دورها في ضمان الخدمات الأساسية وتقليص التفاوت. ويكشف هذا التقاطع عن انتقال السياسة الأميركية من الخلاف حول حجم تدخل الدولة إلى صراع أعمق حول أهداف هذا التدخل والفئات التي ينبغي أن يخدمها.
مقدمة
تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي والسياسي، لا تنحصر في التنافس التقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل تمتد إلى مراجعة الأسس التي حكمت العلاقة بين الدولة والسوق منذ ثمانينيات القرن العشرين. فبعد أربعة عقود هيمنت خلالها أفكار تحرير التجارة، وتقليص التنظيم الحكومي، وخفض الضرائب، ومنح القطاع الخاص دورًا مركزيًا في تخصيص الموارد، تتصاعد اليوم داخل اليمين واليسار الأميركيين اتجاهات ترى أن السوق لم يعد قادرًا بمفرده على تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو حماية الطبقة الوسطى أو توفير الحاجات الأساسية بأسعار مقبولة.
لا يعني هذا التحول أن الأميركيين تخلوا تمامًا عن اقتصاد السوق أو المبادرة الفردية، وإنما يعكس تراجع الثقة بما يمكن تسميته «أصولية السوق»، أي الاعتقاد بأن ترك النشاط الاقتصادي لقوى العرض والطلب سيقود تلقائيًا إلى نتائج اجتماعية عادلة وفعالة. فاليمين القومي واليسار الاشتراكي الديمقراطي باتا يشتركان في رفض الإجماع الاقتصادي السابق، وإن كان كل منهما يسعى إلى بناء نموذج مختلف جذريًا عن الآخر.
هذا التحول الاقتصادي يتزامن مع اضطراب أوسع في النظام الحزبي الأميركي. فالمؤسسة الديمقراطية تواجه تمردًا متناميًا من المرشحين اليساريين والشباب، في حين يعاني التحالف الذي تشكل حول الرئيس دونالد ترامب انقسامات تتعلق بالاقتصاد والحروب والسياسة الخارجية والذكاء الاصطناعي. وهكذا لم تعد القضية مجرد اختيار بين الضرائب المنخفضة أو الإنفاق الحكومي المرتفع، وإنما أصبحت صراعًا حول طبيعة الدولة الأميركية والغايات التي ينبغي أن يخدمها الاقتصاد.
نهاية مرحلة «السوق أولًا»
تبلور الإجماع الاقتصادي الأميركي الحديث مع صعود رونالد ريغان في مطلع الثمانينيات، حين أصبحت السياسات العامة أكثر اعتمادًا على خفض الضرائب، وتحرير القطاعات الاقتصادية، وتقييد النقابات، والانفتاح التجاري، وتقليص دور الدولة المباشر في الإنتاج والتسعير. واستمر هذا الاتجاه بدرجات متفاوتة في ظل الإدارات الجمهورية والديمقراطية، حتى أصبحت الأسواق المفتوحة والعولمة وكفاءة الشركات الكبرى من المسلمات المشتركة بين النخب السياسية.
لكن تراكم الأزمات أضعف شرعية هذا النموذج. فقد أدت المنافسة الصينية إلى تراجع قطاعات صناعية ومجتمعات محلية اعتمدت عليها، وكشفت الأزمة المالية عام 2008 قدرة المؤسسات المالية الكبرى على تحميل المجتمع كلفة أخطائها، بينما أظهرت جائحة كورونا هشاشة سلاسل التوريد واعتماد الولايات المتحدة على الخارج في قطاعات استراتيجية. ثم جاءت موجة التضخم وارتفاع تكاليف السكن والصحة والتعليم لتعمق الاعتقاد بأن النمو الاقتصادي الكلي لا ينعكس بالضرورة تحسنًا في حياة الأسر.
وتشير التقارير إلى أن هذه العوامل، إلى جانب اتساع التفاوت في الثروة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الفوارق الاقتصادية أكثر وضوحًا، أسهمت في تقويض الثقة بالإجماع القائم على أولوية السوق. ولم يعد الجدل يتمحور حول مقدار تدخل الحكومة فقط، بل حول ما إذا كانت الدولة مطالبة بتوجيه الأسواق لتحقيق أهداف صناعية واجتماعية وقومية محددة.
