الدين الداخلي في العراق: هل تتحمل المصارف عبء تمويل العجز؟

د. سلام عيدان مرزوك الخيكاني

2026-05-12 02:53

يمثل الدين العام أحد أبرز الأدوات المالية التي تلجأ إليها الحكومات لمعالجة العجز المالي وتمويل النفقات العامة، لاسيما في الاقتصادات الريعية التي تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، كما هو الحال في العراق. فعندما تتراجع الإيرادات أو ترتفع مستويات الإنفاق العام، تجد الدولة نفسها مضطرة إلى الاقتراض لضمان استمرار نشاطها المالي والاقتصادي. غير أن التوسع المستمر في الاقتراض، خصوصًا الداخلي منه، يثير تساؤلات مهمة حول قدرة الاقتصاد والقطاع المالي على تحمل هذا العبء على المدى الطويل.

ويُعرَّف الدين العام بأنه مجموع الالتزامات المالية المترتبة على الدولة نتيجة اقتراضها من مصادر داخلية أو خارجية بهدف تمويل العجز في الموازنة، أو تنفيذ المشاريع، أو تغطية النفقات التشغيلية. وينقسم الدين العام إلى دين خارجي يتم الحصول عليه من مؤسسات ودول أجنبية، ودين داخلي يتم الحصول عليه من المصارف المحلية أو البنك المركزي أو الجمهور عبر أدوات الدين المختلفة. وعادة ما تلجأ الدول إلى المزج بين النوعين بحسب ظروفها الاقتصادية وقدرتها على الوصول إلى الأسواق المالية الدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، اتجه العراق بصورة متزايدة نحو الاعتماد على الدين الداخلي بدلًا من الخارجي، نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة، إضافة إلى صعوبة الحصول على التمويل الخارجي بشروط ميسرة. وأصبح القطاع المصرفي العراقي، ولاسيما المصارف الحكومية، يشكل المصدر الرئيس لتمويل احتياجات الدولة المالية من خلال الاكتتاب بالحوالات والسندات الحكومية، الأمر الذي عزز الترابط بين أوضاع المالية العامة وأوضاع القطاع المصرفي.

ومن الناحية النظرية، لا يمثل الدين الداخلي خطرًا مباشرًا إذا استُخدم ضمن حدود مدروسة وبهدف تحفيز النشاط الاقتصادي أو تمويل مشاريع إنتاجية قادرة على توليد الإيرادات مستقبلًا. بل إن بعض الاقتصادات المتقدمة تعتمد بصورة كبيرة على أدوات الدين الداخلي بوصفها وسيلة طبيعية لإدارة السياسة المالية. إلا أن المشكلة تظهر عندما يتحول الاقتراض الداخلي إلى أداة دائمة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب والعجز المتكرر، من دون وجود إصلاحات اقتصادية حقيقية.

وفي العراق، تبرز المخاوف من أن يؤدي التوسع المستمر في الاقتراض الداخلي إلى زيادة انكشاف المصارف على الدين الحكومي. فكلما ارتفعت حصة السندات والحوالات الحكومية ضمن موجودات المصارف، تراجعت قدرتها على تمويل القطاع الخاص والأنشطة الإنتاجية. وبذلك تتحول المصارف تدريجيًا من مؤسسات تمويل وتنمية اقتصادية إلى جهات تمويل مباشر لعجز الدولة، وهو ما يضعف دورها الحقيقي في دعم الاستثمار وخلق فرص العمل وتحريك النشاط الاقتصادي.

وتشير التقديرات إلى أن حجم الدين الداخلي في العراق اقترب من نحو 96 تريليون دينار، وهو رقم يعكس اتساع اعتماد المالية العامة على الاقتراض المحلي خلال السنوات الأخيرة. وعند مقارنة هذا الرقم بالناتج المحلي الإجمالي للعراق، الذي يبلغ بحدود 325 تريليون دينار لعام 2025، يتضح أن الدين ما يزال ضمن حدود يمكن للاقتصاد تحملها نسبيًا مقارنة ببعض الدول الأخرى. إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الدين وحده، بل في طبيعة استخدامه واستمرار نموه بوتيرة متسارعة. فمعظم هذا الدين يُوجَّه لتغطية النفقات التشغيلية والعجز المالي بدلًا من تمويل مشاريع إنتاجية قادرة على توليد الإيرادات مستقبلًا، الأمر الذي يزيد الضغوط على القطاع المصرفي ويحدّ من قدرته على تمويل الاستثمار والقطاع الخاص.

