الذهب ورسالته الكئيبة
بروجيكت سنديكيت
2026-05-14 04:05
بقلم: باري آيكنجرين
نيويورك ــ قد يكون الذهب "أثرا من مخلفات عصور الهمجية"، كما وصفه جون ماينارد كينز ذات مرة، لكنه يظل الأثر المفضل لدى البنوك المركزية. فقد دأبت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة على زيادة احتياطياتها من الذهب منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فزادت حجم مقتنياتها بأكثر من الضعف. فهل يثير سلوك أسعار الذهب الشاذ منذ اندلاع الحرب مع إيران التساؤلات حول هذه الاستراتيجية، أو هل تجري الأمور مجرى آخر؟
يستمد الذهب جاذبيته من سمعته كملاذ آمن ووسيلة للتحوط من التضخم. ومع ذلك، في مارس/آذار، عقب اندلاع الحرب، وهو الحدث الذي كان من الواجب أن يدعم الطلب على الذهب بناء على هذين السببين، انخفض سعره بالدولار بنسبة 10%. ثم ظلت الأسعار ثابتة في أبريل/نيسان. من الواضح أن الذهب ليس بالضبط الملاذ الآمن ووسيلة التحوط من التضخم كما تصور المستثمرون.
سيقت تفسيرات عديدة لهذا السلوك الشاذ. فربما باع المتداولون الذين تكبدوا خسائر في استثمارات أخرى عقود الذهب الآجلة وصناديق الذهب لتلبية طلبات تغطية الهامش. وربما تسبب ارتفاع أسعار الفائدة، أو على الأقل تراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة، في تحول المستثمرين من الذهب إلى السندات. باع البنك المركزي التركي الذهب للحصول على العملات الأجنبية اللازمة لدعم عملة البلاد، الليرة. وربما حذت بنوك مركزية أخرى حذوه.
على أية حال، تُـذَكِّرُنا هذه الواقعة بأن أسعار الذهب قد تكون متقلبة. وعلى هذا، فهل ينبغي لمحافظي البنوك المركزية إعادة النظر في استراتيجياتهم الاستثمارية؟
لننظر هنا في الأسباب التي تدفع البنوك المركزية إلى الاحتفاظ بالذهب. يدعم التاريخ فكرة الاحتفاظ بالسبائك الذهبية، حيث كان دوما علامة على جدارة البنوك المركزية بالاحترام. الواقع أن أي مستثمر عالمي سيكون راغبا في ضم "الاستثمار في المواد الخام" إلى محفظته الاستثمارية، وهو استثمار مرتبط بأسعار السلع. والاستثمار الطويل الأجل في الذهب أحد الطرق للحصول على هذا التعرض، وإن كانت أدوات أخرى، في عالم صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) في السلع والعقود الآجلة، تقدم مجموعات مختلطة أفضل من المخاطر والعائد.
لكن العامل الأكثر أهمية هو أن الذهب الذي يُحتفظ به محليا متحرر من مخاطر العقوبات. ذلك أن احتياطيات النقد الأجنبي الـمُحتَـفَظ بها كودائع مصرفية وأوراق مالية في الخارج معرضة لخطر التجميد، أو حتى الحجز، من قبل حكومة أجنبية تستخدم العقوبات لأغراض الردع، كما جرى تذكير روسيا عقب هجومها على أوكرانيا في عام 2022.
لم تكن روسيا غافلة عن هذا الخطر: فقد ازدادت حصة احتياطياتها الأجنبية المودعة في هيئة ذهب بأكثر من الضعف من عام 2014، قبل ضمها لشبه جزيرة القرم مباشرة، وحتى غزوها الشامل لأوكرانيا في عام 2022. وقد أعادت كل هذه الاحتياطيات إلى أراضيها، وخزنتها في سانت بطرسبرج وموسكو.
كان بنك الشعب الصيني أقل صراحة بشأن عمليات الذهب، لكن يُعتقد أنه كان أهم مشترٍ من بين البنوك المركزية في السنوات الأخيرة. كما يُعتقد أن بنك الشعب الصيني يخزن الغالبية العظمى من ذلك الذهب في بكين وشنغهاي، ربما لأنه يدرك مخاطر العقوبات.
تشير أبحاثي مع مؤلفين مشاركين إلى أن هذا النمط عام: التعرض للعقوبات المالية الأميركية يزيد بشكل كبير من حصة الاحتياطيات التي تحتفظ بها الاقتصادات الناشئة والنامية في هيئة ذهب. في عموم الأمر، كانت أكبر مشتريات الذهب من جانب البنوك المركزية في السنوات الأخيرة من قِـبَل دول معرضة بدرجة كبيرة لمخاطر جيوسياسية، ليس فقط روسيا والصين، بل أيضا بولندا والهند، وقبل مارس الماضي تركيا.
يتمثل مؤشر آخر لتصورات البنوك المركزية في أن الحصة من احتياطيات الذهب الرسمية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك انخفضت من 30% من الإجمالي العالمي في عام 2005 إلى 20% بالكاد اليوم. يتساءل صُـنّاع السياسات في دول أخرى حول ما إذا كانت الولايات المتحدة حليفا يمكنهم التعويل عليه وما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أمين حفظ جديرا بالثقة. تربط تقارير حديثة بين الضغط الشعبي من أجل إعادة الذهب إلى ألمانيا وإيطاليا والتوترات السياسية مع الولايات المتحدة والتهديدات التي تواجه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. من كان ليتصور شيئا من هذا القبيل؟
لكن الذهب المخزن محليا لا يمكن إقراضه، أو مبادلته، أو تقديمه كضمان، على عكس الذهب المخزن في لندن ونيويورك. كما أنه غير عملي عند استخدامه في المدفوعات. في عام 2019، استأجرت حكومة فنزويلا، الخاضعة لعقوبات أميركية، طائرة بوينج 777 من شركة روسية لنقل 7.4 طن من الذهب إلى أوغندا، حيث جرى تنقيته وإعادة بيعه. تلقت فنزويلا ما قيمته 300 مليون دولار من اليورو لدفع ثمن بضائع لم تكن لتتوفر للبلاد لولا ذلك.
كررت فنزويلا ذلك في عام 2020، حيث دفعت ثمن معدات وخدمات حقول النفط من إيران، الخاضعة أيضا للعقوبات، من خلال استئجار أسطول من طائرات بوينج 747 لنقل سبائك الذهب. كانت هذه العمليات، المعقدة والصعبة، استثناءات أثبتت القاعدة.
وبهذا المعنى، تُـعَـد مشتريات البنوك المركزية وإعادة الذهب إلى الوطن من أعراض انحسار العولمة. فهي تشير إلى ظهور عالم أكثر تفتتا من الناحية الجيوسياسية، حيث من المتوقع أن تصبح المعاملات عبر الحدود بأنواعها كافة أكثر صعوبة وتكلفة.