لماذا لا يشعر الأميركيون بقوة الاقتصاد؟
يتمثل أحد أهم أسباب التحول السياسي في الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والتجربة اليومية للمواطنين. فقد تبدو معدلات النمو والبطالة والاستثمار مستقرة نسبيًا، لكن ذلك لا يمنع الأسر من الشعور بأن قدرتها الشرائية تتراجع وأن حياتها أصبحت أكثر عرضة للنفقات المفاجئة.
تكمن المشكلة في أن المواطن لا يقيس وضعه الاقتصادي من خلال الناتج المحلي الإجمالي، بل من خلال أسعار الغذاء والوقود والإيجار والتأمين الصحي ورعاية الأطفال. وحتى عندما يتباطأ معدل التضخم، فإن الأسعار لا تعود إلى مستوياتها السابقة، وإنما تستمر في الارتفاع بوتيرة أبطأ. وبذلك يبقى المستوى العام للأسعار مرتفعًا، بينما تحتاج الأجور إلى وقت أطول للحاق به.
وقد حاول «مشروع مائدة المطبخ»، الذي تشارك فيه شخصيات اقتصادية عملت في الإدارة الديمقراطية، دراسة هذه الفجوة من خلال تحليل ميزانية أسرة متوسطة الدخل. وخلصت نتائجه الأولية إلى أن السلع والخدمات الأكثر حضورًا في الحياة اليومية أصبحت أقل قدرة على الاحتمال، وأن زيادات الأجور والتخفيضات الضريبية لم تكن كافية لتعويض ارتفاع النفقات الأساسية وتقلبها.
تفسر هذه الظاهرة لماذا قد يرفض الناخب وصف الاقتصاد بأنه «جيد»، حتى في ظل نمو الإنتاج وتراجع مخاطر الركود. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الدخل، بل في ضعف اليقين بشأن القدرة على دفع الفواتير والاستجابة لمرض مفاجئ أو زيادة في الإيجار أو ارتفاع جديد في أسعار الغذاء والطاقة.
ومن هنا أصبحت «القدرة على تحمّل التكاليف» مفهومًا سياسيًا مركزيًا. إلا أن هذا المفهوم يظل عامًا ما لم يتحول إلى سياسات واضحة تتناول احتكار بعض القطاعات، ونقص المساكن، وتكاليف الرعاية الصحية، وتقلب أسعار الطاقة والغذاء، وعلاقة الأجور بالإنتاجية.
اقتصاد 2026 وانهيار اليقين التقليدي
لا يقتصر الاضطراب على شعور المستهلكين، بل يمتد إلى صانعي السياسة النقدية والمستثمرين. فقد تغيرت خلال النصف الأول من عام 2026 توقعات التضخم والفائدة والنمو بصورة كبيرة، تحت تأثير الحرب والطاقة والاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتحولات سوق العمل.
كان الاعتقاد السائد في نهاية عام 2025 أن التضخم سيواصل الانخفاض، بما يسمح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة تدريجيًا. لكن التضخم عاد ليصبح مصدر القلق الرئيسي. وأظهرت تقديرات الاحتياطي الفيدرالي في حزيران 2026 ارتفاع متوسط توقعاته لتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي خلال العام إلى 3.6 في المئة، مقارنة بتقدير بلغ 2.7 في المئة في آذار، مع توقع نمو اقتصادي قدره 2.2 في المئة وبطالة في حدود 4.3 في المئة.
وتكشف هذه المراجعة عن اقتصاد لا يعاني ركودًا تقليديًا، لكنه يواجه ضغوطًا تضخمية لا تستجيب بسهولة للأدوات المعتادة. فأسعار الطاقة، والرسوم الجمركية، واختناقات البنية التحتية، ونقص العمالة في بعض القطاعات، والاستثمارات التكنولوجية الهائلة، كلها قد ترفع التكاليف حتى في ظل بقاء النمو إيجابيًا.