وفي المقابل، يمتلك العراق احتياطيات جيدة من العملة الأجنبية لدى البنك المركزي، ما يمنح السياسة النقدية قدرًا من الاستقرار والثقة في قدرة الدولة على مواجهة الأزمات قصيرة الأجل. إلا أن الاعتماد على الاحتياطيات بوصفها مؤشرًا مطمئنًا بصورة دائمة قد يكون مضللًا، لأن هذه الاحتياطيات ترتبط أساسًا باستقرار سعر الصرف وتمويل التجارة الخارجية، بينما يبقى الدين الداخلي عبئًا متزايدًا على السيولة المحلية وعلى هيكل عمل القطاع المصرفي. كما أن استمرار استنزاف الموارد المالية في تمويل النفقات التشغيلية يحدّ من قدرة الاقتصاد على تحقيق التنويع الاقتصادي المطلوب.

وتتفاقم هذه الإشكالية في الاقتصادات الريعية التي ترتبط إيراداتها بأسعار النفط العالمية. فالعراق ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على العائدات النفطية في تمويل الموازنة العامة، ما يجعل أي انخفاض في أسعار النفط سببًا مباشرًا لاتساع العجز المالي وزيادة الحاجة إلى الاقتراض الداخلي. ومع تكرار هذه الدورات، يصبح الدين الداخلي أداة لتأجيل الأزمة بدلًا من معالجتها، خصوصًا في ظل استمرار ضعف القطاعات الإنتاجية غير النفطية.

كما أن استمرار هذا المسار قد يخلق نوعًا من الاعتماد المتبادل بين الحكومة والمصارف؛ فالدولة تعتمد على المصارف في تمويل عجزها، بينما تعتمد المصارف على الحكومة في تحقيق جزء كبير من عوائدها وضمان سيولتها. وفي حال تعرض المالية العامة إلى ضغوط حادة أو انخفاض كبير في الإيرادات النفطية، فإن ذلك قد ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المالي والمصرفي، وقد يؤدي إلى تراجع قدرة المصارف على تمويل الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

ولا تقتصر آثار التوسع في الدين الداخلي على القطاع المصرفي فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد بصورة عامة. فعندما تتجه المصارف إلى توظيف أموالها في شراء أدوات الدين الحكومي المضمونة، فإنها تميل إلى تقليل التمويل الموجه للقطاع الخاص بسبب انخفاض المخاطر المرتبطة بالحكومة مقارنة بالمشاريع الاستثمارية. ويؤدي ذلك إلى ما يُعرف اقتصاديًا بـ”مزاحمة القطاع الخاص”، حيث تستحوذ الدولة على الجزء الأكبر من السيولة المتاحة داخل السوق المالية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الاستثمار والإنتاج وفرص العمل.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاقتراض الداخلي قد ساهم في تجاوز أزمات مالية صعبة، خصوصًا خلال فترات انخفاض أسعار النفط أو الأزمات السياسية والصحية العالمية. فقد وفر للحكومة سيولة عاجلة ساعدت في استمرار دفع الرواتب وتمويل الإنفاق العام ومنع حدوث اضطرابات اقتصادية حادة. إلا أن الاعتماد المفرط عليه من دون إصلاحات هيكلية حقيقية قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى إضعاف كفاءة القطاع المصرفي وتقييد دوره التنموي، فضلًا عن ارتفاع المخاطر المرتبطة بالاستقرار المالي.

إن معالجة مشكلة الدين الداخلي في العراق لا تتطلب إيقاف الاقتراض بصورة كاملة، بل تستوجب إعادة تنظيم العلاقة بين السياسة المالية والقطاع المصرفي، والعمل على تنويع مصادر الإيرادات العامة، وتقليل الاعتماد على النفط، وتوجيه الاقتراض نحو المشاريع الاستثمارية المنتجة بدلًا من تمويل النفقات الاستهلاكية قصيرة الأجل. كما أن تطوير السوق المالية وتنشيط الاستثمار الخاص يمكن أن يساهما في تخفيف الضغط عن المصارف وتقليل اعتماد الدولة على التمويل المباشر منها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع المصارف العراقية الاستمرار في تمويل الدولة من دون أن يؤثر ذلك في دورها الأساسي بوصفها محركًا للنشاط الاقتصادي والتنمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العلاقة بين المالية العامة والاستقرار المصرفي في العراق خلال السنوات المقبلة، كما ستحدد قدرة الاقتصاد العراقي على الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاقتراض والنفط إلى اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.

ذات صلة

الخوف من التغيير.. الفرص الضائعة والاوهام الكابحةتقوى اللسان ضرورة اجتماعيةالبيروقراطية الفاسدة وأثرها في تقويض الدولة والحكم الصالحقمة ترامب-شي.. وسيناريوهات تسوية الحرب الإيرانيةمن يمنح الذكاء الاصطناعي الحق في كتابة التاريخ البشري؟