وتبرز هنا مفارقة الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، أصبحت الاستثمارات المرتبطة به ركيزة مهمة للنمو الأميركي، وأسهمت بحسب تقديرات أوردتها «أكسيوس» بنحو 0.8 نقطة مئوية من نمو الربع الأول. ومن جهة أخرى، يؤدي تشييد مراكز البيانات وارتفاع الطلب على الكهرباء والرقائق والذاكرة والبنية التحتية إلى ضغوط سعرية إضافية. وقدّر اقتصاديون في مصرف باركليز أن التوسع في بنية الذكاء الاصطناعي ربما أضاف ما يصل إلى ربع نقطة مئوية إلى التضخم منذ بداية العام، وهو تقدير يظل مرتبطًا بالافتراضات المستخدمة ولا يمثل رقمًا رسميًا نهائيًا.
وتعني هذه التطورات أن التكنولوجيا لم تعد تُناقش فقط بوصفها طريقًا إلى رفع الإنتاجية مستقبلًا، بل باعتبارها عاملًا حاضرًا في تكاليف الطاقة والاستثمار وتوزيع فرص العمل.
اليمين القومي والعودة إلى الدولة الصناعية
يمثل التحول داخل الحزب الجمهوري خروجًا جزئيًا عن النموذج الاقتصادي المحافظ الذي ارتبط بميلتون فريدمان ومدرسة السوق الحرة. فقد وصف نائب الرئيس جيه دي فانس التوجه الجديد بأنه أقرب إلى أفكار ألكسندر هاملتون، الذي دعا في بدايات الجمهورية الأميركية إلى حماية الصناعة الوطنية واستخدام سلطة الدولة لبناء القوة الاقتصادية.
يمنح هذا التوجه الحكومة دورًا نشطًا في دعم الصناعات المحلية، وفرض الرسوم الجمركية، وإعادة توطين سلاسل الإنتاج، وتوجيه الاستثمار إلى القطاعات الاستراتيجية. كما توسعت إدارة ترامب في التدخل في قرارات الشركات والأسعار، وفي استخدام نفوذ الدولة للحصول على حصص أو مصالح في شركات خاصة، بالتوازي مع ممارسة ضغوط علنية على بعض متاجر التجزئة لخفض الأسعار.
لكن هذا اليمين ليس اشتراكيًا بالمعنى المعروف. فهو لا يسعى إلى مساواة واسعة في توزيع الثروة أو نقل ملكية وسائل الإنتاج إلى المجتمع، بل يريد توظيف الدولة لخدمة القوة الصناعية والأمن القومي والمنافسة مع الصين. وهو يبقي في الوقت نفسه على عناصر تقليدية من البرنامج الجمهوري، مثل تخفيض الضرائب على الشركات، وتقليص بعض القيود التنظيمية، وتهيئة بيئة مواتية للأعمال.
لذلك يمكن وصف هذا النموذج بأنه «رأسمالية قومية موجهة» أكثر من وصفه باقتصاد السوق الحرة. فالسوق يظل قائمًا، لكن الحكومة تحدد الصناعات التي تستحق الحماية، والشركات التي ينبغي دعمها، والتقنيات التي تدخل ضمن الأمن القومي.
ويحمل هذا النموذج إمكانات ومخاطر متقابلة. فقد يساعد على إعادة بناء بعض القدرات الصناعية وتقليل الاعتماد الخارجي، لكنه قد يرفع الأسعار ويقلص المنافسة إذا استخدمت الرسوم بصورة واسعة. كما أن التدخل المباشر في الشركات قد يتحول إلى رأسمالية انتقائية تمنح الامتيازات للمقربين، ما لم يخضع لقواعد مؤسسية واضحة ورقابة مستقلة.
اليسار والاشتراكية الديمقراطية الجديدة
على الجانب الآخر، يربط اليسار الأميركي رفضه لإجماع السوق بتكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم ورعاية الأطفال وضعف قدرة العمال على التفاوض. ولا تتمثل حجته الأساسية في أن الأسواق غير ضرورية، بل في أن بعض الحاجات الأساسية لا ينبغي أن تتحدد فرص الحصول عليها بالكامل وفق القدرة الشرائية.
يعبر صعود عمدة نيويورك زهران ممداني والمرشحين المدعومين من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا عن هذا الاتجاه. فهؤلاء يطالبون بدور حكومي أكبر في بناء المساكن، وتنظيم الإيجارات، وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية، وتعزيز النقابات، والحد من نفوذ الشركات الكبرى في السياسة والاقتصاد.
وقد أظهرت الانتخابات التمهيدية في نيويورك قوة تنظيمية متزايدة لهذا التيار، بعدما خسر نائبان ديمقراطيان حاليان أمام منافسين يساريين، وفاز مرشحون آخرون مدعومون من ممداني. ولم تكن أهمية النتائج في عدد المقاعد فقط، بل في إظهار تفوق شبكات التنظيم الشعبي على بعض مؤسسات الحزب التقليدية، حتى عندما امتلك مرشحو المؤسسة موارد مالية وسياسية أكبر.
ويعكس هذا الصعود تغيرًا ملموسًا في المواقف داخل القاعدة الديمقراطية. فقد وجد استطلاع لمؤسسة غالوب أن 66 في المئة من الديمقراطيين ينظرون بإيجابية إلى الاشتراكية، مقابل 42 في المئة ينظرون بإيجابية إلى الرأسمالية. لكن الرأي العام الأميركي كله لا يزال أكثر ميلًا إلى الرأسمالية، إذ حصلت على تقييم إيجابي من 54 في المئة مقابل 39 في المئة للاشتراكية.
وتكشف هذه الأرقام أن الصعود الاشتراكي يتركز داخل الحزب الديمقراطي وبعض الفئات الشابة، ولا يمثل حتى الآن إجماعًا وطنيًا.
هل رفض الأميركيون السوق فعلًا؟
التمييز بين رفض السوق ورفض نتائج النظام الاقتصادي القائم ضروري لفهم التحول الحالي. فاستطلاع غالوب نفسه أظهر أن 81 في المئة من الأميركيين ينظرون بإيجابية إلى المبادرة الحرة، وأن 95 في المئة يؤيدون الشركات الصغيرة، في حين لا ينظر إلى الشركات الكبرى بإيجابية سوى 37 في المئة.
وبذلك لا يبدو أن الأزمة تتعلق بمبدأ الملكية الخاصة أو إنشاء المشروعات، بل بتركز السلطة الاقتصادية والشعور بأن المؤسسات الكبرى تتمتع بالنفوذ والإنقاذ والحماية، بينما تتحمل الأسر والمشروعات الصغيرة مخاطر السوق.
إن ما يتراجع هو الاعتقاد بأن مصالح الشركات الكبرى تتطابق تلقائيًا مع المصلحة العامة. كما يتراجع التسليم بأن النمو، بصرف النظر عن كيفية توزيعه، سيقود في النهاية إلى تحسين أوضاع الجميع.
لذلك يتفق اليمين القومي واليسار الديمقراطي على أن السوق ينبغي أن يخدم أهدافًا أوسع، لكنه يختلفان بشأن تحديد هذه الأهداف. فاليمين يركز على الصناعة الوطنية والسيادة والتنافس الدولي، بينما يركز اليسار على المساواة والخدمات الأساسية وقوة العمل. والالتقاء بينهما هو التقاء في نقد النظام السابق، لا في بناء بديل مشترك.
من الصراع الأيديولوجي إلى تمرد القواعد
تترافق مراجعة النظام الاقتصادي مع تمرد داخل الحزبين على القيادات التقليدية. ففي الحزب الديمقراطي لم يعد الانقسام مقتصرًا على معتدلين وتقدميين، بل أصبح صراعًا بين المؤسسة والمرشحين القادمين من خارج شبكاتها.
يرتبط هذا التمرد بتراكم الإحباط منذ انتخابات عام 2016، حين شعر مؤيدو بيرني ساندرز بأن المؤسسة الحزبية حالت دون وصوله إلى الترشيح. ثم تعمق فقدان الثقة بعد عودة ترامب إلى السلطة، إذ رأى كثير من الديمقراطيين أن القيادات التقليدية لم تستوعب حجم الغضب الاجتماعي أو تقدم بديلًا قادرًا على تعبئة الناخبين.
وشهدت انتخابات 2026 التمهيدية سلسلة انتصارات لمرشحين يساريين وخارجين عن المؤسسة في نيويورك وواشنطن العاصمة وولايات أخرى. وقد دفع ذلك بعض قادة الحزب إلى تشبيه الظاهرة بحركة «حزب الشاي» التي دفعت الجمهوريين نحو اليمين قبل أكثر من عقد، وإن كان التقدميون يرفضون أحيانًا هذا التشبيه بسبب اختلاف الأهداف والأساليب.
ويواجه الحزب الجمهوري بدوره انقسامًا داخل حركة «أميركا أولًا». فبعض القوميين الذين دعموا ترامب انطلاقًا من رفض الحروب الخارجية باتوا يرون أن سياساته تجاه إيران والشرق الأوسط ابتعدت عن الوعد الأصلي بتقليص التدخل العسكري. وهكذا أصبح الغضب من الحروب والأسعار والنخب السياسية عاملًا مشتركًا يغذي المعارضة داخل الحزبين.
الذكاء الاصطناعي والسياسة الخارجية بوصفهما عاملين في إعادة الاصطفاف
لا يمكن تفسير إعادة تشكيل الحزبين بالعوامل الاقتصادية المباشرة وحدها. فالذكاء الاصطناعي والسياسة الخارجية يضيفان أبعادًا جديدة إلى الصراع.
في ملف الذكاء الاصطناعي، تتقاطع مخاوف النقابات واليسار مع مخاوف بعض القوميين والمحافظين المنتقدين لسلطة شركات التكنولوجيا. وينظر هؤلاء إلى التوسع غير المقيد في التقنية باعتباره مصدرًا محتملًا لفقدان الوظائف وارتفاع أسعار الكهرباء وزيادة نفوذ عدد محدود من المليارديرات.
وأظهر استطلاع معهد السياسة في جامعة هارفارد أن 59 في المئة من الأميركيين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا يرون الذكاء الاصطناعي تهديدًا لفرصهم الوظيفية، بمن فيهم 66 في المئة من الديمقراطيين الشباب و59 في المئة من الجمهوريين الشباب. كما توقع 44 في المئة أن تؤدي التقنية إلى تقليص الفرص، مقابل 14 في المئة فقط توقعوا أن تزيدها.
أما في السياسة الخارجية، فقد أدت الحروب والعلاقة مع إسرائيل إلى تعميق الفجوة بين الأجيال والقيادات الحزبية. وأظهر مركز بيو للأبحاث أن 60 في المئة من الأميركيين كانت لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل في ربيع 2026، وأن غالبية من تقل أعمارهم عن خمسين عامًا في الحزبين باتت تحمل تقييمات سلبية لها، مع بقاء الاختلافات الكبيرة بين الديمقراطيين والجمهوريين الأكبر سنًا.
وتؤدي هذه الملفات إلى دمج الاعتراض الاقتصادي بالاعتراض الأخلاقي والسياسي. فالشباب الذين يشعرون بأنهم غير قادرين على شراء منزل أو ضمان مستقبل وظيفي، هم أنفسهم الأكثر تشككًا في الشركات التكنولوجية والحروب والتحالفات الخارجية التقليدية. ومن ثم يصبح التمرد على المؤسسة منظومة مترابطة من المواقف، لا مجرد احتجاج على التضخم.
حدود التشابه بين اليمين واليسار
قد يوحي رفض الطرفين للسوق الحرة بأن الولايات المتحدة تتجه إلى نوع من التوافق الاقتصادي الجديد، لكن هذا الاستنتاج يتجاهل اختلافًا جوهريًا في تصور الدولة والمجتمع.
يريد اليمين القومي دولة قوية في التجارة والصناعة والحدود والأمن، لكنه لا يتبنى بالضرورة دولة رفاه اجتماعي واسعة. وقد يدعم حماية المصانع الأميركية، من دون أن يؤيد تأمينًا صحيًا عامًا أو توسعًا كبيرًا في حقوق النقابات.
أما اليسار الاشتراكي الديمقراطي فيريد استخدام الدولة لتقليص التفاوت وضمان الخدمات وتعزيز نفوذ العمال، لكنه قد يكون أكثر انفتاحًا على الهجرة والتعاون الدولي وأقل تركيزًا على حماية الشركات الوطنية لمجرد كونها أميركية.
كما تختلف علاقة الطرفين بالشركات الكبرى. فاليمين قد يعارضها عندما تتناقض مع أهدافه الثقافية أو القومية، لكنه يتحالف معها في خفض الضرائب والتنظيم. أما اليسار فينطلق من نقد أكثر بنيوية لتركيز الثروة والسلطة الاحتكارية.
لذلك فإن الولايات المتحدة لا تتحرك من إجماع قديم إلى إجماع جديد مكتمل، بل إلى مرحلة من التنافس بين نماذج متعددة للتدخل الحكومي.
نحو عقد اقتصادي أميركي جديد
تشير التحولات الحالية إلى أن السؤال لم يعد: هل تتدخل الدولة في الاقتصاد؟ بل أصبح: كيف تتدخل، ولصالح من، وبأي قيود مؤسسية؟
يمكن أن يؤدي التدخل المصمم بعناية إلى بناء بنية تحتية أفضل، وزيادة المساكن، ودعم البحث العلمي، وحماية المنافسة، وتعزيز قدرة العمال، وتقليل الاعتماد على سلاسل توريد هشة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى حماية غير منتجة، أو إنفاق تضخمي، أو توزيع سياسي للامتيازات، أو توسع بيروقراطي لا يقابله تحسن في الخدمات.
ويحتاج أي عقد اقتصادي قابل للاستمرار إلى الجمع بين ثلاثة عناصر: الحفاظ على المبادرة الفردية والمنافسة، وبناء دولة قادرة على توفير السلع العامة ومعالجة الاحتكارات، وضمان أن يشعر المواطن بأن النمو ينعكس على أمنه الاقتصادي وحياته اليومية.
ويبدو أن جوهر الأزمة الأميركية هو تراجع العلاقة بين الأداء الاقتصادي الكلي والإحساس الفردي بالتقدم. فاقتصاد يولد أرباحًا مرتفعة واستثمارات تكنولوجية ضخمة، لكنه لا يوفر السكن أو الصحة أو الاستقرار الوظيفي لفئات واسعة، سيبقى مصدرًا للغضب حتى لو تجنب الركود.
خاتمة
تكشف التحولات الجارية في الولايات المتحدة أن عصر الهيمنة المطلقة لفكرة «السوق أولًا» يقترب من نهايته. فاليمين القومي يريد سوقًا تخضع لمقتضيات القوة الصناعية والسيادة، واليسار الاشتراكي الديمقراطي يريد سوقًا مقيدة بضمانات اجتماعية وحقوق اقتصادية. وبينهما يقف تيار وسطي يبحث عن وسائل لاستعادة القدرة على تحمّل التكاليف من دون التخلي عن الاقتصاد الرأسمالي.
ولا يعني ذلك أن الاشتراكية ستحل محل الرأسمالية، أو أن الأسواق ستفقد دورها المركزي. فالتأييد للمبادرة الحرة والمشروعات الصغيرة لا يزال واسعًا. لكن شرعية السوق أصبحت مشروطة بقدرته على إنتاج نتائج مقبولة اجتماعيًا، وبوجود دولة تمنع الاحتكار وتحمي الاستقرار وتوفر الفرص.
أما الأحزاب، فهي تواجه تحديًا يتجاوز تغيير الشعارات. فالقواعد الشابة والطبقات المتضررة لا تطالب فقط بسياسات مختلفة، بل بقيادات ومؤسسات أكثر استجابة. وإذا أخفقت المؤسستان الجمهورية والديمقراطية في استيعاب هذا التحول، فإن التمرد الحالي قد لا يكون موجة انتخابية عابرة، بل بداية إعادة بناء طويلة للنظام الحزبي والاقتصادي الأميركي.